أوروبا ترفض عقوبات واشنطن ضد روسيا وإيران.. معركة جديدة تشتعل في الشرق الأوسط «تحليل»

أوروبا ترفض عقوبات واشنطن ضد روسيا وإيران.. معركة جديدة تشتعل في الشرق الأوسط «تحليل»

04:30 ص

29-يوليو-2017

بشكلٍ عام، لا تبدو المعركة بين أوروبا والولايات المتحدة ستهدأ قريباً في الشرق الأوسط، بعد خفوت كابوس "داعش" الذي وحّدهم، لتبقى إيران وميليشياتها التي ملأت الفراغ الذي خلفه التنظيم بشكل سريعٍ ومخيفٍ، مخيف لواشنطن، كما هو مرعب لدول الخليج.

هل تكون إيران هي حلبة المواجهة المقبلة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقوى الأوروبية بعد قطر؟.

ثمَّة تطورات حدثت خلال الساعات الماضية لها علاقة بالإجابة على هذا السؤال.

الثلاثاء 25 يوليو الجاري أقرَّ مجلس النواب الأمريكي بأغلبيةٍ ساحقةٍ فرض عقوبات جديدة على روسيا وإيران وكوريا الشمالية.

مساء الأربعاء 26 يوليو، أصدرت الخارجية الفرنسية بياناً، قالت فيه: إن العقوبات الأمريكية الجديدة ضد إيران وروسيا وكوريا الشمالية "تبدو مخالفة للقانون الدولي؛ لأن نطاقها الجغرافي يمتد خارج الأراضي الأمريكية"..

ومثَّلَ هذا التصريح حالةً غريبةً تبدو أكبر من مجرد رصد معارضة باريس للقرار الأمريكي، ولكن حديث فرنسا عن أن العقوبات التي تفرضها واشنطن خارج إطارها الجغرافي مخالفة للقانون الدولي، رغم أن الأخيرة تُصدر هذه العقوبات منذ سنوات طويلة، وسط إقرار عالمي وأوروبي، فماذا حدث الآن؟.

وضوح وتصعيد

يُشير مراقبون إلى أن أوروبا قرَّرَت تصعيد إجراءات معارضتها للتوجهات الأمريكية بشكلٍ أكثر وضوحاً وصراحةً.. وعنفاً.

ما يُشير إلى ذلك هو البيان الذي خرج عن المفوضية الأوروبية، مساء الأربعاء أيضاً، والذي أعلنت خلاله أنها ستظلّ مستعدةً "للتدخل لحماية المصالح الأوروبية" إذا لم يأخذ الكونغرس الأمريكي مخاوفها في الاعتبار بشأن العقوبات المفروضة على روسيا.

المفوضية أبدَتْ تخوّفها من جهةٍ "للتبعات المُمكنة لهذه العقوبات على استقلالية الاتحاد الأوروبي على صعيد الطاقة"، ومن جهة أخرى "إزاء انعكاساتها السياسية السلبية المحتملة"، مذكرةً بأهمية تنسيق سياسة العقوبات بين دول مجموعة السبع كافة.

هكذا تتشكَّل المعارضة الأوروبية لواشنطن على أسسٍ جديدةٍ، تتسم بالصراحة وتجاوز المُسلَّمات أيضاً، وهو ما يُمكن أن يُشير إلى زيادة اتساع البون الشاسع أصلاً بين الجهتين، منذ التقارب التاريخي الذي تزعمته بريطانيا مع واشنطن في عهد "بوش" الابن، حيث كانت أوروبا رأس حربة في الحرب على العراق وأفغانستان.

ثمَّة ملاحظة مهمة أخرى، وهي أن أوروبا قرَّرتْ توصيل رسالة واضحة إلى روسيا بالنَّأي بأنفسهم عن التحرُّك الأمريكي الجديد، الذي ينظر إليه خبراء ومحللون على أنه إحدى تجلّيات الصراع بين "ترامب" وباقي المؤسسات الأمريكية على هامش قضية التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

ومن المعروف أن قطاعَ الغاز الأوروبي مرتبطٌ بشكلٍ وثيقٍ بروسيا، التي تمدّ القارة العجوز بجزءٍ كبيرٍ من احتياجاتها من الغاز.

هذا فيما يخص روسيا، فماذا عن إيران؟ ولماذا هذا التصعيد الأمريكي المفاجئ ضد طهران وأذرعها بالمنطقة؟.

الخدعة الإيرانية

خلال المفاوضات حول الاتفاق النووي مع الغرب، وبعد تلك الفترة، أرادت إيران أن تلعب دوراً مختلفاً يجعلها تبدو كما لو أن عملياتها الإقليمية تهدف إلى محاربة "داعش"، والإرهاب بشكلٍ عام.

والواقع أن الميليشيات الشيعية الإيرانية في المنطقة – وخاصةً في العراق وسوريا – موجودة لتنفيذ جدول أعمال إيراني يهدف للسيطرة والهيمنة، لكن الصورة الظاهرة ضرورية لتشكيل الرأي العام، وتظاهر إيران بأنها جزء من الحرب ضد "داعش" جعلتها مع "حزب الله" و"الأسد" وجميع الميليشيات الشيعية تظهر أقل خطورةً من الجماعات الإسلامية الأخرى في المنطقة.

وبحسب محللين، فإن أطرافاً غربيةً صدَّقت ذلك، ودعت إلى التعاون مع إيران في العراق وسوريا، وحتى إشراك إيران في أية مناقشة دولية لإيجاد حلولٍ دبلوماسية، وبالتأكيد ساعدت روسيا على تعزيز هذا البرنامج ودعت إيران إلى أن تكون جزءاً من محادثات "أستانة".

ويقول خبراء: إن الميليشيات الإيرانية – وعلى رأسها "حزب الله" – اضطرت إلى أن تتوقّف عن القيام بهجمات في الغرب، ولا سيما في الولايات المتحدة، فأي هجوم على المصالح الغربية كان سيُعيد "حزب الله" إلى قائمة التهديدات المباشرة للولايات المتحدة أو أوروبا، غير أن التخطيط لم يتوقّف أبداً؛ لأن "حزب الله" يعلم أنه سيأتي اليوم – بعد "الموصل" أو "الرقة" - ستُصبح فيه المواجهة مع الولايات المتحدة في المنطقة.

بالفعل، اشتعلت الأحداث بعد المواجهة العسكرية المحدودة بين مقاتلي الحزب، وجنود أمريكيين في محيط منطقة "التنف" السورية، بعدها أعلنت واشنطن عن اعتقال عنصرين تابعين لـ "حزب الله" كانا يُخطّطان لهجماتٍ ضد أهداف "إسرائيلية" وأمريكية في نيويورك و"بنما"، ثم الإعلان عن عقوبات كبيرة بحقّ الحزب وإيران، وأخيراً جاءت تصريحات "ترامب"، مؤخراً، خلال لقائه مع رئيس الوزراء اللبناني "سعد الحريري" بأن "حزب الله" بَاتَ يُشكّل تهديداً للشرق الأوسط برمته.

هنا تتداخل الخطوط، وبشكلٍ أكثر وضوحاً، يُنظَر إلى التصعيد الأمريكي الأخير ضد إيران و"حزب الله" على أنه إحدى تجليات تقارب "ترامب" مع قوى خليجية متنفذة.

أوروبا وعنجهية ترامب

ومن هذا المنطلق يُمكن فهم جزء من دوافع الرفض الأوروبي للعقوبات الأمريكية الأخيرة على طهران، حيث لا تزال أوروبا ترى أن ترامب يتصرَّف بعنجهيةٍ وعدم تنسيق تام معهم في قضايا الشرق الأوسط.

ما حدَث يُعدُّ أيضاً امتداداً لتجلّيات الأزمة القطرية، حيث كان الموقف الأوروبي واضحاً من معارضة الإجراءات التي اتخذتها كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر ضد قطر، بل وظهرت تصريحات لمسؤولين أوروبيين تَعتبر أنه ليس من الصحيح السماح لـ "ترامب" بالعبث في المنطقة الخليجية، في إشارة لحدوث التصعيد ضد قطر، بعد أيام قليلة من انتهاء "القمة الإسلامية الأمريكية" في السعودية، بين ترامب وقادة المنطقة، بما فيهم قطر.

ما سَبَق يستدعي سؤالاً حول مستقبل العلاقات الخليجية الأوروبية، بعد استمرار القادة الأوروبيين في معارضة التحرك ضد قطر وإيران أيضاً.

بالتأكيد لا تُريد أوروبا تدهوراً للعلاقات مع السعودية والإمارات، لكنها أيضاً لا تُريد انهيار علاقاتها بقطر، أو تدمير ما اعتبرته إنجازاً مع إيران كان لها بَاعٌ كبيرٌ فيه خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق "أوباما"، حينما تم التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران بملامح تُرضِي الجميع، لكنها أفزعت دول الخليج.

لا تبدو مصر مرتبطةً كثيراً بالأمر، رغم انخراطها في التحالف الخليجي ضد قطر، لسببين:

الأول: هو إصرار القاهرة على عدم التصعيد دون سقف مع طهران، حتى مع استمرار الضغوط الخليجية؛ لمعرفة السيسي بأن قطع كل الحبال مع إيران قد يقطع بدوره حبالاً مع أوروبا يحرص على تمتينها حالياً.

الثاني: استمرار اقتناع الأوروبيين بالنظام المصري الحالي كقوة إقليمية مهمة؛ لمنع تدفق اللاجئين على السواحل الأوروبية، بما فيهم الجهاديين المحتمل نزوحهم، عبر مصر وليبيا والسودان، ومحاولة الوصول إلى القارة العجوز.

وبشكلٍ عام، لا تبدو المعركة بين أوروبا والولايات المتحدة ستهدأ قريباً في الشرق الأوسط، بعد تلاشي كابوس "داعش" الذي وحَّدهم لتبقى إيران وميليشياتها بعد أن ملأت الفراغ الذي خلَّفه التنظيم بشكلٍ سريعٍ ومخيفٍ، مخيف لواشنطن، كما هو مرعب لدول الخليج.

وستنضمّ روسيا بكل ثقلها كلاعبٍ إقليمي في المنطقة، وستظلّ القوى الخليجية الكبرى على موقفها بدفع الكثير لمن ينجح في إبعاد الكابوس الإيراني عنهم، بينما ينظر السيسي من بعيد مستعداً للاصطفاف مع مَن يفوز في النهاية.