بين إيران وقطر.. قراءة في ردود الفعل السعودية على أزمة الحجاج (تحليل)

بين إيران وقطر.. قراءة في ردود الفعل السعودية على أزمة الحجاج (تحليل)

07:15 ص

01-أغسطس-2017

بينما رحّبت السعودية العام الماضي بحجاج إيران "من حيث أتوا"، تضع العراقيل أمام حجاج قطر هذا العام.

خبران في يوم واحد كشفا تناقضًا غريبًا، وأثار أحدهما جدلًا واسعًا واستحوذ على بؤرة الاهتمام والمتابعة، بينما لم يلتفت كثيرون للثاني، رغم ارتباطهما الوثيق.

فبينما تشتعل أزمة الحج بين السعودية وقطر، تستقبل المدينة المنورة أول أفواج الحجاج الإيرانيين للموسم الحالي، بعد أن امتنعت طهران عن إرسال حجاجها العام الماضي على خلفية الأزمة الدبلوماسية بين البلدين.

أزمة حجاج قطر وصلت فيما يبدو إلى طريقٍ مسدودٍ، وسط اتهامات متبادلة بتسييس الشعيرة الدينية، واستغلال الحج كورقة لعب في الأزمة الخليجية، وصلت إلى حد وصف وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" إرسال قطر شكوى دولية بشأن منع حجاجها بأنه "عدواني وإعلان حرب ضد المملكة".

"الجبير" قال - على هامش لقاء وزراء خارجية دول حصار قطر في المنامة الأحد -: إن الدوحة تعمَّدت تعطيل موسم الحج، وإن المملكة ترفض ما رأى أنه "تسييس" قطر للشعيرة.

في المقابل تقول قطر: إن السعودية "تضع العراقيل أمام المواطنين القطريين والمقيمين الراغبين في أداء مناسك الحج والعمرة".

ترتيبات مع "العدو"

تلك الأزمة الناشبة تُعيد إلى الأذهان أزمةً مماثلةً وقعت العام الماضي بين السعودية وإيران على خلفية التوتر الدبلوماسي بينهما، والذي على إثره منعت طهران حجاجها من أداء الفريضة لهذا العام.

وبعد أشهرٍ من المفاوضات، وتحديدًا في 17 مارس الماضي، أعلنت السعودية أن الحجاج الإيرانيين سيشاركون في موسم الحج لهذا العام 1438ه، 2017م.

وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، أكّدت أن وزارة الحج والعمرة السعودية ومنظمة الحج والزيارة الإيرانية استكملتا "الترتيبات اللازمة لمشاركة الحجاج الإيرانيين في موسم حج 1438 وفق الإجراءات المعتمدة مع مختلف الدول الإسلامية".

وبهذه السلاسة أنهت المملكة أزمتها مع إيران، ليس هذا فحسب بل بزيادة عدد حجاجها القادمين للأراضي المقدسة بنسبة 35% ليصبح 86 ألف و500، رغم أن الزيادات الممنوحة لباقي الدول لم تتعدَّ الـ 20%.

وبناء على التفاهمات بين الجانبين، يتوجّه فريقٌ مُؤلَّفٌ من 10 أعضاء دبلوماسيين إيرانيين إلى السعودية في أيام الحج يستقرّون في عدة نقاط لتقديم الخدمات القنصلية إلى الحجاج الإيرانيين هناك، وفق تصريح سابق للمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية "بهرام قاسمي".

كل هذا التنسيق والتفاهم حدث، والسعودية تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران منذ يناير 2016، بل وتُعاديها صراحةً وترغب في نقل المعركة إليها، بحسب تصريحات ملكها المنتظر "محمد بن سلمان" وقت أن كان وليًا لولي العهد.

المشهد المتناقض لم يكتمل بعد، فتلك إيران التي تُحاصر 4 دول عربية - من بينها السعودية - قطرَ بسبب ما تقول إنه تطبيع للعلاقات معها بل ورعاية ودعم الإرهاب، الذي تُشكِّل طهران أحد أكبر مصادره.

تناقـض مفضوح

والتساؤل الأبرز، بعد هذه المعطيات، هو ألا تستحق قطر تنسيقًا يُشبه ما نفّذته السعودية مع إيران في خضم أزمة البلدين، وقطيعة وعداوة ربما لم تصل بعد إليها علاقتها مع الدوحة؟.

هذا التناقض السعودي الشديد، كشف وجهًا آخر لقيادتها الجديدة، وهو الأمر الذي يُعزّزه مشهد آخر وهو لقاء ولي العهد (نائب العاهل السعودي حاليًا) الأمير "محمد بن سلمان" بزعيم التيار الصدري الشيعي في العراق "مقتدى الصدر" في جدة، الأحد.

"الصدر" الذي يتمتع بعلاقات واسعة بإيران ويُعدُّ أحد رجالها في العراق، ومن مؤسسي ميليشيات "الحشد الشعبي" الطائفية، التي تُواجه اتهامات متلاحقة بارتكاب مذابح بحق أهل السُّنَّة هناك، فضلًا عن دورهم في وأد الثورة السورية وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المسلمين السُّنَّة هناك أيضًا.

هذه الأحداث جعلت البعض يتساءل: كيف يمكن لهذا الكم من التناقض أن يستقر في وجدان نظام واحد أو في عقلية حكومة واحدة؟ أوَ ليس الجار والقريب أولى بتلك المعاملة من هؤلاء؟ وإلا كيف تزن السعودية الجديدة الأمور؟ تساؤلات عدة تفرضها تلك المشاهد المتلاحقة تُثير التعجب من مواقف المملكة.

تناقض آخر

ولا زلنا أمام سيل المواقف السعودية المتناقضة في أزمتي الحج بين قطر وإيران، فهيئة الطيران المدني السعودي قرَّرت استثناء الحجاج القطريين من حظر الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، والسماح لهم بالسفر مباشرة من الدوحة أو عبر محطات (ترانزيت فقط) إلى مطارين في السعودية (الملك عبد العزيز بجدة، والأمير محمد بن عبد العزيز بالمدينة المنورة)، على أي خطوط طيران عَدَا الخطوط الجوية القطرية.

في المقابل وفي خضم الأزمة بين السعودية وإيران، صدر تصريحٌ من مسؤولٍ سعوديٍّ لافتٌ للانتباه، ويكشف تناقضًا غير مسبوق.

وزير الحج والعمرة السعودي "محمد بنتن" قال في سبتمبر الماضي: إن الحجاج الإيرانيين الذين تقدّموا بطلبات تأشيرة لأداء فريضة الحج من خارج بلادهم وصلوا مكة، وذلك بعدما حَرَمَت إيران مواطنيها في الداخل من أداء الحج هذا العام (1437ه).

وبينما تفرض السعودية على الحجاج القطريين أن يَقدموا من الدوحة مباشرةً أو عبر أي محطة أخرى ترانزيت فقط، على غير الخطوط القطرية، كان الأمر مفتوحًا للحجاج الإيرانيين العام الماضي.

تصريح الوزير الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية أكّد أن "جميع الحجاج الإيرانيين القادمين من أوروبا وأمريكا وأستراليا ونيوزيلندا وأفريقيا الذين تقدّموا للحصول على طلبات تأشيرات للقدوم للحج حصلوا عليها، وهم الآن يستمتعون بوجودهم في مكة المكرمة..".

الدوحة ليست طهران

الاتهامات التي وجّهتها السعودية لقطر بتسييس شعيرة الحج، هي تلك ذاتها المُوجَّهة لإيران العام الماضي، لكن مع اختلاف مواقف البلدين.

فهذه قطر قالت في بيان منسوب لوزارة الأوقاف: إن "وزارة الحج والعمرة في المملكة العربية السعودية امتنعت عن التواصل معها لتأمين سلامة الحجاج وتسهيل قيامهم بأداء الفريضة، متعلّلةً بأن هذا الأمر في يد السلطات العليا في المملكة، وتنصّلت من تقديم أي ضمانات لسلامة الحجاج القطريين".

أما إيران فكان موقفها مغايرًا تمامًا، فقد امتنعت عن التوقيع على محضر إنهاء ترتيبات الحج؛ لرفض طلبها في محاولة فرض شروط لإجراء طقوس خارج سياق الحج على وزارة الحج والعمرة السعودية.

وكان موقع "سحام نيوز" الإيراني نقل عن "مصادر حكومية مطلعة" داخل النظام الإيراني، أن أهم الأسباب في عدم توقيع بعثة الحج والزيارة الإيرانية على محضر الاتفاق يعود إلى مطلبين أساسيين فرضهما المرشد الأعلى "علي خامنئي" على البعثة وإلزامها بعدم التنازل عنهما.

وهما "إجراء مراسم دعاء كميل" في الحرم النبوي؛ بهدف تحويله إلى منبر سياسي لمهاجمة السعودية واستغلال الشعائر الإسلامية من أجل تصفية حسابات سياسية، وثانيًا، إجراء مراسم "البراءة من المشركين"، حيث يُنظّم الإيرانيون كل عام مسيرةً بهذه المناسبة تتسبَّب في زحام غير طبيعي في الحج.

ورغم كل تلك المخالفات والتي تُشير إلى نية إيرانية بتسييس الحج واكتملت أدلة إدانة السعودية لها بهذه التهمة، إلا أن المملكة تفاوضت على مدار أشهر مع طهران ووافقت في النهاية على عودة حجاجها، بل سمحت لهم في الموسم ذاته بدخول الأراضي المقدسة من أي مكان وعبر أي شركة طيران.

تلك التسهيلات لم تُقدِّم السعودية أدنى منها هذا العام في الأزمة مع قطر، بل اتهمتها بإعلان الحرب عليها ومحاولة تسييس الحج.