عقوبات أمريكية ضد روسيا.. سؤال الجدوى والعواقب (تحليل)

عقوبات أمريكية ضد روسيا.. سؤال الجدوى والعواقب (تحليل)

01:37 ص

02-أغسطس-2017

قام الكونجرس الأمريكي مؤخرًا بالتصعيد ضد روسيا عبر مشروع قانون جديد يفرض عليها مزيدًا من العقوبات، فماذا هدف من وراء ذلك؟ وهل ستكون لتلك الخطوة فعاليتها في تغيير الاستراتيجية الروسية؟ وماذا عن موقف "ترامب" منه؟.

إخفاقاتٌ متواليةٌ ومزيدٌ من التصعيد يتخذه "ترامب"، ما بين إقالات داخلية لمساعديه ورفقاء حلمه الرئاسي، وما بين مناوشات خارجية ضد إيران مرة، وفنزويلا أخرى، وأخيرًا تأتي روسيا لتضيف حلقةً جديدةً في مسلسل "تخبط" الإدارة الأمريكية.

فقد أعلن الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" أمس ضرورة مغادرة نحو 755 دبلوماسيًا أمريكيًا من الأراضي الروسية؛ ليصبح واجباً على الولايات المتحدة الآن تخفيض عدد دبلوماسيها المعتمدين لدى موسكو إلى 455 موظفاً، ويتساوى بذلك عددهم مع نظرائهم الروس المعتمدين لديها.

وقد جاءت تلك الخطوة رداً على توجه إدارة "دونالد ترامب" نحو فرض عقوبات جديدة على موسكو، وذلك بعدما صَادَق مجلس الشيوخ الأمريكي، يوم الخميس 27 يوليو/ تموز الماضي على قانون عقوبات جديد ضد روسيا وإيران وكوريا الشمالية.

وفي خضم هذا التصعيد تثُور عدة تساؤلات حول الدوافع التي تقف وراء هذه العقوبات، ولماذا وافق عليها "ترامب" على الرغم من الحديث المستمر عن العلاقات الدافئة التي تربطه بالقيصر الروسي "فلاديمير بوتين" منذ وصوله إلى البيت الأبيض؟ ثم ماذا عن جدوى هذه العقوبات؟ وهل يمكن لها أن تُغيّر السلوك الروسي؟.

تصعيد الكونجرس.. لماذا؟

جاءت بداية التصعيد مع تبنِّي مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون عقوبات جديدة ضد روسيا يوم الثلاثاء 25 يوليو/ تموز الماضي حيث صوَّت لصالحه 419 نائبًا، مقابل اعتراض لثلاثة نواب فقط؛ ليُحال المشروع بعد ذلك إلى مجلس الشيوخ ويحظى بأغلبية أصواته عبر موافقة 98 من أصل  100 عضو، وفي الإطار ذاته من المتوقع أن تأتي موافقة "ترامب" لاحقاً للتوقيع على العقوبات وتحويلها إلى قانون.

ويهدف هذا الإجراء إلى معاقبة الكرملين على التدخل في الانتخابات الرئاسية 2016، كما يأتي امتدادًا للعقوبات المفروضة على موسكو في 2014؛ بسبب ضمّها شبه جزيرة "القرم"، حيث قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حين ذاك بفرض عقوبات على قطاعات كاملة من الاقتصاد الروسي.

فيما تُعدُّ هذه العقوبات هي الأوسع نطاقًا منذ فرضها على موسكو اتسعت لتشمل عدة مشاريع كبرى لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا مثل مشروع "السيل الشمالي 2"، وستخضع لها شركات قطاع النفط والغاز وكذلك الصناعات الثقيلة، والتي قد تُحرَم من الحصول على القروض والتكنولوجيا الأمريكية.

والملاحظ في هذا السياق أنه إذا كان الكونجرس هو من أقرَّ هذه الحزمة الجديدة، فإن "ترامب" لا يملك سوى خيار الموافقة عليها؛ فإرادته غير كافية لإلغائها، إذ إنه في حال رفضه لها واستخدامه لحق الفيتو فالإجراء الذي سيتم اتخاذه عقب ذلك هو أن تعود مرة أخرى إلى الكونجرس؛ ليُصوِّت عليها بأغلبية الثلثين؛ لتصير بعد ذلك قانونًا.

ولذلك ففي مثل هذه الحالات غالباً ما يلجأ الرؤساء إلى الموافقة على مشروعات القوانين؛ منعًا للإحراج، وهو النهج الذي يبدو أن "ترامب" يَسير عليه، في محاولة منه لتجنُّب المواجهة مع الكونجرس، خاصة في ظل تأزُّم علاقته مع مؤسسات الدولة المختلفة.

تصعيد روسي واستعداد أوروبي

في البداية ومع توالي الأنباء عن الإعداد لمشروع القانون حاولت موسكو أن تلتزم السلوك المنضبط عبر التأكيد على عدم جدوى تلك العقوبات والتحذير من تداعياتها إلا أن هذا الأمر لم يَعُد مُجدياً بعد إقرار مشروع القانون، حيث دفعها إلى التصعيد واتخذت قرارها بتخفيض عدد الدبلوماسيين الأمريكيين لديها، كما حذَّرَتْ واشنطن على لسان "سيرغي ريابكوف" - نائب وزير الخارجية - من مواصلة التصعيد، وأكَّدتْ أن كل الخيارات للرد على العقوبات أصبحت مطروحة.

أما عن الجانب اللافت في تلك العقوبات فهو أن الاتحادَ الأوروبي حليف واشنطن أكَّدَ على مُعارضته لها وتوالَتْ ردود الأفعال المختلفة من باريس إلى برلين مروراً ببروكسل الرافضة لمشروع القانون، بل أكَّدَت المفوضية الأوروبية استعدادها لاتخاذ خطوات مضادة في غضون أيام معدودة، في حال توسيع قائمة العقوبات دون مراعاة مصالحها.

وهنا فإن هذا الموقف المفاجئ لا يأتي حُبًا بروسيا ولكنه جاء من منطلق الخوف على المصالح الأوروبية، حيث رأت تلك الدول أن هذه الخطوة ستُهدِّد أمن الطاقة بها، إذ تُعدُّ روسيا أكبر مُورِّد للغاز الطبيعي إلى أوروبا، وقد شكَّلت صادراتها عام 2016 نحو 178 مليار متر مكعب من الغاز، وهو ما يُشكِّل 34% من الغاز المستهلك في أوروبا و66% من الغاز الروسي المُورَّد إلى الخارج، كما أن العقوبات تستهدف أيضًا الشركات الأوروبية المُنخرطة في المشاريع المشتركة مع الجانب الروسي في مجال الطاقة، وبذلك تضع الولايات المتحدة المصالح الأوروبية على المحكّ.

ماذا عن جدوى العقوبات؟

من الواضح أن هذه الحزمة الجديدة من العقوبات تَرمِي إلى عرقلة أي تعاون بين ترامب وروسيا، وإرباك سياسته الخارجية وبالأخص في النزاعات الإقليمية كما هو الحال مع الأزمة السورية، ولكن نظرة سريعة إلى تاريخ استخدام سياسة العقوبات كأداة من أدوات السياسة الخارجية لواشنطن، نجد أنها لم تكن أداةً فعَّالةً ولم تُحقِّق الهدف منها.

فالعقوبات الأمريكية السابقة ضد الدول الثلاث (روسيا وإيران وكوريا الشمالية) لم تُحقِّق أي نتائج ملموسة في تغيير سياسات هذه الدول، بل جاءت بنتائج عكسية، فما زالت طهران مستمرةً في تطوير أسلحتها وبرامجها الصاروخية، الأمر الذي ظهر مؤخرًا مع إطلاقها لصاروخ إيراني الصنع يحمل أقماراً صناعيةً إلى الفضاء، وذلك في تَحدٍّ جديدٍ للولايات المتحدة، وما زالت كوريا الشمالية غير مُكترثةٍ بتلك العقوبات الأمريكية، وبإمكانها الآن إطلاق صواريخ حاملة رؤوس نووية يصل مداها إلى الولايات المتحدة ذاتها!.

وبالنسبة إلى موسكو فقد اتجهت إلى تفادي العقوبات عبر توسيع علاقاتها الاقتصادية مع دول العالم المختلفة كما هو الحال مع دول "البركس" و"شنغهاي"، كما زادت من انتشارها وتدخّلها في المنطقة العربية، وهو ما يعني أن هذا التصعيد من الجانب الأمريكي لن يُثنيها عن مواصلة استراتيجيتها وسياستها الخارجية.

وكذلك فيما يخصّ علاقاتها مع "ترامب"، فمن المتوقع أن تتخلّى عن رهانها عليه في المسائل الكبرى، إلا أنها يُمكنها الإبقاء على التعاون معه في حدود المتاح، فما زالت لدى موسكو الرغبة في عدم مقاطعة واشنطن وهو ما دلَّلتْ عليه عبر تأكيد "سيرغي لافروف" - وزير خارجيتها - على استعدادها لتطبيع العلاقات الثنائية والتعاون في الملفات الكبرى.

وأخيرًا، فالعقوبات لن تكون سوى أداة توتر جديدة والإفراط في استخدامها من المحتمل أن ينعكس عليها سلبياً، خاصة مع الانزعاج الأوروبي من تلك الخطوة؛ وهو ما يزيد الفجوة بينها وبين الجانب الأوروبي.