تأصيل شرعي ومفاهيم جديدة عن الشعب والسلطة.. قراءة في الظهور الأول لمتحدث «لواء الثورة» (تحليل)

تأصيل شرعي ومفاهيم جديدة عن الشعب والسلطة.. قراءة في الظهور الأول لمتحدث «لواء الثورة» (تحليل)

03:24 ص

02-أغسطس-2017

متغيراتٌ كثيرةٌ ومنطلقاتٌ ومفاهيمُ فكرية وسياسية تُفصح عنها حركة "لواء الثورة" للمرة الأولى، ربما لم تَعُد بعدها مجرد فصيلٍ مسلحٍ يُواجه السلطة فقط.

في سابقةٍ هي الأولى من نوعها، تخرج الحركات المسلحة في مصر في التعبير عن أفكارها من نطاق البيانات والبلاغات العسكرية إلى الحوارات الصحفية.

حركة "لواء الثورة" وعبر صفحة (ق) على فيس بوك، نشرت target="_blank">الجزء الأول من حوار مع المتحدث باسمها الذي يُدعَى (صلاح الدين يوسف)؛ لتدشن مرحلةً جديدةً في عمل الحركة ضد السلطة.

خطاب سياسي ووثيقة فكرية

وقبل الخوض في تفاصيل الحوار وتحليل مضمونه، تبدو عدة جزئيات وأبعاد أساسية جديرة بالرصد والتوقف أمامها.

1. الفكرة:

فكرة الحوار في حد ذاتها تبدو مبتكرةً، ولم تعهدها مصر مع الحركات المسلحة التي نشأت في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" في يوليو 2013، وتُنبئ بدخول الصراع المحتدم بينها وبين السلطة مرحلةً جديدةً.

تلك المرحلة لم تعد قاصرةً على صوت الرصاص وعمليات التفجير والاغتيال، لكنها تخطّتها إلى حوارات عقلانية، وخطاب سياسي يُناقش الأفكار بانفتاحٍ كبيرٍ، ويُؤصّل لمنطلقات الحركة الفكرية والسياسية.

2. الانطلاق نحو المأسسة:

الحوار ذاته شمل التأكيد على دخول الحركة إلى عالم المؤسسية، عن طريق مجموعة خطوات.. منها:

1.قرب إعلان الحركة عن وثيقةٍ فكريةٍ تتضمَّن ثوابتها ومنطلقاتها، في مسعى جديد ومختلف، يُوازي ما أعلنته حركة "حسم" من تدشين مكتبها السياسي.

2.الإعلان عن وجود مُتحدّث باسم الحركة، وهو ما يأتي في سياق محاولاتها الحثيثة الخروج من دائرة كونها مجموعة من المسلحين، إلى نطاق أرحب يُشبه في هيكلته التنظيمات الحركية المتطورة، والتي تشمل أقسامًا متنوعة، بين الديني والسياسي والعسكري والإعلامي.

3. ذكاء إعلامي:

وهو ما تجلَّى في إلقاء الحوار الضوء على صفحة (ق) الوليدة، التي تُعرِّف نفسها بعبارة (إعلام ثوري.. جمهور مقاوم)، وما تُمثّله من تجربةٍ جديدةٍ في مجال الإعلام المسلح في مصر، على غرار وكالة "أعماق" التابعة لتنظيم الدولة (داعش).

التجربة ليست مقصورةً على الترويج لأفكار وعمليات "لواء الثورة" فقط، بل تشمل حركة "سواعد مصر" (حسم)، فضلًا عن إبراز عمليات التصفية التي تُنفّذها وزارة الداخلية بحقّ العديد من الشبان الذين ثبت أنهم كانوا مختفين قسريًا لديها.

هوية إسلامية وتأصيل شرعي

إذا انتقلنا في تحليلنا للحوار ومضمونه وتفاصيله، يتبيَّن أن فكرته الأساسية تقوم على محاولة التأصيل الشرعي لمنهج حركة "لواء الثورة"، وعملياتها ضد السلطة، وأساليبها ومستهدفاتها ومنطلقاتها الفكرية والعقدية.

وفي هذا الإطار يبرز تأكيد المتحدث باسم الحركة هويتها، والأساس الذي بَنَتْ عليه منهجها بقوله: إن الحركة "إسلامية حتى الصميم"؛ ليثبت في أذهان المتابعين حقيقة ظلَّت تُراود التحليلات المنتشرة عن الحركة منذ انطلاقتها.

وليس أدلّ من هذا البعد الديني استشهاد متحدث الحركة في حواره وإجاباته المختلفة بثلاث آيات قرآنية، و5 أحاديث نبوية شريفة، و4 أفعال وأقوال مأثورة عن "عمر بن الخطاب" الفاروق وثاني الخلفاء الراشدين.

هذا البُعد الديني وتأكيد "لواء الثورة" عليه، رغم خطورته في تصنيفها لدى السلطة أو حتى المجتمع، وفي الأوساط المعارضة للنظام، إلا أنه يُرسي مبدأً يبدو أن الحركة تعمَّدت إبرازه حتى توضع عند نقدها في إطارها الصحيح وموضعها الذي أرادته لنفسها.

فكرة التأصيل الشرعي انسحبت، وفق مضمون الحوار، من تأكيد الهوية إلى تعريفها للنظام الحاكم والسلطة في مصر، مرورًا بأفكارها وتوجهاتها العامة، وصولًا إلى عملياتها المسلحة وبنوك أهدافها.

فعلى الرغم من استشهاد الحوار بحديثٍ نبوي شريف، في تأكيد أن ممارسات السلطة في مصر تدخل ضمن عمليات "الكفر والردة"، إلا أن الحركة لم تُكفِّر النظامَ صراحةً، بل قال المتحدث باسمها في الحوار: إن تكفيرَ السلطة أمرٌ لا يشغل بالها كثيرًا، ولا "تنجرّ إلى التوسُّع في التكفير".

وفي ذلك استندت إلى ما قالت: إنه "المعلوم في اعتقاد أهل السُّنَّة أنه ارتكاب عمل الكفر في ذاته لا يكفي لوصف الفرد المُعيَّن بالكفر"، ثم وصفت السلطة الحالية في مصر بأنها "سلطة اغتصبت الحكم بطريقٍ غير شرعي" أي الفعل الموصوف بالانقلاب، وقالت: إنه "عدوان على الأمة يجب دفعه وردّه، ومنكر تجب إزالته"، بحسب ما ذُكر في الحوار.

الدم الحرام وبنك الأهداف

محاولة التأصيل الشرعي انتقلت وفق الحوار إلى الحديث عن بنك أهداف الحركة وعملياتها المسلحة؛ لتُشدِّد على أنها ليست من الغُلاة، وأنها "لا تتوسّع في استباحة الدماء.. ولا تُحبُّ أن تلقى اللهَ بقطرةِ دمٍ حرام".

الجيش والشرطة والمؤسسات الأمنية "التي يُعرَف عنها ممارسة الإجرام" تلخيصٌ مختصرٌ لمستهدفات العمليات المسلحة للحركة، وإن كان فيهم "مُكْرَه أو جاهل أو غير متعمّد"، وفق ما ورد بالحوار.

مُتحدِّث الحركة استند في هذا التوجُّه إلى قوله: بأن تلك المؤسسات "صارت في حكم الطائفة المُمتنعة - التي يَمنع بعضها بعضًا ويحمي بعضها البعض الآخر - فيحمون القتلة بينهم ويدرءون عنهم، وجمهور العلماء على أن الردء والطليع للقاتل (من يردأ عنه ويُشكّل طليعةً له) له حكم المباشر بالقتل نفسه".

وهكذا عمدت الحركة إلى توسيع دائرة الاستهداف داخل المؤسسات الأمنية بمجرد الانتماء، فلا عُذر عندها لإكراهٍ أو عدم قصد أو جهل من قبل الأهداف المنتمية لمؤسسات السلطة.

ولمزيدٍ من التأصيل الشرعي فيما يخص الدم الحرام، قال المتحدث: "لدينا منطلقات شرعية واضحة لا تخرج عن الإجماع أو المشهور عند أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا من أئمة الدين وعلماء الثغور، ولدينا مستشارون شرعيون نرجع إليهم فيما أُشكِل علينا من تفاصيل فقهية دائمًا..".

وجهٌ آخر ينكشف من الحوار في هذه النقطة، وهو فكرة التأكيد على مؤسسية الحركة وهيكلها التنظيمي، فهناك مستشارون شرعيون، غير وجود متحدث إعلامي وما سبق الإشارة إليه في هذه الجزئية.

تبرؤ ومغازلة

من بين الأمور اللافتة في الحوار، هو تبرّؤ حركة "لواء الثورة" من كونها امتداداً فكرياً لجماعة "الإخوان المسلمين"، بل تُعلنها صراحةً: "لسنا أسرى التصنيفات الحركية للقرن الماضي".

الثورات وما أسمته الحركة "حالة المد الجهادي في الأُمَّة" تفرض - من وجهة نظرها - "واقعًا جديدًا بالتجديد على الحركة الإسلامية نفسها، تنظيمات وتشكيلات جديدة ستظهر وأخرى ستنزوي، ومن قاد جهاد الأمة في القرن المنصرم ليس بالضرورة أن يقودها في القرن القادم".

ورغم هذا التبرّؤ، إلا أن الحركة لم تُهاجم "الإخوان" أو تقدح فيها، بل وصفتها ضمنيًا بقيادة جهاد الأمة خلال القرن الماضي، وشملها مفهوم "لواء الثورة" للحركة الإسلامية، فضلًا عن عدم رفضها المُطلَق للمنطلقات الفكرية للجماعة.

وعن تنظيم "داعش"، رأت حركة "لواء الثورة" أنه "حالة جهادية تميَّزتْ بالغلوّ والتوسُّع في التكفير واستباحة الدماء، وهي لا تُمثّل عموم الأمة ولا عموم التيار الجهادي ولا الحركة الإسلامية"، كما أن "الممارسات الفجّة" لتنظيم "داعش" عزلته عن أُمّته وسيموت معزولًا عنها، بحسب ردود متحدث الحركة.

مغازلة المصريين ومحاولة التقرب منهم وتغيير الصورة الذهنية لديهم عن الحركة - والتي تُروّج لها السلطة - كان واضحًا للغاية في جواب المتحدث عن تساؤل بشأن استحقاق المصريين للتضحيات المُقدَّمة.

المتحدث قال: "الشعب المصري في غالبيته شعبٌ طيبٌ ويُحب التديُّن، لكن تسلُّط المفسدين والفاسدين عليه طيلة عقود كان له تأثير سلبي جدًا على وعي شرائح منه، وعلى قيمها وعلى تكوين شخصيتها، لكننا نُراهن على فطرة الإنسان المسلم التي برَّأها الله عز وجل..".

توجهات سياسية جديدة

وكما حفل الحوار بالتأكيد على هوية حركة "لواء الثورة" وأيديولوجيتها الدينية ومنطلقاتها الفكرية، فإن التوجهات السياسية البحتة كانت حاضرةً بقوة أيضًا في 3 موضوعات أساسية.

الحركة نفَتْ سعيها إلى السلطة والوصول للحكم، مُشدِّدةً على أن ما أسمته "التمكين" ليس من خطتها أو أهدافها؛ وبالتالي فإنه ليس لديها مطامع سياسية أو طموح في سلطة.

المسألة الثانية تكمن في قضية تبادل السلطة واختيار الشعب لحاكمه، حيث قال متحدث "لواء الثورة": "نحن نُريد التمكين للأمة تختار مَن يسُوسها ويؤمها، يحفظ دينها ويقودها به، والأمة هي صاحبة الولاية الأصلية على نفسها، والحاكم وكيل تختاره الأمة وتخلعه إذا جار أو ظلم، ولا يحل لأحد أن يفرض عليها إمامًا أو ينصب عليها حاكمًا من غير شورى".

وعلى الرغم من شمول ما أكّدته الحركة لمفهوم الديمقراطية، إلا أنها في تلك القضية رأت أن فلسفة النظام الديمقراطي بها "ما يتصادم تصادمًا مباشرًا مع عقيدة المسلم"، وأن الأمة تستطيع أن "تبتكر لنفسها آلياتٍ ونظم حكم معبرة عن عقيدتها وهويتها وقيمها".

إلا أن حركة "لواء الثورة" لم تَكفُر بالديمقراطية كليةً، لكنها لم تستبعد أن تُقدّم بعض التجارب الديمقراطية خبرات إنسانية يُمكن قبول بعضها ورفض البعض الآخر.