محاكمة عضو بمجلس مكافحة الإرهاب بعد تعيينه بأيام.. مَن يسعى لإحراج السيسي؟ (قراءة)

محاكمة عضو بمجلس مكافحة الإرهاب بعد تعيينه بأيام.. مَن يسعى لإحراج السيسي؟ (قراءة)

04:44 ص

02-أغسطس-2017

التزامن بين قراريْ التعيين والإحالة، فضلًا عن تعيينه رغم اتهامه، أثار شبهة التعمُّد من قبل جهازٍ ما في الدولة يسعى لإحراج السيسي.

وكأنما خرجت قضية "هدايا الأهرام" من سُباتها العميق؛ لتعود إليها الحياة مجددًا، بقرار إحالة 4 متهمين للمحاكمة الجنائية بتهم الفساد.

ورود اسم أحد أعضاء المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف - الذي شكّله الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام - من بين المتهمين المحالين للمحاكمة أثار جدلًا واسعًا، وأحاط قراري التعيين والإحالة بالعديد من الشكوك والتساؤلات.

فأين دور الأجهزة الرقابية التي تسبق تقاريرها قرارات التعيين في مثل تلك المناصب، أم أن الأمر يدور في أزمة صراع الأجهزة والمؤسسات داخل الدولة؟.

مكافح الإرهاب "فاسد"

النائب العام المستشار "نبيل صادق" أمرَ الإثنين 31 يوليو الماضي بإحالة 4 رؤساء سابقين لمجلس إدارة مؤسسة "الأهرام" الصحفية القومية، إلى المحاكمة الجنائية؛ لاتهامهم بارتكاب وقائع تُمثّل إضراراً بأموال المؤسسة (مال عام) بقيمة 268 مليونًا و121 ألف جنيه، في القضية المعروفة باسم "هدايا الأهرام".

اللافت أن القائمة تضمَّنت اسم الكاتب الصحفي "عبد المنعم سعيد" عضو المجلس القومي لمكافحة الإرهاب والتطرف، الذي شكّله السيسي بقرار جمهوري في 26 يوليو الماضي، أي قبل قرار الإحالة بأيام قليلة.

تضمين لائحة المتهمين اسم الرجل أثار حالةً من الجدل الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتساءل الجميع: كيف يُعيّن الرئيس السيسي متهمًا بالفساد في مجلس مكافحة الإرهاب، أم أنه لم يكن يعلم؟.

وبعيدًا عن اتهام عضو المجلس بتهمٍ مُشينةٍ، فإن التزامن بين قرار السيسي تشكيل المجلس وقرار النائب العام بالإحالة للمحاكمة، يُثير المزيد من الغموض والتساؤلات، إلى الحد الذي يُرجّح احتمالية التعمُّد.

أين الأجهزة الرقابية؟

التساؤلات السابقة تُثير الشَّهيّة نحو المزيد منها؛ لمحاولة حل "لوغاريتمات" القرارين، كما تضع العديد من السيناريوهات المحتملة لكيفية خروج الأمر بهذه الطريقة اللافتة.

الافتراض الأول يذهب إلى أن السيسي لم يكن يعلم خلال اختياره لأعضاء المجلس بالتحقيقات الدائرة في النيابة العامة بشأن القضية وتورُّط "عبد المنعم سعيد" فيها من عدمه.

ووفق هذا الافتراض، فإن أصابع الاتهام تُوجَّه مباشرةً نحو الأجهزة الأمنية الرقابية، والمسؤولة عن إعداد تقارير مستفيضة عن الشخصيات المرشحة لشغل منصبٍ ما سواء كان تنفيذيًا أو غيره.

تلك التقارير تتضمَّن سيرةً ذاتيةً مشمولةً بمواقف الشخص محل الرصد وذمته المالية ومعاملاته البنكية وخلافه، وموقفه القانوني من حيث اتهامه في أية قضية، فضلًا عن موقفه السياسي بطبيعة الحال.

فهل لم يطلب الرئيس السيسي هذه التقارير خلال اختياره لأعضاء المجلس، أم أنه طلبها وقُدّمت له بالفعل؟.

الدارج في مثل هذه الظروف أن الأجهزة الرقابية والأمنية تُقدِّم تقاريرها إلى السيسي، وهو الأمر المُرجح في هذه الحالة، وعليه فإن الاحتمالين الواردين بهذا الشأن أن تكون الأجهزة المعنية قد قدَّمت تقارير مغلوطة، تعمَّدت فيها إخفاء حقيقة تورُّط "سعيد" عن السيسي.

الاحتمال الآخر، أن التقارير تضمَّنت هذا الاتهام بل وتوقعت أن تتم الإحالة للمحاكمة، الأمر الذي كان يستوجب استبعاده فورًا لكن السيسي أصرَّ على تعيينه، ضاربًا بتلك التقارير عرض الحائط.

علامات استفهام حول النائب العام

طرفٌ آخر في الأزمة، يسترعي موقفه الانتباه ويُحيط بقراره كم من الغموض ربما يُوازي أو يفوق ذلك المتعلق بالأجهزة الرقابية.

ولعل خيار النائب العام بإحالة "عبد المنعم سعيد" للمحاكمة في القضية وإعلان ذلك في وسائل الإعلام، كان لابد وأن يكون مستبعدًا من جهته حتى لا يتسبَّب في هذه البلبلة والإحراج الذي طال السيسي شخصيًا.

خيارات أخرى كانت متاحة وجميعها منطقي وقابل للتنفيذ، غير الخيار المتخذ فعليًا، وفي مقدمتها إرجاء إعلان قرار الإحالة حتى يتم التثبت من المناصب الحالية التي يشغلها المتهمون، الأمر الذي يَشِي بتسرُّعٍ ما من قبل النائب العام، قد يكون له ما بعده.

أما الخيار الثاني، فهو استبعاد الرجل من لائحة المتهمين من الأساس، ولعل الاتهامات التي تلاحق السلطات القضائية في مصر (ومن بينها النيابة العامة)، تُتيح هذا الأمر رغم تعارضه مع استقلال القضاء ونزاهته.

كما فوَّتَ النائب العام على نفسه الفرصة في إبلاغ السلطة بقرار الاستبعاد؛ ربما لكسب ودها ورفع رصيده لديها.

لكن ثمَّة خيار ثالث، وهو قيام النائب العام بإبلاغ السلطة أو رئاسة الجمهورية أو حتى السيسي شخصيًا بالاتهامات الموجهة لـ "سعيد" فور إعلان عضويته بالمجلس، الأمر الذي كان سيُتيح تشاورًا حول ما يجب فعله للخروج من المأزق.

صراع أجهزة الدولة

البُعد الأكثر خطورة عند محاولة تحليل تلك القضية، يُشير إلى أمرٍ يُثار بين الحين والآخر، منذ قدوم السيسي إلى السلطة، وهو الصراع القائم بين أجهزة الدولة الأمنية والمعلوماتية.

فهل اشتعال هذا الصراع في العام الأخير لرئاسة السيسي، أسفر عن تلك المحاولة لإحراجه أمام الرأي العام والتشكيك والنيل من ثقة المصريين فيه، المهتزة أصلًا نتيجة تراكمات من الأزمات الاقتصادية الطاحنة؟.

الرد المُرجّح ربما يأتي بالإيجاب، أي أن أجهزةً ما في الدولة تعمَّدت الوقوع في هذا اللغط من أجل تشويه صورة السيسي أمام المصريين وإحراجه؛ لأمرٍ قد يتعلّق بمصداقيته وشعبيته المتآكلة، مع قرب انتهاء فترة رئاسته الأولى.

يُعزِّز من هذا التوجه، الجدل المتزايد عن إمكانية ترشح أحد العسكريين (أحمد شفيق، وسامي عنان) في انتخابات الرئاسة المقبلة 2018، وما يُثار حول الدعم الذي يتمتعان به على وجه التحديد داخل العديد من مؤسسات الدولة ومنها الجيش والمخابرات.

كما يزيد من احتمالية تدخل هذا الصراع في القضية، التزامن المريب بين قراري التعيين والإحالة للمحاكمة، وكأنها ضربات يُسدّدها الفريق المناهض للسيسي للفريق الآخر المُوالي له.

الرئيس يحمي الفساد!

ومن بين السيناريوهات المحتملة في هذا التحليل، أن السيسي يعلم جيدًا قبل اختيار "عبد المنعم سعيد" للمنصب أنه متهم في قضية "هدايا الأهرام"، الأمر الذي يُلقي الكرة في ملعب الرئيس دون غيره.

ووفق هذا السيناريو، فإن السيسي يكون متهمًا بحماية الفساد والتستر على المفسدين، وليس أي اتهام آخر، خاصة أن الدفع بعدم علمه يبدو غير منطقي تجاه رئيس دولة يتابع مع المسؤولين أدق تفاصيل عملهم.

ولعل وجود سوابق شبيهة بقرار تعيين "سعيد"، تُعزِّز بقوةٍ هذا الاحتمال بل وتُرجّحه على غيره من الاحتمالات السابق الإشارة إليها.

أحدث هذه السوابق، التعديل الوزاري الأخير في فبراير الماضي، والذي تم بموجبه تعيين وزراء جدد حَامَتْ حولهم شبهات عدة وصلت إلى حد الاتهامات الرسمية.

الدكتور "عبد المنعم البنا" - وزير الزراعة - اتُّهم في العديد من البلاغات المقدمة للنائب العام بإهدار المال العام والتزوير، وأحدثها البلاغ الذي تقدَّم به "سمير صبري" في نوفمبر الماضي.

البلاغ الذي أُرسل أيضًا إلى المحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة، واشتمل على 170 مستندًا، اتهم "البنا" بصرف مبالغ في صورة حوافز للموظفين دون وجه حق، وفساد الأمصال واللقاحات التي أهدرت على الدولة 200 مليون جنيه.

وفي سبتمبر السابق، وجّهت تقارير إعلامية مدعمة بالمستندات أصابع الاتهام إلى "البنا" بالفساد في تعيين 5 آلاف موظف على الكادر العام بالمخالفة للقانون، ومن بينهم أقارب مسؤولين.

الاتهامات التي لاحقت الوزير الجديد، لم تتوقّف، بل تضمَّنت إهدار المال العام والتلاعب في المناقصات والمزايدات وفساد وتزوير في شهادات علمية وشهادات طبية لقيادات وأساتذة المركز.

أزمة التعيينات لاحقت "البنا"، وأسفرت عن موقف شهير سجّلته المواقع الإخبارية، وذُكر فيه السيسي والقضاء المصري، في سياقٍ اعتُبر مهينًا.

وفي ديسمبر الماضي، رفض مجلس النواب رفع الحصانة عن النائب "أشرف العربي" المُعيَّن من قبل السيسي؛ للتحقيق معه في قضية استيلاء على المال العام وقت أن كان رئيسًا لمصلحة الضرائب.

وبعد ساعات معدودة، من تعيين اللواء "عاطف عبد الحميد" محافظًا للقاهرة في سبتمبر الماضي، كشفت تقارير إعلامية أن الرجل سبق اتهامه في قضية فساد وتربُّح من المال العام.

"عبد الحميد" سدَّد لجهاز الكسب غير المشروع 4 ملايين جنيه، حصل عليها من أرباح شركة مصر لخدمات الطيران، بالمخالفة للقانون؛ وذلك للتصالح مع الجهاز.