مشروع البحر الأحمر.. هل بدأ «ابن سلمان» معركته الكبرى مع المحافظين بحربة السياحة؟ (رصد وتحليل)

مشروع البحر الأحمر.. هل بدأ «ابن سلمان» معركته الكبرى مع المحافظين بحربة السياحة؟ (رصد وتحليل)

07:57 ص

02-أغسطس-2017

كيف سيتم النظر إلى إنشاء مثل هذه المشروعات في المملكة التي لا تزال تختطُّ نهجاً محافظاً؟.. لا تبدو الصورةُ متناغمةً بين هكذا مشروع - بتداعياته التي تُشير إلى استقبال سياح غربيين مُتحرّرين - وواقعة إلقاء القبض على فتاة، بعد ظهورها بملابس غير محتشمة في منطقة "أشيقر" السياحية الأثرية بالرياض.

منذ ساعات، حفل الإعلامُ السعودي بتغطيةٍ مُكثَّفةٍ بشكلٍ متزامنٍ عن "مشروع البحر الأحمر" السياحي الضخم، والذي أعلن عنه "محمد بن سلمان" - ولي عهد المملكة، ونائب الملك حالياً-.

إعلان "ابن سلمان" عن المشروع، جاء بصفته كرئيس لمجلس إدارة صندوق الاستثمارات العامة، والذي يملك المشروع ويُموّله، ويُعدُّ المشروع أحد أبرز مؤسسات رؤية المملكة 2030، التي بشَّر بها "ابن سلمان".

وبحسب وسائل إعلام سعودية، فإن المشروع "يُقام على أحد أكثر المواقع الطبيعية جمالاً وتنوّعاً في العالم، بالتعاون مع أهم وأكبر الشركات العالمية في قطاع الضيافة والفندقة؛ لتطوير منتجعات سياحية استثنائية على أكثر من 50 جزيرة طبيعية بين مدينتي (أملج) و(الوجه)، وذلك على بُعد مسافات قليلة من إحدى المحميات الطبيعية في المملكة والبراكين الخاملة في منطقة (حرة الرهاة)".

وسيُشكِّل المشروعُ وجهةً ساحليةً رائدةً، تتربَّع على عددٍ من الجزر البكر في البحر الأحمر، وإلى جانب المشروع تقع آثار "مدائن صالح"، التي تمتاز بجمالها العمراني وأهميتها التاريخية الكبيرة.

كما ستُتاح للزوار على بعد دقائق قليلة من الشاطئ الرئيسي فرصةُ التعرف على الكنوز الخفية في منطقة مشروع "البحر الأحمر"، ويشمل ذلك محميةً طبيعيةً لاستكشاف تنوع الحياة النباتية والحيوانية في المنطقة.

وسيتمكّن هواة المغامرة من التنقُّل بين البراكين الخاملة الواقعة بجوار منطقة المشروع، وعشاق الغوص من استكشاف الشعاب المرجانية الوفيرة في المياه المحيطة به.

سيكون المشروع متاحاً لجميع السياح من جميع أنحاء العالم، بدون تأشيرة، وسيتم إنشاء مطار به؛ لاستقبال الطائرات من كافة وجهات العالم، ويبدو من ذلك أن ثمَّة إدارة مستقلة لاستقبال هؤلاء السياح وتسهيل دخولهم وخروجهم سيتم تأسيسها، بعيداً عن إدارة الجوازات والمنافذ السعودية.

ومن المقرر أن يُوضَع حجر الأساس للمشروع في الربع الثالث من 2019، على أن تنتهي مرحلته الأولى في 2022.

مليون زائر سنوياً

 

خبراء سعوديون قالوا: إن المشروع يستهدف استقبال مليون زائر سنوياً بحلول 2035، وزيادة الناتج المحلي السعودي بحوالي 15 مليار ريال سنوياً، وتعظيم إيرادات صندوق الاستثمارات العامة، وتوفير أكثر من 35 ألف فرصة عمل.

مساحة المشروع الإجمالية تبلغ 34 ألف كم مربع، منها 200 كم خط ساحلي عليه كافة الخدمات والمنتجعات.

لكن السؤال الأهم بعد كل تلك الارقام لا يتعلّق بنسب النجاح والفشل، وإنما يتعلق بالمجتمع السعودي وتكويناته.. وهو:

كيف سيتم النظر إلى إنشاء مثل هذه المشروعات في المملكة التي لا تزال تختطّ نهجاً محافظاً؟.. لا تبدو الصورة متناغمةً بين هكذا مشروع - بتداعياته التي تُشير إلى استقبال سياح غربيين مُتحرِّرين - وواقعة إلقاء القبض على فتاة، بعد ظهورها بملابس غير محتشمة في منطقة "أشيقر" السياحية الأثرية بالرياض.

2030 ضد "الوهابيين"

في هذا الإطار تأتي رؤية 2030 للمملكة، والتي أعلنها الأمير "محمد بن سلمان"، حينما كان لا يزال ولياً لولي العهد، كمؤسسةٍ معنويةٍ حامية لتلك التغييرات، وأخرى ستليها، أو تسبقها، أو تتوازى معها، فاتحة المواجهة بين "ابن سلمان" ورجال الدين المُتنفّذين بالمملكة على حدّها الأقصى.

الخطّ الإطاري لهذا التوجه صَاغَ بعض ملامحه "أحمد الخطيب" - رئيس الهيئة العامة للترفيه - والذي كانت له تصريحات شهيرة لوكالة "رويترز" للأنباء قال فيها: إن المملكة ستفتح دور سينما وستبني دار أوبرا عالمية يومًا ما، مُهوّنًا من معارضة الهيئات الدينية لهذا النوع من التغييرات.

"الخطيب" أضاف حينها أن "المحافظين الذين انتقدوا الإصلاحات يُدركون تدريجيًا أن معظم السعوديين وأغلبهم تحت سن الثلاثين يرغبون في هذه التغييرات"، موضحًا أن "القليل من السعوديين مُتحرِّرون، والقليل أيضًا محافظون، لكن الأغلبية معتدلون".

لماذا التجديد؟

ثقافة المصلحة لا تقتضي بطبيعتها حملة ترويجية يدفع فيها أكثر من مليون دولار سنوياً، لكن يبدو أن مسألة التعاقد والدفع في حد ذاتها أمراً قد يكون مطلوباً، في إطار المصلحة أيضاً، حيث يُمكن أن يضمن المليون والمائتي ألف دولار صمتَ مُتنفّذين داخل الإدارة الأمريكية عما يحدث في مصر.

علاوة على ذلك قد يُفيد دفع المزيد في جعلهم يستمرون في التحرك نحو الحفاظ على الحد الأدني من العلاقات الاقتصادية والسياحية.

"كنز" السعوديين

ثمَّة وجهة نظر تُشير إلى أن مشروع "البحر الأحمر" يستهدف في الأساس السياحة الداخلية، ومن المعروف أن السعوديين يُنفقون أكثر من 20 مليار دولار سنوياً في رحلاتهم السياحية بمدن أوروبية، وأيضاً مدينة "دبي" السياحية والاستثمارية المجاورة للمملكة.

وقد تَصَدَّر السعوديون قائمةَ الشعوب الأكثر سفراً في الشرق الأوسط، إذ تتراوح مُعدّل عدد رحلاتهم بين 4 إلى 5 مرات في السنة، وبلغت قيمة حجوزاتهم عبر الإنترنت حوالي 35 مليار دولار، بحسب دراسة أجرتها شركة Travelport.

وتُمثّل السعودية 25% من كل الحجوزات التي تتم في منطقة الشرق الأوسط، وتوقّعت أن تزداد النسبة لتصل إلى 36% في 2017.

وفي عام 2015 فقط، استقطبت مدينة "دبي" الإماراتية أكثر من 1.54 مليون سائح سعودي.

ما سَبَق يُشير إلى رغبة من "ابن سلمان" من قطف جزءٍ من كعكة السياحة السعودية داخلياً، بدلاً من ذهاب تلك المليارات من الدولارات إلى "دبي" وتركيا والأردن والكويت والمنتجعات الآسيوية والأوروبية.

موقف الإمـارات

لكن هل سيشعر "أولاد زايد" في الإمارات بالخطر من هكذا مشروع؟ الواقع يُشير إلى أن هذا المشروع لن يُؤثّر بشكلٍ كبيرٍ على الحصة السياحية لـ "دبي"؛ لعدة أسباب أبرزها أن المدينة الإماراتية لا تقوم فقط على السياحة ولكن أيضاً على الاستثمار، وأن سمعتها الجيدة اكتسبتها من سنوات طويلة، تحوَّلت فيها إلى مدينةٍ حاويةٍ لمعظم الجنسيات، وتخضع لنظام إداري وأمني شديد الصرامة.

علاوة على ذلك يبدو المكسب الذي حصده "محمد بن زايد" أكبر من الخسارة المحتملة، فتحوُّل السعودية إلى الانفتاح على غرار النموذج الإماراتي، ومواجهة "الوهابية" التي لا تزال حاضرةً بقوة في مشهد الحكم والنفوذ هناك، هو مصلحة مستقبلية للإمارات تتمثَّل في مزيدٍ من خفوت التيار المحافظ السلفي والإخواني وغيره، في مقابل انتعاش التوجهات الانفتاحية، مما يُتيح للرياض الانخراط في ترتيبات مختلفة مع الغرب والولايات المتحدة على غرار أبو ظبي.

وإن كان الأمر قد يُمثّل في المُحصّلة خسارةً اقتصاديةً للإمارات؛ بسبب دخول السعودية بإمكاناتها على الخط، لكن "أبناء زايد" عوّدونا على التعامل مع كل مشكلة في حينها، بما لا يعيق مصالحهم الاقتصادية.

استقطاب السياح

وتظل مسألة استقطاب سائحين أجانب للمشروع السعودي الجديد أمراً بالغ الصعوبة في الوضع الحالي؛ نظراً لاستمرار النظرة السلبية للمملكة بين الأوساط السياحية الغربية، على أنها مركز لـ "الوهابية" ومفرخة للمتشددين، وبلد لا يحترم الحريات المرتبطة بالملف السياحي، وما الذي سيدفع سائحاً غربياً إلى الذهاب لزيارة منتجع في بلد لا يزال يمنع النساء من قيادة السيارات؟.

المشروع يُمثّل إحدى أبرز المعارك المفصلية بين "محمد بن سلمان" وكتلة المحافظين في المملكة، والتي يتوقع أن تكون آثارها شديدة الوطأة على استقرار المملكة، لكن على "ابن سلمان" أن يجتاز أولاً العقبات الحالية أمام تثبيت أقدامه في حكم أغنى دولة في الشرق الأوسط، ولعل اختيار "ابن سلمان" الإعلان عن هذا المشروع، في غياب والده له دلالة واضحة في سياق هذه المعركة.