أول قاعدة للصين في الشرق الأوسط.. هل باتت المنطقة مسرحاً لصراع النفوذ؟ (تحليل)

أول قاعدة للصين في الشرق الأوسط.. هل باتت المنطقة مسرحاً لصراع النفوذ؟ (تحليل)

11:00 ص

02-أغسطس-2017

بَدَا أن الصين حوَّلتْ وجهتها من الاعتماد فقط على الاستثمارات والقوة الناعمة لزيادة نفوذها في الشرق الأوسط، إلى البدء في إنشاء قواعد عسكرية أيضاً، بما يسمح لها بلعب دور أكبر خلال الفترة المقبلة.

يبدو أن سباقاً على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط انطلق ولكن بشكلٍ مختلفٍ خلال الفترة الحالية، ليس فقط بين أمريكا وروسيا ولكن امتدَّ إلى الصين، والأخيرة افتتحت أخيراً قاعدة عسكرية في جيبوتي.

الصين التي تحتل ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بدأت تتخذ خطوات من شأنها تعزيز نفوذها بما يتلائم مع التحسن الاقتصادي المتسارع خلال العقدين الماضيين.

وتُحاول الصينُ توفيرَ موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط؛ اعتماداً على القوة الناعمة، ولكن أيضاً بَدَا أنها تحاول الدخول في سباق القواعد العسكرية؛ لحماية مصالحها التجارية.

قاعدة جيبوتي

وأعلنت الصينُ افتتاحَ قاعدتها العسكرية في دولة جيبوتي، كأول قاعدة عسكرية خارج مناطق نفوذها الطبيعية، تزامناً مع الذكرى الـ 90 لتأسيس جيش التحرير الشعبي.  

وشرعت الصين في التخطيط لبناء القاعدة العسكرية العام الماضي؛ بدعوى إمداد سفن القوات البحرية التي تُشارك في مهام حفظ السلام والإغاثة قبالة سواحل اليمن والصومال، وسط تأكيدات بأنها ليست سوى قاعدة لوجيستية فقط.

وذكرت الإذاعة الرسمية الصينية، أن أكثر من 300 شخص حضروا حفل افتتاح القاعدة العسكرية من بينهم "تيان تشونغ" - نائب قائد الأسطول الصيني -، ووزير دفاع جيبوتي.   

وكانت وكالة الأنباء الرسمية "شينخوا"، أفادت مطلع الشهر الجاري، بأن سفناً تحمل قوات من الجيش الصيني غادرت بكين في طريقها إلى جيبوتي بالقرن الأفريقي؛ من أجل تجهيز أول قاعدة عسكرية لـ "بكين" في الخارج.

 وقالت الوكالة: إن تأسيس القاعدة كان قراراً اتخذه البلدان بعد مفاوضات ودّية واتفاقيات تُراعي المصالح المشتركة للبلدين.

افتتاح القاعدة العسكرية تسبَّب في حالةٍ من القلق لدى الهند، خاصة مع التخوُّف أن تُصبح جيبوتي حليفاً عسكرياً للصين فيما يُعرَف باسم "سلسلة اللآلئ"، والتي تضم "بنجلادش" و"ميانمار" و"سريلانكا" التي تُحيط بالهند.

التوسع في القواعد

وبَدَا أن الصين تحاول التوسع في قواعدها العسكرية خارج حدودها؛ لحماية مصالحها وبسط نفوذ في عدة مناطق، ولكن كان التركيز الأكبر خلال الفترات الماضية على محيطها الجغرافي.

وفي سبتمبر الماضي، أفادت تقارير عن نية الصين إقامة قواعد عسكرية في آسيا الوسطى وتحديداً على الحدود الأفغانية الطاجكية، في خطوطٍ لتوسيع نفوذها العسكرية.

وبحسب دورية "ستراتفور" لتحليل المعلومات، فإن هذه القاعدة في آسيا الوسطى تُضاف إلى أخرى بُنيتْ في وقتٍ سابقٍ من العام الماضي.

واعتبرت الدورية، أن الإعلان الصيني يُظهر اهتمام بكين في آسيا الوسطى، حيث تتصادم الأولويات الأمنية للصين ومنافستها روسيا في هذه المنطقة، فضلاً عن تهديدات المنظمات الإرهابية.

وأبدَت الصين قلقها مراراً من حالة انعدام الاستقرار والاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وتزايد القلق مع توسُّع المصالح الصينية خاصة تلك المُتعلّقة بالطاقة والبُنَى التحتية في منطقة أوراسيا.

وأشارت إلى أن الصين أوجدتْ في أغسطس الماضي آليةَ تنسيقٍ رباعي في المنطقة تضُمّ إلى جانب الصين، باكستان وأفغانستان وطاجيكستان.

الصين والشرق الأوسط

وتحتل قاعدة الصين في جيبوتي أهمية كبيرة؛ نظراً لأنها أول تواجد في منطقة الشرق الأوسط وفي دولة عربية، كما أن جيبوتي تُعتبر موقعاً استراتيجياً في منطقة القرن الأفريقي بما يسمح بحماية مصالحها.

ويرتبط إقامة هذه القاعدة العسكرية في جيبوتي تحديداً بثلاثة أهداف أساسية لدى الصين، وهي:

أولاً: حماية مصالحها:

حيث تحاول الصين تأمين ممر هام مثل مضيق "باب المندب" الذي تُواجه فيه السفن عمليات قرصنة، خاصة أن 20% من حجم التجارة العالمية يمر عبر مضيق "باب المندب"، وبالتأكيد فإن للصين نصيباً كبيراً منها، فضلاً عن أن 50% من واردات النفط إلى الصين تصلها من المملكة العربية السعودية والعراق وجنوب السودان.

ثانياً: زيادة نفوذها:

كما تسعى الصين إلى التوسع في النفوذ في الشرق الأوسط، خاصة وأن عدة دول سبقت الصين في بناء قواعد عسكرية في القرن الأفريقي مثل أمريكا وفرنسا وبريطانيا.

ثالثاً: ربطها بأفريقيا:

وتدفع الصين بربطها أكثر بأفريقيا خلال الفترة المقبلة، إذ زادت الاستثمارات الصينية في منطقة شرق أفريقيا تحديداً بنسبةٍ كبيرةٍ خلال السنوات الماضية، والتي تجاوزت الاستثمارات الأمريكية التي كانت تُقدَّر في عام 2008 بـ 4 مليارات دولار.

رابعاً: دعم لوجيستي:

وربما تحاول الصين توفير دعم لوجيستي لسفنها البحرية خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن الهدف الأساسي والمعلن هو أنها قاعدة عسكرية لوجيستية وليست قاعدة حربية، ولكن هذا لا يمنع تطوير القاعدة لتسمح باستقبال أسلحة وطائرات وقوات عسكرية إضافية.

صراع على النفوذ

ويقبع خلف إقامة أول قاعدة عسكرية للصين في جيبوتي، صراعٌ محمومٌ على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، بين الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا وروسيا ودخلت على الخط الصين.

"بكين" كانت تعتمد خلال السنوات الماضية على القوة الناعمة المتمثلة في الدفع باستثمارات سواء مباشرة أو غير مباشرة، ولكن بدأت تُبدِي اهتمامات كبيرة لتلك المنطقة.

الصين عيَّنت في 2009 مبعوثها الخاص الأول للشرق الأوسط، بحسب "ديفيد شينكر"، في مقاله على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى.

قال "شينكر": إن الصين في عام 2011 استخدمت حق النقض في مجلس الأمن الدولي ضد ثلاثة قرارات أدانت نظام "بشار الأسد" في سوريا، وعلى الرغم من الاستثمارات الضخمة في قطاع الطاقة الإيراني، التزمت الصين حتى الآن بالعقوبات التي تقودها الولايات المتحدة ضد طهران لإثناء المَلالِي عن تطوير سلاح نووي.

وأضاف: "أن الصين تُبرز قوتها الناعمة في الشرق الأوسط، حيث تبذل جهوداً ملموسة لزيادة التجارة والاستثمارات، لا سيما في قطاع الطاقة، مع التفاوض لإقامة اتفاقية تجارة حرة مع "مجلس التعاون الخليجي".

وبحسب مراقبين، فإن إقامة قاعدة جيبوتي أول اختبار لمدى قدرات الصين العسكرية وقدرتها على التوسع في إقامة قواعد عسكرية في عدة مناطق؛ للتعزيز من تواجدها ونفوذها في وقت يحتدم الصراع بين أمريكا وروسيا على النفوذ في تلك المنطقة.