«المغرب العربي» والأزمة الخليجية.. حياد أم انحياز؟ قراءة في الموقف وتجلياته (تحليل)

«المغرب العربي» والأزمة الخليجية.. حياد أم انحياز؟ قراءة في الموقف وتجلياته (تحليل)

03:00 ص

03-أغسطس-2017

تقوم الجزائرُ بجولةٍ حاليةٍ للمنطقة العربية تشمل دول الأزمة الخليجية وربما تمتد إلى محاولةٍ للوساطة بها، فكيف تعاملت الجزائر ودول المغرب العربي مع الصراع؟ وما العوامل التي حكمت موقفها بالأزمة؟.

بدأ "عبد القادر مساهل" - وزير الشؤون الخارجية الجزائري - يوم الإثنين الماضي جولةً مكوكيةً للمنطقة، تشمل ثمانية دول عربية من بينها دول الأزمة الخليجية (السعودية والإمارات والبحرين والكويت).

وعلى الرغم من تأكيد الخارجية الجزائرية أن الجولة ستتناول كافة أزمات المنطقة إلا أن زيارته إلى دول المقاطعة والوسيط الخليجي تُؤشّر إلى أن أزمة الخليج المشتعل ستكون محطةً رئيسيةً ضمن محطات تلك الجولة، ما يُشير فيما يبدو إلى وساطة جزائرية في طريقها إلى الظهور.

وفي هذا السياق وبنظرةٍ سريعةٍ إلى الموقف الجزائري والمغاربي بصفة عامة من الأزمة باعتبار أن الجزائر هي إحدى دول المغرب العربي، نجد أن هذا الموقف قد أثار العديد من التكهنات والتساؤلات بشأن التوافق في موقف كل من الدول المغربية الرئيسية (الجزائر والمغرب وتونس) على الرغم من الخلافات والتوترات المتفاقمة بين الجزائر والمغرب، والدوافع وراء الموقف الحيادي من قبل الدول الثلاث من الأزمة على الرغم من الاستثمارات والدعم الذي استخدمته دول المقاطعة على امتداد عقود لترسيخ نفوذها وتوثيق علاقاتها مع العواصم المغاربية، وهل كان هناك حياد أصلًا  أم أن الموقف كان أقرب إلى الانحياز للجانب القطري؟.

المغرب بين الحياد والانحياز

جاءت مواقف الدول الرئيسية الثلاث بالمغرب العربي على عكس ما كانت تتوقّعه منها دول المقاطعة حيث نَأتْ تلك الدول بنفسها عن الصراع الخليجي، وشدَّدتْ على ضرورة التزام الحوار كحلٍّ وحيدٍ للأزمة، في مواقف تكاد تكون متطابقة، إذ سارعت الجزائر إلى التأكيد على التزام مبدأ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وعلى نفس المنوال أكّدت الخارجية المغربية تفضيلها للحياد الإيجابي، وشدَّد ملك المغرب "محمد السادس" استعداده للوساطة والمساهمة في تجاوز الخلاف، وكذلك اتخذت تونس أيضًا نفس المسار الداعي إلى الحياد وتشجيع الحوار بين الدول الأطراف بالأزمة.

وإذا كان للأمر دلالة فهو يُشير على ما يبدو إلى عزم تلك الدول على عدم الانحياز إلى أحد الأطراف بالأزمة والامتناع عن إقحام نفسها بالصراعات الداخلية في منطقة الخليج؛ إدراكًا منها للعواقب المترتبة على مثل هذه الخطوة.

ولكن ثمَّة تغيُّر حدث بموقف تلك الدول والمغرب بصفة خاصة من الأزمة، فعلى الرغم من تأكيد المغرب في بداية الأزمة على الحياد الإيجابي، إلا أنه قد أصدر بيانًا أبدى فيه تعاطفًا مع الجانب القطري على خلفية التضييق الاقتصادي وإجراءات الحصار المفروض عليه من جانب دول المقاطعة.

وقام في هذا السياق بإرسال الطائرات المُحمَّلة بالمواد الغذائية إلى الدوحة، مما أثار العديد من التساؤلات والشكوك بشأن أسباب هذا التغيُّر المفاجئ، وماذا عن المحددات التي تحكم تعامل المغرب العربي مع الأزمة؟.

محددات التعامل

في هذا الإطار يُمكن تفسير موقف الدول الثلاث من الأزمة وفي مقدمتهم الجزائر عبر عددٍ من النقاط الأساسية منها التالي:

أولاً: الاحتفاظ بعلاقات جيدة ومتوازنة تقريبًا مع طرفي الأزمة المتصارعين، وهو ما أكّد عليه يوم إرساله لطائرة المساعدات إلى الدوحة، حيث وضَّح أن تلك الإمدادات ليس لها علاقة بالموقف السياسي للمغرب من الصراع، كما ذكّر دول المقاطعة الثلاث بمواقفه ووقوفه إلى جانبها في العديد من الأزمات، كما هو الحال في اليمن ومشاركته في "عاصفة الحزم" والتحالف العربي الذي تقوده السعودية منذ ثلاث سنوات، ودعمه للإمارات في قضية الاحتلال الإيراني لجزرها الثلاثة، وكذلك ذكَّر المنامة بمساندته لها في مواجهة إيران حينما قام بقطع علاقاته الدبلوماسية مع طهران عام 2009؛ تضامناً مع البحرين.

وإذا كان هذا بالنسبة إلى المغرب، فإن الأمر لم يختلف أيضًا بالنسبة إلى الجزائر التي طالما احتفظت بعلاقات جيدة مع قطر وإن كان شابها بعض الاستياء على خلفية الرفض الجزائري لقناة "الجزيرة" واتهامها بعدم المهنية، كما احتفظت كذلك بعلاقات متوازنة إلى حد ما مع الإمارات والسعودية مع وجود بعض الخلافات بالطبع؛ بسبب رفضها للدور الإماراتي في ليبيا.

ثانياً: جاء الموقف الجزائري والمغاربي في سياق النهج البراجماتي وسياسة الحياد التي لطالما حاولوا إتباعه في معالجة الأزمات بالمنطقة، كما كان الحال بالنسبة إلى الموقف من القضايا العربية بعد عام 2011، فما زال هاجس الربيع العربيّ يُسيطر عليها؛ وبالتالي فالأفضل لها أن تلتزم الحياد بدلًا من الدخول في صراع غير محسوب العواقب، خاصةً مع عدم تأييد المجتمع الدولي لخطوات دول المقاطعة.

ثالثاً: تأتي مواقف دول المغرب في إطار انعدام الثقة لديهم في دول الخليج، فكما استطاعت دول المقاطعة أن تتجاوز الخلافات فيما بينهما (خاصة الخلافات بين الإمارات والسعودية) وأن تتخذ قرارها الموحد بمقاطعة الدوحة، فيُمكن تسوية الأزمة فجأة ويبدأ تصاعد الحديث عن وحدة دول الخليج ووقوفها في جانبٍ واحدٍ في مواجهة تحدّيات المنطقة والتدخلات الإيرانية، وحينها سيكون الخاسر الأكبر هو الطرف غير الخليجي.

رابعاً: ارتباط دول المغرب أيضاً بعلاقات اقتصادية مع جانبي الأزمة ترغب في الحفاظ عليها، ففي المجال النفطي تُنسِّق الجزائر مع السعودية بشأن السياسات النفطية في إطار منظمة "أوبك" لتخفيض الإنتاج والمساهمة في ارتفاع الأسعار، كما ترتبط مع قطر في سوق الغاز كونها أحد أبرز منتجي هذه الطاقة.                                                                                          

كذلك الحال مع المغرب حيث مثَّلَت الاستثمارات القطرية سنة 2014 حوالي 12.3% من الاستثمارات الأجنبية، كما وقَّع الطرفان على اتفاقٍ يستقطب 15 ألف مغربي ومغربية سنوياً للعمل في قطر، خلال ثلاث سنوات، هذا بجانب علاقاتها الاقتصادية القوية مع السعودية والإمارات، فالمملكة أكبر مستورد للصادرات المغربية في الخليج، أي ما يعادل 52.4% من إجمالي الصادرات نحو المنطقة، تليها الإمارات بنسبة 33.5%.

وهكذا إذا كانت تلك الدول قد أكَّدت على حيادها وعلَّل المغربُ الأسبابَ وراء تقديمه المساعدات إلى الدوحة بأنها مواقف تضامنية مع الشعب القطري ولا تمت بصلةٍ إلى الموقف السياسي، فإن ذلك يدل على الحرص على عدم خسارة دول المقاطعة وفي الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها مع الجانب القطري؛ تحقيقًا لمصالحها.

ماذا بعد الحياد؟

في إطار ما سبق يُمكن الإشارة إلى أن العلاقات الخليجية مع دول المغرب العربي ما زالت قوية بما يكفي لتقبل الحياد، ويأتي قرار العاهل السعودي بعدم تغيير خططه المُتمثّلة في قضاء عطلة الصيف في المغرب ليدلّ على أن العلاقات بين البلدين لم تتأثر بالأزمة، وهو ما يُؤهّل هذه الدول للوساطة، ولكن هذا الأمر يتطلّب الإسراع في تفعيل تلك الوساطة قبل فوات الأوان.

ففي كل يومٍ يمرّ تزداد الأوضاع تعقيدًا كما ظهر مؤخرًا مع الاجتماع الرباعي بالمنامة والذي لم يسفر سوى عن المزيد من التعنُّت عبر تأكيد دول المقاطعة على ضرورة الخضوع القطري لقائمة المطالب الـ 13، الأمر الذي أكدت الدوحة رفضها له. فهل ستتمكّن الجزائر من كسر هذا الجمود عبر جولتها الحالية؟ لننتظر ونرى ما تُسفر عنه الأيام القليلة المقبلة.