السعودية والعمالة الوافدة.. هل يمكن لـ«الرسوم» أن تكون حلاًّ؟ (تحليل)

السعودية والعمالة الوافدة.. هل يمكن لـ«الرسوم» أن تكون حلاًّ؟ (تحليل)

06:00 ص

04-أغسطس-2017

خطواتٌ وقراراتٌ عديدة اتخذتها وما زالت تتخذها المملكة السعودية هدفت من خلالها إلى فرض رسوم على العمالة الأجنبية ولتوطين العمالة لديها وزيادة الأموال بخزينتها العامة، ولكن ثمَّة تحدّيات تُواجهها في الطريق تَحُول دون الاستغناء عن هؤلاء الوافدين.

ما بين الشطب من الوظائف والامتناع عن دفع الأجور وانتهاك حقوق الإنسان إلى خطط التوطين وتطبيق الرسوم والضرائب تزداد معاناة العمالة الأجنبية في دول الخليج وخاصة المملكة السعودية، وتزداد معها التساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية وراء تلك الرسوم والضرائب المرتقبة وتداعياتها المحتملة على الاقتصاد المحلي بالمملكة.

فهل ستُحقِّق تلك الرسوم الأهداف وراء فرضها؟ وهل يمكن للمملكة بالفعل الاستغناء عن العمالة الوافدة لديها وتعويضها بأخرى وطنية أم أن هناك عوائق أخرى قد تَحُول دون تحقيق أهدافها بـ "السعودة"؟. 

أرقام ودلالات

يرتفع عدد العمالة الأجنبية في دول الخليج بشكلٍ كبيرٍ لا سيما تلك الأسيوية، إذ يعيش بها نحو 17 مليون أجنبي ويرتفع العدد إلى 23 مليوناً أو أكثر بعد إضافة عائلاتهم، ما يُمثِّل قرابة نصف سكان الخليج والذي يبلغ عددهم نحو 48.8 مليوناً.

وطبقًا لإحصاءات البنوك الدولية فإن نسبة العمالة الوافدة في قطر إلى إجمالي السكان هي الأكبر في العالم حيث تُقدَّر بنحو 91%، تليها الإمارات بنسبة 89%، والكويت 72.1%، والبحرين 54%، فيما تُمثِّل حوالي 10.24 مليون نسمة من إجمالي عدد سكان السعودية البالغ 31 مليون نسمة في حين يصل عدد السعوديين إلى 20.77 مليونًا.

وهكذا في ظل ذلك الارتفاع في أعداد العمالة الوافدة اتجهت بعض دول الخليج - وفي مقدمتهم السعودية - إلى التفكير في عدد من الآليات التي تُحقِّق من خلالها أقصى استفادة ممكنة من هذه العمالة، وتدعم في نفس الوقت الاتجاه السائد بها نحو التوطين خاصة في القطاعات الاقتصادية التي يتواجد فيها أعداد قليلة من العمالة السعودية مقارنةً بأعداد نظيرتها الوافدة.

في مثل هذا السياق جاءت المملكة بعددٍ من القرارات التي استهدفت بها زيادة عائداتها من هؤلاء المغتربين، عبر فرض العديد من الرسوم على هؤلاء الوافدين، والتي كان آخرها ما يُسمَّى برنامج "المقابل المالي" والذي بدأ تطبيقه بالفعل في أوائل يوليو الماضي.

ويقوم هذا البرنامج على فرض رسوم شهرية على تلك العمالة ومرافقيها بواقع 100 ريـال عن كل مرافق فقط العام الحالي في محاولة لتوفير مليار ريـال، وتحصيل نحو 24 مليار ريـال في 2018، عبر رسوم عن كل مرافق 200 ريـال شهرياً، وفي 2019 سيتم زيادة المقابل المالي للمرافقين ليصل إلى 300 ريـال شهرياً؛ لتحصيل 44 مليار ريـال، وهكذا في 2020 سيتم تحصيل 400 ريـال على كل مرافق؛ لتحصيل نحو 65 مليار ريـال.

كذلك يتضمّن هذا القرار فرض الرسوم على العمالة الوافدة نفسها بدءاً من 2018، حيث سيتم تطبيق رسوم على الأعداد الفائضة عن أعداد العمالة السعودية في كل قطاع، بواقع 400 ریـال شهري عن كل عاملٍ وافدٍ، فيما ستدفع العمالة الأقل من أعداد العمالة السعودية 300 ریـال، وفي 2019 ستتم زيادة المقابل المالي للعمالة الوافدة في القطاعات ذات الأعداد الأعلى من السعوديين إلى 600 ریـال شهري، وفي القطاعات ذات الأعداد الأقل من السعوديين إلى 500 ریـال شهري، وفي 2020 سيتم تحصيل 800 ریـال على الأعداد الفائضة من العمالة الوافدة عن أعداد العمالة السعودية، فيما سيكون المقابل 700 ریـال على العمالة الأقل من أعداد العمالة السعودية في القطاع نفسه.

هذا ولم يكن ذلك القرار هو الأول من نوعه في هذا المسار، فقد سبق أن رفعت المملكة في أغسطس 2016 رسوم التأشيرات والمخالفات المرورية؛ لزيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية إلى تريليون ريـال بحلول 2030.

الأهـداف

أما عن الأهداف وراء تلك الإجراءات فتأتي في مقدمتها سَدّ جزء من عجز الموازنة العامة والبالغ نحو 53 مليار دولار، عبر استحداث عوائد غير نفطية، في ظل تراجع إيرادات النفط، واستنزاف المملكة ماديًا نتيجة انخراطها المباشر في عدد من الأزمات بالمنطقة كما هو الحال في اليمن، إذ من المتوقع أن يُوفّر فرض تلك الرسوم المزيد من الأموال للخزينة العامة ويَحدّ من العمالة الوافدة التي تستنزف احتياطي النقد الأجنبي.

كذلك تهدف الرياض وراء تلك القرارات إلى التوطين أو "السَّعودَة"، من خلال إسناد معظم الوظائف لمواطنين سعوديين، وتوفير المزيد من فرص العمل لهم، في محاولة كما أعلنت لتحقيق التوازن في سوق العمل بين العمال الأجانب والعمالة الوطنية، خاصة مع تصاعد مطالب التوظيف وارتفاع نسبة البطالة.

ماذا عن جدوى الرسوم؟

على الرغم مما أعلنت عنه الرياض من مبررات وأسباب سوَّقت من خلالها لتلك الرسوم إلا أنها لم تُحقِّق الأهداف والدوافع من ورائها، فبالنظر إلى محاولتها لـ "السعودة" والقضاء على البطالة فهي لم تأتِ بالنتائج المرجوة منها، فما زال معدل البطالة بين السعوديين في ارتفاع مستمر وبينما بلغ نحو 11.6% نهاية 2015، إلا إنه قد ارتفع إلى 12.3% نهاية 2016.

وبينما قدّرت دراسات اقتصادية سعودية أن تَجمَع الرسومُ على المرافقين نحو 26.6 مليار ريـال حتى عام 2020، إلا أنه من المتوقع أن تَدفَع تلك الرسومُ الكثيرَ من العمالة إلى مغادرة المملكة وإعادة أسرهم إلى بلدانهم؛ وبالتالي فقدان مليارات كانوا يُنفقونها في الداخل السعودي.

وقد أشار تقرير للبنك السعودي الفرنسي إلى أن عدد المرافقين الذين سيُغادرون المملكة حتى عام 2020 سيبلغ نحو 670 ألف شخص، بمعدل 167 ألف شخص سنوياً، ومعدل مغادرة العمالة الأجنبية سيكون في حدود 165 ألف عامل سنوياً.

وهو ما سيترتّب عليه فقدان العديد من المهن لتلك العمالة الرخيصة؛ وبالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما سيقوم المستثمرون والقطاع الخاص بنقله إلى المواطن السعودي عبر رفع أسعار السلع لتعويض خسارتهم، الأمر الذي يضُرُّ بالنهاية بأبناء المملكة أنفسهم، كما لن يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالعملية الاقتصادية بمثابة دائرة مغلقة، وارتفاع الأسعار سيدفع إلى تراجع مستوى الطلب على السلع والخدمات؛ وبالتالي انخفاض القوة الشرائية.

السعودة

أخيرًا، إذا كانت المملكة قد اتخذت تلك القرارات معتمدة على ما لديها من عمالة محلية، فهل يُمكن الاعتماد فعلًا؟ وهل يمكن الاستغناء الكامل عن العمالة الأجنبية؟.

يُمكن الإشارة هنا إلى وجود العديد من الصعوبات التي من المتوقع أن تُواجهها المملكة في تلك المجازفة، خاصة على صعيد الأنشطة الاقتصادية التي لا تتمكَّن العمالة السعودية من تشغيلها، كما هو الحال في أنشطة البناء وتشييد البنى التحتية، فهذه الأنشطة تعتمد على العمالة الرخيصة وغير المُكلِّفة، ويرفض السعوديون الاشتغال بها؛ نظراً لتدنِّي العائد منها، كما أنهم يعتبرونها عملًا لا يليق بهم اجتماعيًا.

وكذلك هناك عدد من الأنشطة التي لا تزال تعتمد فيها المملكة على العمالة الوافدة كقطاع النفط، حيث يتم الاستعانة بالعمالة الأجنبية المُدرَّبة ذات الكفاءة العالية، وهو ما يَنتج عنه بقاء الحاجة إلى العمالة الوافدة، وعدم القدرة على الاستغناء عنهم!.