ماذا يحدث في «العوامية»؟.. روايتان وخمسة أسباب والنتيجة واحدة (قراءة)

ماذا يحدث في «العوامية»؟.. روايتان وخمسة أسباب والنتيجة واحدة (قراءة)

04:27 م

04-أغسطس-2017

تصاعدت حدّة التوتر الأمني في بلدة «العوامية» بمحافظة "القطيف" شرق السعودية خلال الأيام القليلة الماضية، مع محاولة أجهزة الأمن إخلاء حي «المسورة»؛ بدعوى أنه ملجأ للإرهابيين والخارجين عن القانون، فما الذي يحدث في «العوامية»؟.

قتل مواطن سعودي وجرح آخر، إثر إطلاق مسلحين النار على حافلة كانت تُقلّهم في بلدة "العوامية" التابعة لمحافظة "القطيف" بالمنطقة الشرقية السعودية.

وجرَى إطلاقُ النار في وقتٍ تشهد بلدة "العوامية" توتراً شديداً واشتباكات بين قوات الأمن السعودية ومسلحين يُعتقَد أنهم من الشيعة، وهروب مئات الأُسَر من البلدة بعد التصعيد وإطلاق النار الذي لم يتوقّف على مدار الأيام الماضية.

وقال "نبيه البراهيم" - عضو مجلس بلدي سابق -: إن حافلةً تعرّضت لإطلاق نار أثناء عملية نقل الأُسَر النازحة من "العوامية"، وقتل محمد ارحيمان وإصابة عبد الستار الشيخ، وهما عضوان في لجنة التواصل المعنية بإدارة الأزمة في "العوامية" بالتعاون مع الجهات الحكومية.

ويبقى السؤال: ماذا يحدث في "العوامية" لدرجة هروب مئات الأسر وتبادل إطلاق نار في تلك البلدة؟.

ماذا يحدث؟

وتقع "العوامية" في المنطقة الشرقية بالسعودية، ويقطنها نحو 30 ألف شخص، أغلبهم من الشيعة، ويحملون الجنسية السعودية.

وبدأت الأزمة في "العوامية" في عام 2011، بعد ثورات الربيع العربي؛ لتندلع تظاهرات احتجاجية ويتم إخمادها بمعرفة أجهزة الأمن السعودية.

وعادة ما تشهد بلدة "العوامية" أوضاعاً متوترةً للغاية، منذ العقد الماضي، بعد انتقاداتٍ واسعةٍ للنظام السعودي بتهميش الشيعة وحرمانهم من المناصب والوظائف الهامة في الدولة، وصَلَ الأمر إلى حَدّ تهديد القيادي الشيعي "نمر النمر" بانفصال "القطيف" و"الأحساء".

واعتقل "النمر" في 2012 بعد مواجهات مع قوات الأمن – بحسب ما أعلنت وزارة الداخلية آنذاك -، وأعقبها اندلاع تظاهرات في البلدة من قبل أنصاره؛ ليحكم عليه بالإعدام هو ونحو 46 آخرين بتهم تتعلّق بالإرهاب ويتم التنفيذ في 2015.

 وتهدأ الأوضاع في "العوامية" بين الحين والآخر، ولكن يظلّ المُكوِّن الشيعي في تلك البلدة صداعاً في رأس السعودية.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدت "العوامية" اشتباكات بين الأجهزة الأمنية السعودية وبعض المسلحين هناك، وفي مارس الماضي، كشفت وزارة الداخلية السعودية عن مقتل المطلوب الأمني "وليد طلال علي العريض" إثر تبادل إطلاق نار مع رجال الأمن.

وأعلن المتحدث الأمني، أن "العريض" توفي متأثراً بجراحه بعد عملية تعقب مطلوبين بـ "العوامية"، والذين بادروا إلى إطلاق النار على قوات الأمن، ما استوجب التعامل معهم بالمثل.

وقرَّرت السلطات السعودية إخلاء حي "المسورة" الأثري الذي يضم منازل تعود إلى نحو 400 عامٍ؛ بدعوى وجود مشروع تنموي لتطوير تلك المنطقة، إلا أن الأهالي يرفضون هذه الخطوة.

ومنذ مايو الماضي، وتضغط الحكومة السعودية باتجاه إخلاء ما تبقَّى من الحي القديم؛ لاتخاذه وكراً للهاربين من القانون.

وفي منتصف يوليو الماضي، أعلنت وزارة الداخلية السعودية مقتل جندي سعودي وإصابة آخر إثر إطلاق نار في محافظة "القطيف".

وسبَق هذه الواقعة، تنفيذ السعودية أحكامَ إعدام بحق أربعة أشخاص في مدينة "القطيف" بعد إدانتهم بالإرهاب ومهاجمة دوريات أمنية.

وقبل أيام اشتدّت المواجهات بين قوات الأمن وعدد من المسلحين أسفرت عن مقتل 7 أشخاص بينهم شرطيان، بعد تركُّز المواجهات في حي "المسورة".

هذه المواجهات المستمرة على مدار الأيام القليلة الماضية، دفعت الأهالي أخيراً إلى الهروب من صعوبة الوضع الأمني، والذي يتوقّع استمراره لفترة بفعل تزايد حدّة الاشتباكات.

روايتان

وبالفعل خرجت مئات الأسر من بلدة "العوامية" باتجاه محافظة "القطيف"، مع توفير مأوى لهم.

وبحسب وسائل إعلامية سعودية، فقد شهدت النقاط الأمنية في بلدة "العوامية" خروج أعداد كبيرة من العائلات التي فضَّلت المغادرة، واتجهت لمحافظة "القطيف" التي أمَّنتْ لهم كافة سُبل الراحة من سكن ومساعدات؛ إنفاذاً لتوجيهات أمير المنطقة الشرقية.

 وكانت محافظة "القطيف" قد دعت في وقتٍ سابقٍ كافة الأسر النازحة من بلدة "العوامية" لمراجعتها بهدف تأمين مسكن لهم، وسط تحديد 4 اشتراطات لاستحقاق ذلك، وهي صورة بطاقة الهوية الوطنية وصورة دفتر العائلة وصورة من الصَّكِّ أو عقد الإيجار، مُشدّدةً على إحضار أصول تلك الوثائق للمطابقة.

ولكن ظهرت روايتان في عملية هروب الأهالي من بلدة "العوامية":

الأولى: نزوحٌ جماعي، الرواية السعودية تتجه إلى أن الأهالي نزحوا من منازلهم باتجاه محافظة "القطيف"؛ هرباً من الاشتباكات المسلحة بين قوات الأمن التي بدأت إجراء عمليات هدم حي "المسورة"، مع توفير التسهيلات اللازمة لخروجهم وتأمينهم.

الثانية: تهجيرٌ قسري، ولكن الرواية الثانية أطلقها نشطاء شيعة وعدد من أهالي البلدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تتحدَّث عن خروج الأهالي في صورة تهجير قسري بإخلاء المنازل بالقوة، فضلاً عن تخوُّف بعض العائلات من تعرُّضهم للخطر بعد إطلاق النار بشكلٍ عشوائي وفرض حصار على البلدة وقطع المياه والكهرباء. 

لماذا الآن؟

لكن السؤال الأهم هو حول دلالة توقيت عملية مداهمة بلدة "العوامية" وإخلاء حي "المسورة".

وتبرز عدة أسباب في ضوء المتغيرات التي تشهدها السعودية خلال الفترة الأخيرة:

أولاً: مواجهة النفوذ الشيعي:

فبالتأكيد يرغب نظام الحكم في السعودية بمواجهة أي تزايد للنفوذ الشيعي في المملكة، في إطار عداء شديد بين السعودية والشيعة بشكلٍ عام سواء داخل المملكة في المنطقة الشرقية، أو إيران التي تُواجه خلافات شديدة مع المملكة في عدة قضايا تتعلّق بأمن الأخيرة القومي وتحديداً بعد انقلاب الحوثيين في اليمن وتهديد أمن السعودية من الحدود الجنوبية.

ثانياً: انتصار "ابن سلمان":

ويُمثِّل نجاحُ العملية الأمنية في "العوامية" خلال الفترة المقبلة والتخلُّص من النفوذ الشيعي هناك انتصاراً لولي العهد الجديد "محمد بن سلمان"، ويُمكن استغلاله للترويج له داخلياً؛ باعتباره "حامي المملكة"، مثل الحملة التي تمحورت حوله عقب إطلاق عمليات "عاصفة الحزم" لمواجهة الحوثيين في 2015؛ باعتباره وزير الدفاع.

ثالثاً: ضربة لـ "محمد بن نايف":

كما أن تصاعد الحملة الأمنية خلال الفترة المقبلة ربما تكون ضربةً لولي العهد الذي تم إعفائه من منصبه خاصة وأنه كان وزيراً للداخلية؛ لبيان أنه لم يكن قادراً على بسط الأمن بالصورة التي كان يتخيّلها الكثيرون.

رابعاً: السيطرة الأمنية:

وتهدف الحملة الأمنية - بعيداً عن استغلالها سياسياً - فإنها تسعى بالأساس لبسط الأمن في تلك البلدة التي كانت دائماً مصدر قلق وإزعاج للنظام السعودية خلال أكثر من عشرة أعوام بشكل كبير.

خامساً: وزير الداخلية الجديد:

كما أن هذه الحملة الأمنية قد تُمكِّن لوزير الداخلية الجديد من قيادة الوزارة بشكلٍ كبيرٍ، وترفع أسهمه لدى النظام الحاكم والشعب السعودي؛ باعتبار أنه تم التخلص من النفوذ الشيعي بالمملكة في عهده.