«المهرة».. هل تشتعل المواجهة صراحةً بين الإمارات وسلطنة عُمان في اليمن؟ «رصد وتحليل»

«المهرة».. هل تشتعل المواجهة صراحةً بين الإمارات وسلطنة عُمان في اليمن؟ «رصد وتحليل»

03:00 ص

05-أغسطس-2017

ما يُمكن القطع به هو أن "المهرة" أصبحت ساحةَ صراعٍ إماراتي عُماني، حيث إن الإمارات بدأت باللعب مع السلطنة عبرها، وأن ما تشهده دولُ الخليج من أزمةٍ لم يعد مقتصراً على قطر، وإنما أصبحت عُمان في وسط الأزمة ولو لم تحظَ بالتغطية التي حظيت بها الأزمة مع قطر.

يوم بعد آخر يتضح أن الإمارات دخلت الملعب اليمني تحت ظل اللاعب السعودي الثقيل؛ لتمارس أدواراً تتجاوز بكثيرٍ مسألة لجم أذرع إيران التي تسلَّلَت والتفَّتْ حول خاصرة الخليج، إلى محاولة التموضع إقليمياً بشكلٍ جديدٍ يتناسب مع طموحات "أبناء زايد" التي يبدو أنها لا تتوقف للسيطرة على المنطقة، والتحوُّل إلى ما هو أكبر من مجرد قوة إقليمة مؤثرة.

الأذرع الإماراتية وصلت الآن إلى الحدود اليمنية العُمانية، بعد أنباء عن تشكيل أبو ظبي ميليشيات قبلية تتبعها مباشرةً، في استنساخ لتجربة الحزام الأمني في "عدن" الموالي لأبو ظبي، لكن الاستنساخ جاء هذه المرة في محافظة "المهرة" المحاذية لحدود سلطنة عُمان؛ الأمر الذي جعل العُمانيين يستشعرون الخطر، خاصة أن تلك الميليشيات لا تُسيطر عليها حكومة الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي".

أحدث التطورات تُشير إلى تحرُّكٍ عُماني سريع لاحتواء الأمر، تَمثَّل في منح السلطات العُمانية مؤخراً جنسيتها لعددٍ من وجهاء محافظتي "حضرموت" و"المهرة" اليمنيتين، الأمر الذي عَدَّته مواقع محلية يمنية محاولةً من "مسقط" لمواجهة نفوذ أبو ظبي المتصاعد في المحافظتين الواقعتين على حدودها، حسب صحيفة "القدس العربي" اللندنية.

سلاح الجنسية

ومَنَح مرسومٌ صادر عن السلطان "قابوس بن سعيد" الجنسيةَ لمواطنين يمنيين منتمين لأسرتي كل من مستشار الرئيس اليمني "حيدر أبو بكر العطاس"، وكذا لأفراد من أسرة القيادي في الحراك الجنوبي اليمني الشيخ "عيسى بن عفرار".

وأفادت مواقع يمنية محلية بأن المرسوم قضى بمنح الجنسية العمانية لعدد 69 شخصاً من أبناء الأسرتين، مشيرةً إلى أن عملية التجنيس هذه على صلة بالصراع الإقليمي المُستعرّ لاستقطاع أجزاء من جنوب اليمن، وخاصة الصراع البارد بين الإمارات وسلطنة عُمان.

وذكرت أنباء أوردتها مواقع إخبارية يمنية أن صراعاً صامتاً يجري بين الإمارات وسلطنة عُمان داخل الأراضي اليمنية في كل من "حضرموت" و"المهرة".

وتخشى السلطنة من تمدُّد النفوذ الإماراتي داخل المناطق الشرقية لليمن على حدودها؛ الأمر الذي جعلها تتحرَّك بشكلٍ هادئ لاحتواء نفوذ أبو ظبي بالقرب من حدود السلطنة، حيث قامت عُمان بـ “تجنيس” عدد من القيادات القبلية والسياسية والوجاهات الدينية والاجتماعية في محافظتي "حضرموت" و"المهرة".

كما تحدَّثت أنباء عن السماح لأبناء المحافظتين بالدخول إلى سلطنة عُمان وممارسة أعمال تجارية في مناطق محددة داخل السلطنة دون الحصول على تأشيرة للدخول.

قـصة الصراع

ما هي قصة الصراع الإماراتي العُماني في "المهرة"؟.

محافظة "المهرة" اليمنية المحاذية لسلطنة عُمان والتي يقع فيها منفذ شحن بين الجمهورية اليمنية وسلطنة عُمان هي محافظة لم تدخل في الصراع الحاصل في اليمن، وكانت أكثر المحافظات اليمنية سلامةً من الصراع ومن تبعاته؛ وبالتالي لا محل فيها موضوعياً لتواجد للتحالف العربي من أي نوع؛ فالمحافظة مستقرة، وبعيدة بشكلٍ كبيرٍ عن سيطرة "الحوثيين".

ورغم وضع محافظة "المهرة" المستقر بدأت الإمارات بالسعي للتواجد وفرض الهيمنة في هذه المحافظة باستمالة عدد من مشايخها وجذب عدد من قيادات السلطة المحلية وكذلك تجنيد الآلاف من أبناء المحافظة وإقامة معسكر في "الغيضة" عاصمة المحافظة تُديره الإمارات.

أهمية "المهرة"

ما هي أهمية "المهرة" لسلطنة عُمان؟.

تُمثِّل محافظةُ "المهرة" عُمقاً استراتيجياً لسلطنة عُمان، ومُتعلِّق مباشر بأمن عُمان القومي، ولدى السلطنة اهتمام كبير وتاريخي بالوضع في المحافظة، لعلَّ أهم ركائزه التداخل القبلي بين المحافظة والمحافظات العُمانية المُتاخمة.

تتهم السلطنةُ الإمارات بالتجسُّس عليها، وسَبَق أن أُثيرتْ مسألة القبض على خلية التجسس التي تعمل لصالح الإمارات داخل السلطنة، وكان لابد للسلطنة من النظر بريبة للتحرُّكات الإماراتية غير المُبرَّرة في "المهرة" والسعي الحثيث للتواجد فيها، وما يستتبع ذلك من تهديد لأمن السلطنة.

أيضاً فإن ذلك يأتي في ظل عدم انسجام السياسات للدولتين خصوصاً تجاه العلاقة مع إيران من جهة والتسبُّب في سحب الصراع إلى المحافظة كترتيبٍ على حالة الصراع بين الإمارات و“سلطة الشرعية” في محافظات اليمن الجنوبية.

فالمحافظة تُعتبر تحت سلطة “الشرعية”، وحضور الإمارات سيستتبع المنافسة على السلطة فيها؛ وبالتالي التسبُّب في ضرب الاستقرار وتحويلها إلى ساحة صراع سلطات تتأثَّر به السلطنة بشكلٍ مباشرٍ.

أزمة قـطر

تفجير الأزمة مع قطر نَقَل الأداء الإماراتي إلى مرحلة العمل داخل البيت الخليجي والتلويح باتجاه السلطنة والكويت، رفع حدّة التوجُّس العُماني تجاه التحركات الإماراتية على حدودها، خصوصاً في ظل عدم انسجام السياسات وكذلك الدور الإماراتي البارز مؤخراً الساعي لفرض هيمنة على الممرات المائية في الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر.

دون مقدّماتٍ ودون منطقٍ فجَّرت الإمارات خبراً بأن الأسلحة تُهرَّب لـ “الحوثيين“ من سلطنة عُمان، وكان هذا الزعم الإماراتي رسالةً مباشرةً وواضحةً بأن السلطنة دخلت دائرة الاستهداف الإماراتي بشكلٍ مباشرٍ – والأمر لا يبتعد كثيراً عن القول بأن قطر كانت تُزوّد الحوثيين بإحداثيات قوات التحالف –، واختلاق مثل هكذا خبر يعني التمهيد لإنتزاع المحافظة من حالتها الراهنة تحت سيطرة “سُلطة هادي“ لصالح سُلطة موالية للإمارات، وما يستتبع ذلك من التموضع العسكري الأوسع ومن العبث الديموغرافي في المحافظة، وكل ذلك على حساب أمن واستقرار الحدود العُمانية، بل والدولة العُمانية ككل في ظل التوجهات الإماراتية المُريبة.

سلطنة عُمان تتوجَّس الشَّرَّ من التحركات الإماراتية، أو لنقل إنها تُشاهد توارد الشَّرِّ إلى حدودها مع اليمن وتُدرك أن هذه النقطة يُمكنها أن تُمثِّل مدخلاً لاستهدافها كما استهدفت قطر من قبل، وظهرت الخارجيةُ العُمانية نشطةً بشكلٍ ملحوظٍ من خلال زيارات وزير الدولة للشؤون الخارجية العُماني إلى إيران ثم إلى الكويت، كما بدأت بخطواتٍ تهدف للاحتياط في المحافظة من خلال عملية تجنيس مُختارة سياسية وقبلية تُسهم في تعزيز الحضور العُماني في المحافظة وفي الملف اليمني.

الحدود اليمنية العُمانية

آخر التطورات هي سيطرة قبيلة أمهرية على المنفذ بين السلطنة واليمن بعد أن تركته القوات الحكومية المُسيطرة عليه بطلبٍ من هذه القبيلة، وظاهر الأمر أن هذا التطور جاء على خلفية صراع قبلي بين هذه القبيلة وقبيلة أمهرية أخرى بدأت على طرق استقدام البضائع من السلطنة، لكن طلب هذه القبيلة بأن تُسلِّم المنفذ لقوة من “التحالف العربي“ تُثير التوجُّس أن الإمارات هي مَن يقف وراء هذه الخطوة لانتزاع المنفذ من “سُلطة هادي“ لصالح “سلطة موالية لها“، ما يُمثّل تهديداً كبيراً للسلطنة سيستتبع ردود أفعال عالية تجاهه.

في الوقت ذاته لا يُمكن الجزم بأن الإمارات قد وصلت إلى هذا التهديد المباشر للسلطنة كون هذه القبيلة التي سيطرت على المنفذ كثير من رجالاتها يحملون الجنسية العُمانية، وما لم تكن الإمارات قد تمكَّنت من اختراقها وتحريكها لصالح أجندتها فإن الأمر سيذهب في اتجاه تفسير آخر هو أن الإمارات قد تمكَّنت من استمالة القوة الحكومية التي كانت مسيطرة على المنفذ، والسلطنة تتحوَّط بالعمل على إخراجه من تحت إدارة هذه القوة التي أصبحت غير صديقة وتسليمه لقوةٍ من التحالف العربي من التوجُّه المضاد للإمارات كون مذكرة القبيلة بأنها ستسلم المنفذ لقوة من التحالف قد وجّهتها لـ "هادي".

ما يُمكن القطع به هو أن "المهرة" أصبحت ساحة صراع إماراتي عُماني أن الإمارات بدأت باللعب مع السلطنة عبرها، وأن ما تشهده دول الخليج من أزمة لم يعد مقتصراً على قطر، وإنما أصبحت عُمان في وسط الأزمة ولو لم تحظَ بالتغطية التي حظيت بها الأزمة مع قطر.

ما طبيعة سيطرة القبيلة الأمهرية على المنفذ؟ وما تبعات ذلك؟ وأين سيتجه الصراع العُماني الإماراتي الذي يقترب حثيثاً من السخونة؟ هذا ما ستُجيب عليه الأيام المقبلة، وتكون الأزمة الخليجية قد وضعت قطر والسلطنة على النار الإماراتية، ولم يعُد يُفرِّق بينهما غير كون النيران الإماراتية مع السلطنة لا زالت هادئةً حتى الآن.