السعودية وتركيا وإيران وبينهم قطر.. خريطة جديدة للشرق الأوسط تتشكَّل «قراءة»

السعودية وتركيا وإيران وبينهم قطر.. خريطة جديدة للشرق الأوسط تتشكَّل «قراءة»

05:00 ص

05-أغسطس-2017

المعسكرات الآن بدأت بالتشكُّل والتمايُز، وقطر في القلب منهم معنوياً، لكنها مادياً مع أحد تلك المعسكرات؛ وبالتالي فإن الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة سيكون على موعد مع مزيد من التداخلات بين تلك القوى، بما قد يُؤدّي في النهاية إلى تشكُّل أوضاع جديدة أكبر من قدرة الجميع على التخيُّل.

بعد نحو شهرين من اندلاع الأزمة القطرية، بَاتَ هناك شبه إجماعٍ على أنها لن تكون أبدًا قضيةً عابرةً في المواءمة الاستراتيجية لميزان القوى في الشرق الأوسط، وأنها باتت مُتداخلةً مع ثلاثة محاور رئيسية تتنافس على الهيمنة الإقليمية.

ومن المُرجَّح أن تُعبِّر المحاور الرئيسية الثلاثة في المنطقة، بقيادة إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، عن أهدافها ومصالحها بشكلٍ مختلفٍ؛ الأمر الذي سيُؤدِّي إلى زيادة التنافس والنزاع.

قطر، بطبيعة الحال، بَاتَ لها ارتباطٌ مباشرٌ بمحورين رئيسيين في المنطقة، السعودية التي تقود جهود مقاطعتها وعزلها بعنفوانٍ وقوةٍ، مستغلّةً ثقلها الإقليمي والعالمي الكبير، وتركيا التي اختارت أن تجعل تلك الأزمة بوابةً لدخولٍ جديدٍ إلى منطقة الخليج، لا يبدو أنه سيكون موقوتاً أو ظرفياً.

أما إيران، فكانت حاضرةً في أول المشهد وأوسطه وآخره، فكانت من ضمن أسباب الحصار على الدوحة، ثم حاولت استغلال ذلك الحصار للنفاذ إلى الفراغات التي تشكّلت فجأةً بين قطر وجيرانها الخليجيين، وها هي الآن في طريقها أيضاً لتكون جزءاً من الحل بمقاربةٍ جديدةٍ لم تتضح تفاصيلها بعد، ثم جاءت الأنباء التي تتحدّث عن اعتراف رئيس النظام السوري "بشار الأسد" بأخطاء حكمه، لكنه ألقى باللائمة على دول الخليج، لا سيما قطر؛ بسبب ما قال: إنه تدخُّلٌ غير محمودٍ في النزاع السوري أدَّى إلى تفاقمه.

يُعدُّ الهدفُ الرئيسي لكل محور من المحاور الثلاثة (السعودية وتركيا وإيران) هو احتواء الآخرين، بما في ذلك الدول التي لا تنحاز لطرف بشكلٍ أو بآخر، وإذا لم تتم إدارة الأزمة القطرية بشكلٍ رشيدٍ، فمن المحتمل أن يؤدّي ذلك إلى تعقيد المخاطر الحالية في ميزان القوى الإقليمي، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على جميع دول المنطقة.

محاور وجهات فاعلة

ويتكوّن أول هذه المحاور من إيران وسوريا، وكذلك الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل "حزب الله" في لبنان و"الحوثيين" في اليمن وقوات "الحشد الشعبي" في العراق. وإيران هي القوة الرئيسية المُتحكّمة والمُسيطرة في هذا المحور، وتدعمه روسيا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

ويتكوّن المحور الثاني من المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين واليمن (بقيادة عبد ربه منصور هادي)، بالإضافة إلى بعض الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل جيش الإسلام (الجبهة الإسلامية). والسعودية هي القوة الرئيسية في هذا المحور مع مصر؛ باعتبارها الركيزة الثانية.

وعلى عكس المجموعة السابقة، فإنّ هذا المحور مدعومٌ من الولايات المتحدة الأمريكية.

وربما يكون المحور الثالث هو الأكثر تعقيدًا والأكثر تأثرًا بالأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين دول المنطقة، ويتألّف من تركيا وقطر والعديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل جماعة "الإخوان المسلمين" و"حماس".

وعلى الرغم من كون تركيا قوةً إقليميةً كبرى، فإنّها تتناوب القيادة في محورها مع قطر نتيجةً للتكامل النسبي بين البلدين في مختلف جوانب القيادة، ويتوافق فائض تركيا العسكري البشري مع التمويل القطري وهو ما يسمح بتشكيل هيكل القيادة المتكامل الحالي.

ويتشابه هذا المحور في كثيرٍ من الأمور مع الكتلة السعودية المصرية، حيث تدعمه الولايات المتحدة نسبياً وأيضًا جزءٌ من العالم الإسلامي السُّنِّي.

تحالفات متقاطعة

وعلى الرغم من أنّ لكل محورٍ من المحاور الرئيسية الثلاثة في الشرق الأوسط مصالحه وأهدافه الخاصة، إلا أنّ هذا لم يُوقف التعاون والمشاركة عبر الكتل حول قضايا معينة.

وقد حدثتْ مؤخرًا أمثلةٌ على ذلك في المقام الأول بين المحور الأول (إيران) والثالث (تركيا)، وهو ما يُسهِّل تزايد مشاركة روسيا مع كلا الطرفين بشأن قضايا الشرق الأوسط مثل قضايا سوريا والأكراد والعلاقات الاقتصادية.

ويحتل التقاربُ الإيراني التركي، بشكلٍ خاص، مكانةً بارزةً في العديد من القضايا الجيوسياسية التي لم يتم حلها بعد في المنطقة، مثل مكافحة الإرهاب واستفتاء الاستقلال الكردي، وقد حذّرت كلٌّ من تركيا وإيران مؤخرًا من مثل هذا التصويت، والجهود الرامية لتخفيف الحرب في سوريا.

أما فيما يتعلّق بالتقارب الإيراني القطري، فقد شملت القرارات الأخيرة تعاوناً أكبر في الطاقة والعمليات العسكرية وتجارة المواد الغذائية، والأهم إدارة وتقاسم أكبر حقل للغاز في العالم.

وفي الوقت نفسه، وفي مواجهة حصار مجلس التعاون الخليجي الذي حظر الأجواء أمام الطائرات القطرية، فتحت إيران مجالها الجوي أمام قطر وقدَّمتْ لها أيضًا المواد الغذائية. وفي كلتا الحالتين، كان للتقارب الإيراني القطري تداعياته على الشبكة الأوسع للعلاقات في المنطقة.

وقد أبرز التقاطع الأخير للعلاقات بين تركيا وقطر وإيران الاختلافات والتناقضات بين أهداف هذين المحورين ومحور المملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من الدعم الأمريكي المتبادل والانتماء الإسلامي المشترك، فإنّ لكل من السعودية وتركيا رؤى وأهداف مختلفة جوهريًا تجاه قطر وإيران.

المعضلة الحقيقية

الولايات المتحدة على وعيٍ خاص بعواقب تفاقم الصراع بين شركائها الرئيسيين في المنطقة، ولا سيما السعودية وتركيا. وتتعثَّر هنا الخيارات الأمريكية في هذا الخلاف بين الحلفاء.

ومن شأن التخلِّي عن قطر في مثل هذه الأزمة أن يُلحق ضررًا بالولايات المتحدة، بفقدان ركيزة هامة في الشرق الأوسط، وإتاحة الفرصة للروس الذين يبحثون عن توسيع موطئ قدمهم في المنطقة. وتُدرك الولايات المتحدة أنّ قطر - بمساعدة روسيا وتركيا وإيران - قادرةٌ على خلق احتكارٍ للغاز، مع ما يترتّب على ذلك من عواقب على النمو الاقتصادي العالمي.

وقد يُؤدِّي تفاقم الصراع بين الحلفاء إلى تفكُّك التحالف بقيادة الولايات المتحدة في المنطقة إلى مجموعتين منفصلتين، واحدة منهم تضم (الإخوان المسلمين) مع العاصمة القطرية والقوات التركية والأخرى (الوهابية) مع العاصمة السعودية والقوات المصرية.

ومن منظور وزارة الخارجية الأمريكية، فأي تهديدٍ لأمن دول مجلس التعاون الخليجي يُشكِّل تهديدًا للمصلحة الوطنية الأمريكية.

الأمن الخليجي هو جزءٌ طويل الأمد من الأمن القومي الأمريكي منذ عهد الرئيس "جيمي كارتر"، الذي قال من قبل: "أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج ستُعتبر اعتداءً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وسيتم صد هذا الاعتداء بأي وسيلة ضرورية، بما في ذلك القوة العسكرية".

وبالنظر إلى الموقف الأمريكي، يُراقب صُنَّاع السياسة الأمريكية الأحداث في الخليج بقلقٍ، خاصةً فيما يتعلّق بالعراق.

مأزق واشنطن

ومن ثمّ، فإنّ إدارة الأزمة القطرية قد وضعت الولايات المتحدة في مأزقٍ خطيرٍ؛ لأنّ العمل لصالح أي من الجانبين يجب موازنته، مع الوضع في الاعتبار التداعيات المحتملة على 10 آلاف أمريكي في قاعدة "العديد" في قطر، أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

المعسكرات الآن بدأت بالتشكُّل والتمايز، وقطر في القلب منهم معنوياً، لكنها مادياً مع أحد تلك المعسكرات؛ وبالتالي فإن الشرق الأوسط خلال الفترة المقبلة سيكون على موعد مع مزيد من التداخلات بين تلك القوى، بما قد يُؤدِّي في النهاية إلى تشكُّل أوضاع جديدة أكبر من قدرة الجميع على التخيُّل.