«جاستا» يُؤرّق السعودية.. هل خدعها «ترامب»؟ (تحليل)

«جاستا» يُؤرّق السعودية.. هل خدعها «ترامب»؟ (تحليل)

03:07 ص

05-أغسطس-2017

هل خَدَع "ترامب" السعودية، أم أنها تعاملت باستهانةٍ مع قانون "جاستا" تدفع ثمنه الآن؟ وكيف يُمكن لها المواجهة؟.

يبدو أن قانون "جاستا" الأمريكي، أو "العدالة ضد رعاة الإرهاب" ليس سحابة صيف، لكنه بَاتَ همَّاً يُؤرِّق السعودية، التي أصبحت تأخذه على محمل الجد وتبذل السُّبل حتى لا تقع فريسةً له.

السعودية طالبت قاضيًا أمريكيًا برفض 25 دعوى قضائية تدّعي أن المملكة ساعدت في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر 2001 وتُطالبها بدفع تعويضات للضحايا.

وتُطالب عائلات نحو 2500 من القتلى وأكثر من 20 ألفًا من المصابين ومؤسسات وشركات تأمين مختلفة بالحصول على مليارات الدولارات من السعودية.

فهل يُمكن اعتبار التحرك السعودي دليلَ قلقٍ بدأ يُساورها تجاه القانون، وما يمكن أن تسفر عنه تلك الدعاوى؟ وإلى أي مدى يُعدُّ هذا بمثابة خداع مارسه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بحق السعودية؟.

المملكة تدافع عن نفسها

السعودية قالت في أوراق قُدِّمت للمحكمة الجزئية الأمريكية في "مانهاتن": إن "مُقيمي الدعاوى لا يُمكن أن يُبرهنوا على أن المملكة أو أي منظمة خيرية تابعة لها مسؤولة عن الهجمات"، وقالت أيضاً: إنها تستحق الحصانة السيادية، بحسب ما نشرته "رويترز".

المحامي "جيمس كريندلر" ممثل أسر الضحايا قال: "هذا ما توقّعناه.. لدينا كثير جدًا من الاتهامات لِمَا فعله الكثير من السعوديين ومنظمات خيرية تابعة للدولة.. السعودية لا تستطيع الاختباء من الحقائق".

وعلى الرغم من دفاعها، إلا أن السعودية أقرَّتْ في الأوراق المُقدَّمة بأن قانون "جاستا" قضَى على بعض دفاعاتها، لكنها أكَّدتْ أنه ليس باستطاعة مقيمي الدعاوى حتى الآن البرهنة على أن أي مسؤول أو موظف سعودي خطَّطَ أو نفَّذ تلك الهجمات.

كما أضافت أن هذا يشمل "عمر البيومي" الذي قيل: إنه ضابط مخابرات سعوي اجتمع مع اثنين من خاطفي الطائرات في "سان دييجو" وكان "مُكلفًا" بمساعدتهم بما في ذلك في العثور على شقة وفتح حساب مصرفي.

الحياة التي دبَّتْ في القانون بعد فترة كُمونٍ، تأتي بعد نحو أسبوعين على تطور جديد في القضية، وفق التقرير الذي نشره موقع "ميدل إيست آي"، وكشف أن أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 تسعى لمقاضاة الإمارات.

محامو الضحايا يستندون في قضاياهم إلى ما ورد في تقرير لجنة التحقيق الخاصة بالهجمات، الذي أظهر أن مواطنَيْن إماراتيين كانا ضمن المهاجمين التسعة عشر، كما تمَّت الإشارة إلى الإمارات أكثر من 70 مرة في ثنايا التحقيقات.. وقد نشرت "القصة" تحليلًا مستفيضًا عن الدور الإماراتي في القضية.

هل السعودية قلقة؟

اللافت أن التجاوب القانوني من جانب السعودية في تقديم الدفوع السابقة، يُشير إلى أن "جاستا" بَاتَ يُشكِّل مصدرَ قلقٍ بالغٍ للمملكة، ولم يَعُد كما سبق، خاصة مع التطور المتسارع في مراحل التقاضي وفق القانون.

إلا أن هذه الدفوع ليست الشاهد الوحيد على هذا القلق السعودي، بل سبقته شواهد أخرى، تكشف سعي المملكة منذ البداية لمنع صدور القانون من الأساس، ثم الضغط لمحاولة إلغائه بعد أن أصبح أمرًا واقعًا.

عضو لجنة الشؤون القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي السيناتور "جون كورنين" قال: إن "السعودية دفعت أموالًا طائلة عبر جماعات الضغط والعلاقات العامة الأمريكية؛ لتقويض ومنع صدور قانون "جاستا".

وخلال جلسة استماع في لجنة الشؤون القضائية بالمجلس، قبل أسبوع، أضاف "كورنين" أن السعودية ودولًا أخرى مستعدةٌ لدفع مبالغ هائلة؛ بهدف التأثير في القوانين والسياسات الأمريكية، على حد وصفه.

تصعيد محتمل

هذا القلق ربما يدفع المملكة إلى مزيدٍ من إجراءات المواجهة، ليس فقط على المسار القانوني القضائي من أجل الدفاع، ولكن ثمَّة إجراءات هجومية أخرى قد تلجأ إليها بالتوازي مع المسلك القانوني، أو حتى بعد إعلان فشله.

3 مجالات رئيسية تُحدِّد وجهة تصعيد السعودية للقضية:

أولها: المعاملة بمبدأ المثل وسَنّ تشريعات تسمح لضحايا الهجمات الأمريكية في العديد من البلدان مثل باكستان وأفغانستان والعراق واليمن والصومال وغيرها، إلى مقاضاة أمريكا، الأمر الذي يضع الولايات المتحدة في موقفٍ لا تُحسَد عليه.

ولعل إثباتَ الأخطاء الأمريكية في قصف مدنيين مثلًا خلال العمليات العسكرية أيسرُ بكثيرٍ من إثبات تورط السعودية في أحداث 11 سبتمبر، وليس أدلَّ على ذلك من اعترافات واشنطن في وقائع كثيرة بقصف مدنيين "عن طريق الخطأ".

ثانيها: المجال الثاني الذي يُمكن أن تتحرَّك فيه السعودية لمواجهة التصعيد في قانون "جاستا"، هو بيع الأصول وسندات الخزانة التي تمتلكها في أمريكا، والتي تُقدَّر مجتمعةً بنحو تريليون دولار، فضلًا عن استثمارات أخرى تُقدَّر بمئات المليارات.

ثالثها: أما المسلك الثالث، فيتعلّق بالصفقة التاريخية التي أبرمها ترامب مع السعودية، مايو الماضي، وتجاوزت قيمتها 400 مليار دولار بين اتفاقيات اقتصادية وعسكرية، وقد لا يبدو الرئيس الأمريكي مُرحّبًا بمثل تلك الخطوة، بعد أن وَصَفَ تلك الصفقات بالإنجاز وتحدَّث عنها بفخرٍ واعتزازٍ أمام ملايين الأمريكيين.

خدعنا ترامب!

انطلاقًا من تلك الجزئية الأخيرة، يبدو أن استمرار وجود القانون بل وتسارع وتيرة العمل به مُضيّاً في تغريم السعودية، يُعبّر عن عملية خداع مارسها "ترامب" تجاه المملكة.

عملية الخداع تلك، تستند إلى وعود قطعها على نفسه قبل إتمام الصفقة الأخيرة، بالقضاء على القانون ودفع الكونجرس إلى إلغائه.

وزير الطاقة السعودي "خالد الفالح" عَبَّرَ عن هذا التطلُّع صراحةً مارس الماضي، عبر تصريحات صحفية، أكَّد فيها أن ثمَّة "إجراءات تصحيحية سوف تُتخذ، بعد أن يتأمّل الكونجرس والإدارة الجديدة في هذا الأمر"، في إشارة إلى قانون "جاستا".

التصريحات تكشف ضمنيًا أن السعودية تلقَّت ما يُشبه التطمينات من قبل "ترامب" لإنهاء هذا الأمر، لكن ما حدث على أرض الواقع يختلف كثيرًا، ولم يَفِ بتعهداته، بل لم يُعِر القضية اهتمامًا يُذكَر حتى الآن.

التوقعات والشواهد في واشنطن تستبعد إلغاء الكونجرس للقانون بدفع من ترامب، حيث كان الأخير من أشد مؤيديه، ووصف استخدام سابقه أوباما لحق النقض (الفيتو) ضد القانون بأنه كان "أمرًا مُخجلًا".

وعلى الرغم من أن ترامب أبدَى تخلّيًا عن بعض مواقفه أثناء حملته الانتخابية بعد وصوله للرئاسة، إلا أن تغيُّر موقفه من "جاستا" سوف يُعرّضه لانتقاداتٍ واسعةٍ هو في غِنى عنها الآن، خاصةً في ولايته "نيويورك"، حيث يحظى القانون بالكثير من المؤيدين.