«الحكيم» و«الصدر» يتمردان ضد «ولاية الفقيه».. هل تجني إيران ثمار سياستها في العراق؟

«الحكيم» و«الصدر» يتمردان ضد «ولاية الفقيه».. هل تجني إيران ثمار سياستها في العراق؟

03:00 ص

06-أغسطس-2017

يبدو أن التمرُّد الشيعي ضد نظام "ولاية الفقيه" الإيراني في العراق، خرَج عن سيطرة طهران، بجدّيةٍ ربما تحمل في طيّاتها بذور انحسارٍ شديدٍ لنفوذ الدولة الفارسية ببلاد الرافدين.

تمرُّدٌ شيعي عراقي على نظام "ولاية الفقيه"، خرَج إلى العلن في تحركاتٍ ربما تنسف جهودًا بذلتها طهران على مدار عقود من أجل السيطرة على العراق من باب المذهبية.

إعلان "عمار الحكيم" تأسيس تيار سياسي جديد بديلًا عن المجلس الأعلى الإسلامي الذي أسسته إيران، وزيارة "مقتدى الصدر" للسعودية.. تحرُّكان أربَكَا خلال الأسبوع الماضي المشهد العراقي.

الشَّبّ عن الطَّوْق الإيراني، دفعت إليه خلافات حادة حول مستقبل الحكم في العراق، مع قُرب الانتخابات التشريعية ربيع 2018، بين ضغوطٍ لأتباع نظام "ولاية الفقيه"، ومحاولات لتأسيس نظام شيعي وطني لا يَدين بالولاء التام لإيران.

فهل يُمكن أن تُمثّل تداعيات الخطوتين تهديدًا حقيقيًا لنفوذ إيران في العراق بعد سنوات من السيطرة سياسيًا وعسكريًا؟.

الحكيم والصدر يتمردان

إعلان "الحكيم" عن تأسيس "تيار الحكمة الوطني"، جاء بعد أسابيع من خلافاتٍ واسعةٍ داخل أروقة المجلس الأعلى بين تيارين رئيسيين يُمثِّل الأول "الحكيم" ويضم قيادات شابة، والثاني تقوده قيادات مُؤسِّسة للمجلس.

تقارير إعلامية أفادت بأن الانقسامات الشيعية باتت واضحةً بين جهاتٍ تدين بالولاء التام لإيران، وأخرى لديها تصور آخر لطريقة الحكم في العراق مستقبلًا بعيدًا عن التدخل التام لطهران وبشكلٍ يختلف عن نظام "ولاية الفقيه".

هذا التطوُّر يأتي في خضم الأحداث التي أعقبت معركة "الموصل" والتصعيد العسكري ضد "تنظيم الدولة" في بقية أنحاء البلاد، والجدل حول "الحشد الشعبي"، وضمن خلافات متصاعدة بين مختلف مكوّنات المشهد السياسي العراقي، وأيضاً خلافات داخل التحالف الشيعي الذي حَكَم البلاد على مدى عقدٍ من الزمن.

ولعل خروج "الحكيم" من المجلس الأعلى، يُشكِّل لطهران خسارةً فادحةً لحليفٍ قوي في العراق، بعد فشل الضغوط الإيرانية في تحقيق التهدئة داخل المجلس الذي تأسَّس برعاية طهران قبل نحو 35 عامًا.

وعلى مقربةٍ جغرافيةٍ وسياسيةٍ وزمنيةٍ، توجَّه رجل الدين الشيعي العراقي البارز "مقتدى الصدر" إلى السعودية في زيارةٍ نادرةٍ، بناءً على دعوةٍ رسميةٍ من الرياض، في طعنةٍ ربما تَعتبر إيرانُ أن رجلها المُتمرِّد سدَّدها في ظهرها، وزار الخصم الأبرز لطهران سياسيًا وعسكريًا ودينيًا.

الرجل الذي يتزعم التيار الصدري الشاغل لـ 34 مقعداً في البرلمان فضلاً عن فصيلٍ مسلحٍ يحمل اسم "سرايا السلام" أحد مكونات ميليشيا "الحشد الشعبي" الشيعية، التقى ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" في جدة.

مصادر كشفت أن الاتجاه العام لـ "الصدر" يتمحور حول السعي لإزالة الفكرة المأخوذة عن العراق بأنه بلد يدور في فلك إيران، مضيفةً أن "الصدر يُخالف التوجه الإيراني في العديد من قضايا المنطقة ولا سيما الوضع في سوريا".

كذلك يرفض سعي إيران لتقوية شوكة "الحشد الشعبي" على حساب القوات التابعة للحكومة، وطالب مرارًا بحل الحشد ودمجه بالقوات الرسمية عند انتهاء الحرب ضد "داعش".

إيران تبتلع العراق.. لماذا؟

اللافت أن تلك التحركات السياسية، سبقها بنحو أسبوعين تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قال: إن إيران هَيمنتْ على العراق بعد أن غادرته القوات الأمريكية، وأوضحت بالتفصيل في تقريرٍ طويلٍ أن هذه الهيمنة تتجسَّد في كل شيء، ابتداءً من البضائع الاستهلاكية على أرفف المتاجر وشركات الأعمال وتكوين الميليشيات الموالية لها، وحتى تعيين رئيس الحكومة ووزرائها.

التقرير أضاف أن إيران كانت ترى في العراق ومن اليوم الأول للغزو الأمريكي في عام 2003 فرصةً لأن يُصبح دولةً تابعةً لها وجسرًا مُهمّاً لنشر نفوذها على المنطقة.

سياسيًا، نجحت إيران في توثيق روابطها مع الحكومات العراقية المتوالية منذ الغزو، وتمكَّنت من ذلك تمامًا عن طريق أذرعها السياسية التي تلاعبت بالعملية السياسية برمتها، ونجحت في الهيمنة على مراكز صنع القرار في بغداد مبكرًا.

اقتصاديًا، تُعدُّ إيران المُسيطر الأول على الاقتصاد في العراق، وأحد أكبر الشركاء التجاريين للحكومة، حيث بلغت إجمالي تقديرات حجم التجارة بين البلدين نحو 12 مليار دولار في العامين 2013 و2014.

واعتمدت طهران على العراق كسوقٍ رئيسي لمنتجاتها المختلفة في مختلف القطاعات الاقتصادية والصناعية وقطاعات الاستثمار والسياحة الدينية والقطاعات التجارية.

عسكريًا، تُشير تقارير غربية إلى دور "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني في إدارة المشهد العسكري في العراق، حيث دعّمت طهران في البداية "فيلق بدر" التابع للمجلس الأعلى الإسلامي، ثم وسَّعت من دعمها ليشمل "جيش المهدي" التابع لـ "مقتدى الصدر"، ولتظهر كتائب فرعية جديدة كـ "عصائب أهل الحق" و"حزب الله" العراقي.

وعقب الانسحاب الأمريكي من العراق في العام 2011 اختفت بعض هذه الميليشيات لكنها ظهرت فجأة بعد سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة "الموصل"، حتى ظهرت مرة أخرى مُتحدةً تحت لواء "الحشد الشعبي" الذي تُقدَّر أعداده بـ 100 ألف مُتطوّع مدعومين إيرانيًا، لديهم القوة والإمكانيات التي مكّنتهم من الصمود أمام "داعش" أكثر من الجيش العراقي المسلح أمريكيًا.

وعلى صعيد أجهزة الأمن والاستخبارات تحدَّث البعض عن وجود 7 وكالات في وزارة الداخلية تتبع أحزابًا تدين بالولاء لإيران، كما تدين قطاعات من الجيش العراقي لرجال إيران في الحكومة العراقية.

وتبدو بعض الأهداف الاستراتيجية لإيران في العراق أبرزها الاستحواذ على الفاعلين السياسيين لضمان ولاء حكومة بغداد لاستخدامها في المقايضات الإقليمية، كما تستهدف إيران السيطرة على العراق بالصورة التي لا تسمح بقيام عراقٍ مُهدِّدٍ لإيران مجددًا كما كان في السابق، وتذليله كسوقٍ خلفيةٍ لإيران وانطلاقها الاقتصادي بعد الاتفاق النووي.

كما تسعى إيران إلى السيطرة على المشهد العسكري بالكامل عن طريق الميليشيات المختلفة المتدربة والمُموَّلة من "فيلق القدس"؛ لتمنع قيام أي قوة عسكرية أخرى خارج نطاق نفوذ إيران.

ثمَّة هدف آخر وهو السيطرة الدينية على شيعة العالم بمحاولة تحجيم دور مرجعيات "النجف" العربية في العراق؛ كي تبقى مرجعية "قم" الفارسية في إيران هي المرجعية الأولى والمسيطرة على المشهد الشيعي العالمي.

تاريخ من الأطماع

ولعل الأطماع الإيرانية في العراق ليست وليدة العصر الحديث، ولكن لها جذور تاريخية واضحة، كشفها الدكتور "عبد الستار الراوي" - أستاذ للفلسفة في جامعة بغداد وسفير العراق لدى إيران قبيل الغزو الأمريكي - وذلك في تقديمه لكتاب "النفوذ الاستراتيجي الإيراني في العراق".

تلك الطموحات أو الأطماع الإيرانية في بغداد تعود إلى العصر البابلي، وهو ما يظهر في الحروب التي نشبت بين بلاد فارس والبابليين الفرس للمرة الأولى، واحتلت على إثرها مدينة "بابل" عام 539 قبل الميلاد في عهد الإمبراطور الفارسي "كورش".

حتى أن الأمر استمر بعد دخول الإسلام إلى الحضارتين، حيث ظلَّت هذه الدولة الفارسية القديمة تعتقد أن بلاد الرافدين امتداد استراتيجي طبيعي لها، وهو ما دفع الصفويين إلى اتخاذ مذاهب التشيع، وكذلك تكريسه في العراق بحكم الجغرافيا التي تفصل بين الجانبين بقرابة 1300 كيلو متر فقط، حتى أن الجنوب العراقي تشبَّع بالثقافة الإيرانية ومنطلقاتها.

وقد ظلَّ هذا الصراع التاريخي محمومًا لفترة طويلة بين الطرفين وتخلّلته حروب ومعاهدات وانقطاع وتواصل في العصر الحديث، ولكنه بلغ ذروته مع وصول الثورة الإسلامية الإيرانية إلى الحكم في طهران عام 1979، إذ اندلعت عقبها بعامٍ واحدٍ حرب الخليج الأولى بين البلدين مباشرة.

الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، كان الفرصة الكبرى للتخلُّص من أحد ألد أعداء طهران "صدام حسين"، وقد فتحت المجال بعد ذلك بشكلٍ كبيرٍ لزراعة النفوذ الإيراني في حواضر العراق.

السفير الأمريكي الأسبق لدى كل من العراق وأفغانستان والأمم المتحدة "زلماي خليل زاد"، كشف في مذكراته أن الولايات المتحدة نسَّقتْ مع إيران قبل غزوها للعراق وسقوط بغداد في التاسع من أبريل عام 2003.

وهو الذي أكّد أيضًا أن وزير خارجية إيران الحالي "محمد جواد ظريف" لعب دورًا محوريًا في محادثات أمريكية إيرانية سرية جرَتْ في "جنيف" عندما كان "ظريف" حينها مبعوثًا لإيران لدى الأمم المتحدة.

انطلقت إيران بعد ذلك شيئًا فشيئاً لتُمكّن رجالها وتدعمهم في جميع مفاصل الدولة بإظهار المُكوّن الشيعي على باقي مكونات الشعب العراقي سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

محاور مخطط طهران

ويبدو الهدف أو الغاية الأكبر لدى إيران من العراق، هي السيطرة من باب المذهبية، وهذا أحد أبرز أسباب الخلاف مع قيادات شيعية نافذة مثل "الحكيم" و"الصدر"، حيث تسعى طهران لتثبيت نظام "ولاية الفقيه"، بينما يرى هؤلاء ضرورة التشيُّع الوطني العراقي دون الولاء التام لإيران.

تقارير إعلامية، كشفت أن الموالين لإيران داخل المرجعية الشيعية في "النجف" يتحرّكون وفقًا لاستراتيجية سياسية تشمل أكثر من مرحلة، الأولى منها تهدف إلى تمكين البعض من قادة الفصائل المسلحة من السيطرة على الخارطة السياسية والانتخابية الشيعية المقبلة كمقدمة للسيطرة على الحكم في العراق.

بعدها تأتي المرحلة الثانية والتي ستتم بالتعاون مع المرشد الأعلى الإيراني "علي خامنئي"؛ للإطاحة بالمرجع الشيعي الأعلى في العراق "على السيستاني" وبقية مراجع الدين واستبدالهم بشخصيات موالية لنظرية "ولاية الفقيه".

أما المرحلة الثالثة تستهدف الانتقال بالنظام السياسي في العراق إلى حكم "ولاية الفقيه"، الذي يفتح الطريق لبلوغ المرحلة الرابعة من هذه الاستراتيجية وهي تثبيت طريق (إيران - العراق - سوريا - جنوب لبنان)، بحسب التقارير.