اجتماع وزراء الإعلام في جدة.. حلقة ضعيفة في مسلسل التصعيد الخليجي (تحليل)

اجتماع وزراء الإعلام في جدة.. حلقة ضعيفة في مسلسل التصعيد الخليجي (تحليل)

08:30 ص

05-أغسطس-2017

عقد وزراءُ إعلام دول المقاطعة مؤخراً اجتماعاً بشأن آليات التعامل مع التصعيد القطري بالأزمة الخليجية، ولكنه - كما سبقه من اجتماعات - لم يُسفر عن أي تقدُّمٍ ملموسٍ، وطرَح العديد من التساؤلات حول مستقبل الموقف القطري وخياراتها لمواجهة الإجراءات المفروضة عليها، فإلى ماذا أشار الاجتماع؟ وكيف ستتعامل الدوحة مع الأزمة؟.

ما زالت دول المقاطعة بالأزمة الخليجية القطرية (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) تعقد الاجتماعات الواحد تلو الآخر، في محاولة منها لإجبار الدوحة على التراجع والخضوع لمطالبها الثلاثة عشر، إلا أن الأمر لم يُسفر حتى الآن عن أي جدوى وراء تلك الاجتماعات، فما زالت الدوحة في طريقها إلى التصعيد عبر عدد من الفعاليات التي تراوحت ما بين إجراء المناورات العسكرية مع حلفائها بالمنطقة والتصعيد ضد الدول الأربع في المنظمات الدولية.

الأوروبية لإجراءات التضيق الاقتصادي عليه، هذا ويُمكنها أيضًا الاعتماد على المؤسسات السياسية الأمريكية في حسم الموقف الأمريكي لصالحها، فإذا كان "ترامب" يَمِيل إلى كفّة دول المقاطعة فهناك دور المؤسسات وعلى رأسها الكونجرس والخارجية التي طالما أكّد من خلالها "تيلرسون" على ضرورة تخفيف التضييق الاقتصادي على الدوحة، والبنتاجون التي شدَّدت على أهمية القاعدة العسكرية الأمريكية بها "العديد"، والتي لا يمكن لها الاستغناء عنها بالمنطقة.

اجتماع جدة: حينما لا يكون بالأمر حيلة!

في مثل هذا السياق جاء اجتماع وزراء الإعلام لدول المقاطعة في "جدة" يوم الخميس الماضي؛ ليخرج كما كان متوقعاً له دون أي نتائج ملموسة؛ وليشير إلى العديد من الدلالات، ويطرح المزيد من التساؤلات حول الخيارات المتبقية للدول الأربع بالأزمة والرد القطري عليها، فهل ستُقدِم دول المقاطعة على أي خطوات تصعيدية؟ وماذا عن الخيارات التي يُمكن أن تلجأ الدوحة إليها في هذا الإطار؟.

"جاء الاجتماع في إطار التشاور المستمر حول الأزمة، إذ تناول التنسيق الإعلامي المشترك لمواجهة التطرف والإرهاب من خلال الوسائل الإعلامية المختلفة، كما تطرَّق إلى آليات التصدِّي للحملات الإعلامية لوسائل الإعلام القطرية".

بهذه الكلمات خرجت الأنباء تتوالى تباعًا عن أبرز أهداف الاجتماع كما وضّحتها دول المقاطعة، أما ما يخص النتائج وما أسفر عنه فقد كان أبرزها تأكيد وزراء الإعلام المشاركين به على رفضهم القاطع للدعاوى الموجهة إلى تسييس الحج بهدف خدمة "أهداف سياسية مغرضة"، كما تمَّت مناقشة مجموعة من المقترحات حول تعزيز العمل المشترك في مكافحة التطرف والإرهاب، والعمل على محاربة خطاب الكراهية "المدعوم من قطر".

وقراءة تحليلية إلى تلك النتائج، يُلاحَظ أنها تُشير إلى ما وصلت إليه الدول الأربع وما يُمكن تسميته باستنفاذ خياراتها بالأزمة على الأقل على المدى  القريب، فبالنظر إلى أبرز تطورات الأزمة يوميًا نجدها خاليةً من أي تحركات ذات فعالية ملموسة باستثناء الخطابات والتنديدات اليومية من جانب المقاطعة بالموقف القطري أو كما يُسمُّونه "التعنت القطري"، فلا يكاد يمُرّ يوم حتى تخرج تلك الدول  خاصة الإمارات لتُؤكِّد على اتجاه الدوحة للتصعيد وأنهم في مقابل ذلك لن يتنازلوا سوى عن إخضاعها لمطالبهم وشروطهم، وإلا فإن الأزمة ستطول وسيكون الجانب القطري هو الخاسر الأكبر!.

وبينما تُشدِّد تلك الدول من خطاباتها إلا أنها لم تستطع حتى الآن إخضاع الدوحة لشروطهم، حيث يُقابَل هذا التنديد بمزيد من التصعيد القطري سواء بعقد المناورات العسكرية المشتركة مع أنقرة حليفتها بالأزمة، أو عقد صفقات التسلُّح مع إيطاليا، إذ أعلنت قبل يومين تقريبًا عن شرائها سبع قطع بحرية من إيطاليا بقيمة خمسة مليارات دولار، كما تستمر أيضًا في التصعيد ضد الدول الأربع في المنظمات الدولية كما هو الحال مع القاهرة حين تقدَّمت ضدها بشكوى رسميًا أمام "مجلس الأمن"، اتهمتها فيها بـ "استغلال عضويتها داخل المجلس لتحقيق أغراض سياسية خاصة وأنها تقوم بتوجيه اتهامات ومزاعم لا أساس لها من الصحة ضد الحكومة القطرية"، وما سبق هذه الإجراءات من  تقدُّمها بشكوى ضد دول المقاطعة في "منظمة التجارة العالمية" على خلفية الإجراءات التجارية المفروضة عليها.

والجدير بالذكر هنا أن اجتماع جدة هذا كان الاجتماع الرابع لدول المقاطعة الذي يخرج دون تحقيق تقدُّم حقيقي يصُبُّ لصالحها بالأزمة منذ انطلاقها في الخامس من يونيو الماضي، وذلك بعدما فشلت اجتماعات القاهرة وجدة والمنامة، في تقديم حلول عملية للخروج منها، حيث جاءت نتائج هذه الاجتماعات مُخيّبة للآمال ولم تستطع تحقيق الأهداف المرجوة منها في القضاء على النفوذ القطري والذي استطاع الصمود في مواجهة الحصار ضدها.

فقد استطاعت الدوحة تعزيز تحالفاتها الدولية مع أنقرة كما ظهر جلياً عبر الدعم السياسي والعسكري الذي قدّمته تركيا لها وإرسالها قواتها إلى قاعدتها العسكرية بها، كما استطاعت الصمود في  مواجهة إجراءات التضييق التجاري المفروض عليها وحصلت على الكثير من الدعم من جانب العديد من الدول التي سارعت إلى إمدادها بالمواد الغذائية، وفي المقابل مُنِيتْ دول المقاطعة بالعديد من الخسائر والتي كان أبرزها فقدانها لدعم المجتمع الدولي لها في تلك الخطوة، حيث سارع إلى رفض إجراءاتها التجارية ضد الدوحة، وحتى الحليف الأمريكي لم يعد من الممكن لها الاعتماد عليه بعدما أكّد على ضرورة حل الأزمة خليجياً؛ لتتوالى بذلك الضربات السياسية لها وتدخل الأزمة مرحلة من الجمود النسبي.

وإن كان الأمر كذلك فهو لا يخلو أيضاً من عدد من الخسائر المتوقعة لجانب دول المقاطعة حتى بعد انتهاء الأزمة، أبرزها تداعياتها السلبية على "مجلس التعاون الخليجي"، فلم يعد المجلس كما كان بعد التوجه نحو مقاطعة دولة أخرى مجاور عضو في التحالف الخليجي، لا سيما وأن هذه الدول لم تلجأ إلى مثل هذه التدابير من قبل حتى في أزمتها السابقة مع الدوحة عام 2014، وما زاد الأمر سوءًا أن تلك الدول أقدمت على هذه الخطوات التصعيدية بدون الدعوة إلى اجتماع للمجلس لمناقشة الأزمة وظلَّت الأمانة العامة له صامتةً.

 وفيما خسرت الدوحة هي الأخرى عدداً من الخسائر الاقتصادية، إلا أنها قد أدركت أن عليها تغيير استراتيجيتها وأن تتخذ العديد من السياسات التي تتجنَّب بها الوقوع في هذا المأزق مرة أخرى.

ويبقى التساؤل الأخير هنا، أنه إذا كان المزيد من التضييق الاقتصادي والإعلامي والملاحقة الدولية أبرز الإجراءات التي يُمكن لدول المقاطعة أن تتخذها في مواجهة التعنُّت القطري، فماذا عن الدوحة؟ هل ستستطيع الصمود في مواجهة دول المقاطعة؟.

الخيارات القطرية

يُمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن الدوحة بالرغم من الضرر الاقتصادي الذي أصابها جراء الصراع إلا أنها ما زالت تمتلك عدداً من الأوراق التي يُمكنها الاستناد إليها في مواجهة دول المقاطعة، يُمكن توضيحها كالتالي:

اقتصاديًا: يُمكنها الاعتماد على احتياطي كبير من الغاز الطبيعي والنفط على مستوى العالم، فهي ثالث أكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي بالعالم، وتبلغ احتياطياتها منه نحو 14% من احتياطي الغاز الطبيعي المكتشف في العالم، وفي هذا الإطار يُمكنها الاعتماد عليه كأداة ضغط في مواجهة دول المقاطعة خاصة الإمارات حيث تُزوّدها الدوحة بنحو 30% من احتياجاتها من الغاز.

كما أنها احتلت المركز الأول على مستوى العالم في إنتاج الغاز المُسَال، حيث تمتلك نحو 30% من الاحتياطي العالمي، وأيضًا تمتلك نحو 24 مليار برميل من النفط الخام، يكفيها لعشرات السنين، فيما يُمكنها أيضاً الاعتماد على بنوكها وأصولها المالية، حيث تمتلك سيولةً ماليةً تتجاوز 370 مليار دولار، ولديها جهاز للاستثمار مُصنَّف التاسع عالمياً تبلغ أصوله نحو 304 مليار دولار.

أما سياسيًا: فيُمكنها تطوير علاقاتها مع إيران، تلك الدولة التي تُشكِّل الهاجس أو الخطر الحقيقي على دول الخليج كما صرَّحَت وما زالت تُصرِّح، فدائماً ما ندَّدتْ تلك الدول بالممارسات الإيرانية وتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون، وما خَلَتْ مناسبةٌ دوليةٌ إلا وخرجت لتؤكّد على ضرورة تصدِّي المجتمع الدولي للسياسات الإيرانية بالمنطقة.

وفي هذا الصدد يُمكن الإشارة إلى أن الدوحة بدأت بالفعل تلعب على هذا الوتر، حيث تتوالى الأنباء عن توثيق الدولتين العلاقات بينهما حتى على مستوى الخطاب الإعلامي من خلال توثيق التعاون بين "الجزيرة" القطرية ووكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، هذا فضلاً عن توسيع التعاون السياسي والاقتصادي معها.

كما يُمكنها في هذا السياق الاستفادة من الدعم الدولي لها، ومعارضة المجتمع الدولي خاصة الدول