«أفيخاي أدرعي».. هل يكون الـlike  والـ follow أبواباً بديلة للتطبيع؟ (تحليل)

«أفيخاي أدرعي».. هل يكون الـlike والـ follow أبواباً بديلة للتطبيع؟ (تحليل)

04:09 ص

06-أغسطس-2017

السؤال الذي يبدو مُلحّاً عند الحديث عن "ظاهرة أفيخاي" هو: هل يبدو "أفيخاي" مجرد ظاهرة سرعان ما تضمحلّ أم أنها وُجدت لتبقى ولتتمدَّد في فراغ الوعي العربي؟ وكيف استطاع ضابط "إسرائيلي" الوصولَ لهذا المستوى من النفاذ داخل العمق العربي؟ وهل نفَذَ أصلاً أم أنه نفاذٌ قشري لا تأثير له؟ وماذا عن تأثيره في العالم الافتراضي وصناعته حالة جدلية حول كثير من القضايا؟.

نَعَتَه البعضُ بأنه مُثيرٌ للجدل، ورآه آخرون مادةً للسخرية، بينما قال كثيرون: إنه دليلٌ على ما وصلت إليه الحالة "الإسرائيلية" من قدرة على النفاذ للعمق العربي عبر أبواب بديلة قد لا يراها كثيرون ولا يعتقدون في جدواها.. في حين يُدرك "الإسرائيليون" نفاذَ تأثيرها.

"أفيخاي أدرعي".. Avichay Adraee... المُتحدِّث باسم جيش الاحتلال "الإسرائيلي".. شخصية مثيرة من حيث قدراتها المختلفة، فهو مُتقنٌ للغة العربية، له دراية واسعة بأحداث تاريخية عربية، يَعرف كيف يستشهد على مواقف معينة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.. بغض النظر عن صدقية موقفه من عدمها..

لكن السؤال الذي يبدو مُلحّاً عند الحديث عن "ظاهرة أفيخاي" هو: هل يبدو "أفيخاي" مجرد ظاهرة سرعان ما تضمحلّ أم أنها وُجدت لتبقى ولتتمدَّد عبر صور وأشكال أخرى في فراغ الوعي العربي؟ وكيف استطاع ضابط "إسرائيلي" الوصول لهذا المستوى من النفاذ داخل العُمق العربي؟ وهل نَفَذَ أصلاً أم أنه نفاذ قشري لا تأثير له؟ وماذا عن تأثيره في العالم الافتراضي وصناعته حالةً جدليةً حول كثير من القضايا؟.

أرقام السوشيال

فعلى موقع الـ "فيس بوك" تحظَى الصفحة الرسمية لـ "أفيخاي" بأرقام تُقارِب منافسة بعض نجوم هذا الفضاء الأزرق، حيث حصلت الصفحة "إلى الآن" على إعجاب 1194621 شخصاً، ويتابعه 1181940 شخصاً، وهي أرقام بحسب مواقع إخبارية تُجاوز بكثير أرقام صفحات ساسة "إسرائيليين" كبار..

لغة الأرقام هنا عاكسة لمجموعة من الدلالات، أهمها:

1. ما يتم التأكيد عليه مراراً من أهمية مواقع التواصل وكونها أصبحت ساحةً من ساحات التأثير الاجتماعي والثقافي بالغة الأهمية، وهو ما انعكس واقعاً في كثير من الأحداث لعل أبرزها ثورات "الربيع العربي".

2. أن "أفيخاي" استطاع بصورةٍ كبيرةٍ النفاذَ إلى عُمق الحالة الجدلية العربية، بغض النظر عن كونه مؤثراً أو غير مؤثر، صانعاً للجدل أو مادةً له، المهم أنه أضحى "شريكاً" فاعلاً في تلك الحالة، وهو ما يُرسِّخ مع مرور الوقت لبدهية وجوده ومَن يمثله!!.

3. استقطاب "أفيخاي" لهكذا أعداد يُؤكّد نجاحه في تحويل الرفض الشعبي له إلى قبولٍ على مستوى الوجود والنقاش، وهو ما سيستتبعه بالضرورة خطوات أخرى..

سلاح المشتركات

قدرات "أفيخاي" أكبر من قدرات كثير من "المُدوّنيين" العرب في الوصول إلى مشتركات جامعة يستطيع - سَمِّهِ ذكاءً أو سَمِّهِ خُبثاً - أن يصل من خلالها إلى الإقرار بحقوقه بعيداً عن صراع البدهيات.. ويفتح أبواباً لـ "التطبيع" فشل أسلافه في الاقتراب منها..

فتَحتَ هاشتاج "جسور ثقافية مع إسرائيل" يكتب ويُشارك "أفيخاي" كثيراً، محاولاً إيجاد طريق للولوج إلى نفسيات الشعوب التي لا تفتحها إلا هذه الطريقة..

فمثلاً يُشارك "أفيخاي" تقريراً لقناة "الحرة" عن ذكريات اليهود "الإسرائيليين" مع مصر، ويكتب عليه "أفيخاي" قائلاً: "تحظى اللهجةُ المصريةُ بشعبيةٍ كبيرةٍ لدى الجمهور الإسرائيلي.. باللهجة المصرية... جسور ثقافية مع #إسرائيل"..

الفيديو يحظى على صفحة "أفيخاي" بـ (64 ألف مشاهدة، 1367 إعجاباً، و137 مشاركةً، و584 تعليقاً".

وبغض النظر عن فئات المتفاعلين وتوجّهاتهم واللجان الإلكترونية الداعمة له، وطبيعة التعليقات ونسبة الهجوم فيها، فإن الحديث هنا عن حالة الزخم نفسها وقدرته على إثارة مثل هذه الأمور التي تَصُبّ في خانة "التطبيع الناعم".

ويمتد لعب "أفيخاي" على وتر المشتركات إلى الحد الذي يُحاول فيه ترسيخ احترامه للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأحاديثه، آملاً أن ينال من متابعيه مع الوقت الاحترام ذاته لمعتقداته.. وهو ما يصبو إليه كل طالب لمجرد الاعتراف من خصومه!.

فينشر عبر حسابه على تويتر تغريدةً يقول فيها: كيف تُحبون قهوتكم صباح الجمعة؟.. ثم يتبعها بفيديو لبعض جنود "جيش الاحتلال الإسرائيلي" وهم يحتسون القهوة، ثم يكتب حديثاً للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن "التلبينة" ويُورده بنصِّه الصحيح وبرواية السيدة "عائشة" مُعقّباً على اسمها بعبارة: "رضي الله عنها".. ويسأل بعدها في تودُّد عن طبيعة القهوة التي يُحبّها متابعوه صباح الجمعة..

الغريب في هذه المشاركة تحديداً ليس في أسلوب "أفيخاي" نفسه، وإنما في طبيعة الاشتباك الذي حدَثَ على البوست بين السُّنَّة والشّيعة، حيث لعَن بعض "الشيعة" السيدة "عائشة"، فاشتبك معهم السُّنَّة، وكلهم من متابعي "أفيخاي"، في حين قال البعض: احذروا فإنها فتنة صنعها "أفيخاي"!!.

التهاني والتبريكات

"عرّاب الحملة التجميلية لإسرائيل، الضابط الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، الذي لا يعمل مفوضاً لحقوق الإنسان في إسرائيل ولا هو منسق حوار الأديان في القدس ولا هو رئيس الكتلة العربية في البرلمان الإسرائيلي بسبب أصوله العربية، بل هو الناطق باسم الجيش الإسرائيلي. أرأيتم إلى أي درجة بلغ التفاؤل الإسرائيلي بتعطّل بوصلة الموقف العربي؟! لم تجد إسرائيل، إمعاناً في السخرية من حالنا اليوم، أفضل من أن تنتدب الناطق باسم الجيش الإسرائيلي السفاح ليقوم بدور المفوّض لبناء الصداقة العربية الإسرائيلية!‎‏".

هكذا علَّق "زياد الدريس" - المُحلّل بصحيفة "الحياة" اللندنية - على ما أسماه "النشاط الدعائي الزائد لعدوانية إسرائيل" الذي قال إنه: "يستغلّ الفرصة كل يوم جمعة من أجل تهنئة المسلمين مع استخدامه لخطاب إسلامي واضح ويُغدق على متابعين عبارات قرآنية في كل فرصة ممكنة...".

فلم يترك "أفيخاي" مناسبةً من المناسبات الإسلامية تحديداً إلا ويُرسل فيها أحرَّ التهاني وأجمل التبريكات لجموع المسلمين والعرب.

محاولة تحليل مضمون تلك التبريكات يكشف عن قدرة فائقة في تمرير رسائل سياسية وثقافية كثيرة داخلها، لم يكن يُمكن مطلقاً تمريرها "شعبوياً" دون هذا التكتيك الذي اتبعه "أفيخاي".

ففي رسالة مصورة، يُهنّئ "أفيخاي" الأمة الإسلامية بعيد الأضحى المبارك، ليُؤكِّد على أن "عيد البهجة والسرور يهلّ علينا وسط بحرٍ من دماء الضحايا.. ضحايا الإرهاب الأسود الذي يرفع شعار الإسلام.. وفي الحقيقة الإسلام منه براء!!!!!!!".

ثم تأتي الرسالة الأبرز.. رسالة الشراكة أمام عدو واحد.. حين يقول "أفيخاي": نَعِي همجية هذا الإرهاب.. لأننا كإسرائيليين كنا أول ضحاياه..

هكذا وبهذه السرعة ينقل "أفيخاي" متابعيه لتطبيعٍ من نوعٍ خاص.. تطبيع عاطفي فرضته الظروف.. تطبيع الواقفين معاً في خندق واحد أثناء حرب، عدوهما فيها واحد.. وبالتالي فإن الظروف تُحتّم عليهم أن يتعاونوا..

هكذا يتم التمرير.. وهكذا يُساند "أفيخاي" أنظمةً بعينها، تقتات وتتعايش على هذا الإرهاب لتُبرِّر سياساتها، فتضطر شعوبها الوقوف معها في الخندق ذاته وهي تعلم أنهم مستبدون وفاسدون!!.

ويستمر "أفيخاي" في رسائله حين ردَّ على مَن يتعجبون من تلك التهاني قائلاً: "بكل الصدق أقول، التهاني والتبريكات التي أوجهها إلى المتابعين، كلها نابعة من القلب، ومن إرادة صادقة في بناء الجسور، وإظهار القاسم المشترك بي".

نميمة "أفيخاي"

وهذا وَجهٌ آخر من أوجه الاستفادات غير المباشرة التي يُحقّقها "أفيخاي" حين "يُوقِع" بين الشعوب وبين الأنظمة، في محاولة منه للتأكيد على تفرُّد "دولته" في نمط حكمها.

فحين تستفحل الأمور قليلاً وتُغلَق أبواب الحوار يلعب "أفيخاي" على هذا الوتر مُحقّقاً أكبر مكاسبه، وهي إظهار مدى رسوخ منظومة القيم التي قامت عليها "دولة إسرائيل".. من وجهة نظره..

فمثلاً وفي أحد حواراته وبعد أن رأى "أفيخاي" أن الأمر يستدعي ضرباً في قدرة الشعوب على الثقة في نفسها، تحدَّث عن فكرة التغلغل "الإسرائيلي" داخل دواليب الحكم العربية، وقدرة دولته من خلال هذا التغلغل على فعل أشياء ليست في حسبان الشارع العربي مطلقاً، وإنما التأخير من أجل كسب ثقة هذا الشارع!!.

وقال: إن بلاده لا تُريد أن تكشف أسماء الدول التي تتعاون معها، وأمعن في "النميمة" قائلاً: بيننا وبين بعض الدول المعتدلة علاقات جزء منها مكشوف وجزء منها سرّي، ويَصُبّ في مصلحة الجميع.

من هو "أفيخاي"

بَقِي أن نتعرَّف على "أفيخاي" ذي الأصول السورية، فهو من يهود "الدرعية" مواليد 19 يوليو 1982، تم تجنيده في الجيش "الإسرائيلي" عام 2001، وكانت بدايات شهرته حين ظهر على قناة "الجزيرة" أثناء تغطيتها للحرب "الإسرائيلية" على لبنان في العام 2006، بوصفه متحدثاً باسم الجيش "الإسرائيلي" منذ عام 2005.

زار "أفيخاي" مصرَ ضمن وفد طلابي لمدة عشرة أيام؛ بوصفه متفوقاً في دراسة اللغة العربية.. وحسب تصريحه زار وقتها قبر الرئيس الراحل "محمد أنور السادات".

تُظهر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه حريص على متابعة بعض الشخصيات مثل "خالد مشعل" و"عزت الرشق" والرئيس المصري الأسبق د. "محمد مرسي".

وفقاً لموقع "غلوبس" "الإسرائيلي" فإن خطةً تم وضعها لإيجاد قناة تواصل مع شباب العالم العربي وتولَّى "أفيخاي" إدارة هذا المشروع الذي رصد له مبلغ 6 ملايين دولار؛ من أجل تعزيز وجود "إسرائيل" الإلكتروني في العالم العربي.

نجاح "أفيخاي" تم قياسه بمعطياتٍ كثيرةٍ، منها الفارق بينه وبين من تولَّى منصب المتحدث باسم الجيش "الإسرائيلي" قبله وهو "أوفير جندلمان"، حيث لم يكن ذا لغةٍ عربيةٍ تُمكّنه من التواصل، ولم يكن أيضاً قادراً على الاحتواء كما "أفيخاي".