«الجنجويد».. مرتزقة سودانية تُعمِّق أزمة اليمن (تحليل)

«الجنجويد».. مرتزقة سودانية تُعمِّق أزمة اليمن (تحليل)

09:00 ص

06-أغسطس-2017

أزمةٌ جديدةٌ طرأت على الساحة السودانية خلال الأيام القليلة الماضية، مع وجود نية لدى نظام الرئيس "عمر البشير" إرسال قوات من التدخل السريع التي تتشكّل من مرتزقة "الجنجويد" المتهمة بارتكاب جرائم حرب في "دارفور"، إلى اليمن بما يزيد من تعقيد المشهد هناك.

على وقع الأزمة اليمنية وعدم قدرة التحالف العربي لدعم الشرعية هناك على حسم المعركة ضد الحوثيين لما يزيد من عامين منذ الانقلاب في الربع الأول من عام 2015، ظهرت أنباء تُفيد بإرسال السودان قوات من التدخل السريع إلى السعودية.

وأقدم الحوثيون على إطلاق صواريخ بعيدة المدى تجاه مكة المكرمة، بحسب ما أعلنته السعودية، وسط مناوشات مستمرة على الحدود الجنوبية للمملكة مع اليمن، بما يُفاقم الأزمة خلال الفترة الحالية.

وخلال الساعات الماضية أثارت بعض الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي اعتمادَ السعودية على مرتزقة من السودان تُعرَف بـ "قوات التدخل السريع"؛ للتواجد في المنطقة الجنوبية لحماية أمن المملكة وصَدّ أي محاولات لتقدُّم ميليشيات الحوثييين.

وعلى الرغم من عدم التأكد من صحة هذه الأنباء سواء بالنفي أو الإقرار بحقيقتها، إلا أنها تظل مثار تساؤلات خلال الفترة المقبلة، خاصة مع الإعلان عن إرسال قوات إضافية من قوات التدخل السريع السودانية التي تتشكّل من أبناء قبائل "جنجويد".

من هم الجنجويد؟

ارتبط اسم "الجنجويد" بالجرائم التي شهدتها دارفور خلال عام 2003، وسط اتهامات لها بالتبعية وتقديم الدعم لها من الرئيس السوداني "عمر البشير"، ما جعلها محطَّ أنظار العالم أجمع، وسط مطالبات بتقديم قادة تلك الميليشيات لمحاكمات دولية.

وتُلاحق ميليشيا "الجنجويد" اتهامات تتعلّق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وظل دورهم على الساحة السودانية مقلقاً لكل المتابعين، إلى أن صدر قرار من "البشير" في 2014 بتقنين وضع هذه الميليشيات قانونياً ليصبح اسمها "قوات التدخل السريع"، لتكون شبه قوات خاصة لتنفيذ عمليات محددة عند الطلب.

وتزايد نفوذ هذه القوات داخل السودان بشكلٍ كبيرٍ خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى حد اعتبار مراقبين وسياسيين سودانيين أن تلك الميليشيات حلَّتْ محلَّ الجيش السوداني.

ومنذ قرار تقنين وضع هذه الميليشيات صدَر قرارٌ من وزارة الداخلية السودانية بنشر تلك القوات في العاصمة الخرطوم، ما أثار حفيظة القوى السياسية عام 2014.

وقال رئيس حزب "الأمة" "الصادق المهدي" حينها: إن هذه القوات قامت بارتكاب جرائم في "دارفور" وجنوب وشمال "كردفان".

وعقب تصريحات "المهدي" تعرَّض للاعتقال، وأودعته سجن "كوبر"؛ ليواجه اتهامات تصل عقوبتها بين الإعدام والسجن المؤبد.

وبَدَا أن قوات التدخل السريع التي تتشكَّل في الأساس من ميليشيا "الجنجويد" والتي يُرجَّح أن يكون تشكيلها من قبائل عربية في ثمانينيات القرن المنصرم، إلا أن وزير الخارجية السوداني "مصطفى عثمان إسماعيل" قال: إن "الجنجويد" ليسوا إلا مجموعةً من قُطَّاع الطرق، ونشاط هؤلاء أدَّى إلى تفاقم العنف في "دارفور".

وعلى الرغم من نفي "إسماعيل" إبان 2004 أي علاقة للحكومة السودانية بميليشيا "الجنجويد" وتسليح قبائل عربية في إقليم "دارفور" للقيام بعمليات تطهير عرقي، إلا أنه بعد مرور 10 سنوات تقريباً صدر قرار بتشكيل قوات "التدخل السريع".

وأخيراً، فإن السودان أرسلت قوات من "التدخل السريع" للمشاركة في إطار تحالف دعم الشرعية في اليمن، جنباً إلى جنب مع القوات السعودية والإماراتية، فضلاً عن الفصائل المسلحة المدافعة عن الشرعية اليمنية في مواجهة الحوثيين.

دفعات لليمن

ومنذ شهر مارس الماضي، بدأ الحديث عن إرسال السودان لقوات الدعم السريع من "الجنجويد"، بعد اتفاق مع السعودية والإمارات.

وفي مايو الماضي، بالفعل وصلت ثاني دفعة من تلك القوات ويُقدَّر عددها بـ 1200 إلى محافظة "حضرموت" شرقي اليمن، ضمن القوات العسكرية السودانية المشاركة في العمليات العسكرية للتحالف العربي بقيادة السعودية.

وأخيراً بثَّتْ قناة "الشروق" مشاهد لعرض عسكري لمجموعة جديدة من كتائب قوات "الدعم السريع"، قائلةً: إنها في طريقها إلى اليمن؛ للانضمام إلى قوات التحالف العربي.

وبحسب تقارير إخبارية، فإن إرسال قوات سودانية من"الجنجويد" إلى اليمن بدأ بالفعل بعد اتفاق ثلاثي تم بين السودان والسعودية والإمارات.

وربَط مراقبون الترحيبَ الكبير الذي وجده "البشير" في زيارته إلى الإمارات فبراير الماضي، ومنحه أرفع وسام إماراتي، بنقل قوة من "الدعم السريع" من مطار "نيالا" إلى مطار "عدن"، إذ تزامنت الواقعتان معاً، مما جعل البعض يُشير إلى وجود صفقةٍ ما، لا سيما أن الخطوة برمتها تمَّت بعد زيارتين منفصلتين إلى الخرطوم من قبل مسؤولين عسكريين من الجيشين السعودي والإماراتي إلى السودان.

ما يُعزِّز من وجود صفقة ثلاثية، تصريحات وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي "أنور قرقاش"، إذ قال: إن دور القوات المسلحة الإماراتية انتهى في اليمن في منتصف العام الماضي، قبل أن يتراجع عن هذه التصريحات في اليوم التالي.

وتكبَّدت الإمارات والسعودية خسائر كبيرة في حرب اليمن ليس فقط على المستوى الاقتصادي ولكن لسقوط عدد من القتلى والجرحى خلال المعارك مع الحوثيين.

استخدام المرتزقة

لم تكن هذه المرة الأولى التي يَبرُز استخدام المرتزقة في الصراعات والنزاعات التي تشهدها المنطقة العربية، والتي كان أحدثها إرسال مرتزقة "الجنجويد" إلى اليمن والتي باتت قوات شبة نظامية سودانية.

ونشرت وسائل إعلامية، ما قالت: إنه اتفاقية سرية وقّعتها الإمارات مع "بلاك ووتر" الأمريكية؛ لاستقدام مئات المرتزقة من كولومبيا للقتال في صفوفها بعد تورط أبو ظبي في تدخلات إقليمية في العدد من الدول أهمها ليبيا واليمن.

وحسب الاتفاقية السرية فإن قيمتها تبلغ نحو ملياري درهم إماراتي يتم من خلالها الاستعانة بمقاتلين كولمبيين ذوي الخبرة في غرض التدريب والقتال مع القوات الإماراتية، وهو ما سبقت جريدة "التايمز" في الإشارة إليه.

لمــاذا؟

ويَبرُز عدة أسباب للاعتماد على المرتزقة في النزاعات التي تشهدها المنطقة:

أولاً: التأثير في الصراع:

حيث ترغب بعض الدول وتحديداً الإمارات في التأثير على مجريات الأحداث في المنطقة في إطار دور إقليمي تسعى لممارسته، وتحديداً في ليبيا واليمن، من خلال دعم أطراف بعينها.

ثانياً: قلة عدد الجيوش:

كما أن قلّة عدد جيوش دول الخليج باستثناء السعودية التي تمتلك أكبر جيش من حيث العدد في دول مجلس التعاون، بما يُصعّب من ممارسة هذا الدور الإقليمي من خلال الدفع بجنود الجيش النظاميين.

ثالثاً: الهرب من الضغط الداخلي:

كما تُحاول بعضُ الدول الهربَ من الضغوط الشعبية الداخلية، في حال مقتل أو إصابة أفراد الجيوش النظامية، خاصة وأن النزاعات ليست تهديداً مباشراً أو اعتداءً على تلك الدول باستثناء السعودية التي يُؤثّر عليها تواجد الحوثيين على حدودها الجنوبية.

رابعاً: التهرب من المسؤولية:

ويبدو أن السبب الأبرز في هذا الأمر هو الرغبة في إحداث تأثير كبير مع التهرُّب من أي مسؤولية حال حدوث انتهاكات؛ خوفاً من التعرض لمساءلة دولية واتهامات تتعلّق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما يصعب من إدانة المرتزقة.