في الأزمة الخليجية.. كيف أصبحت إيران «الفائز الوحيد» (تحليل)

في الأزمة الخليجية.. كيف أصبحت إيران «الفائز الوحيد» (تحليل)

07:00 ص

07-أغسطس-2017

مكاسب بالجملة جنتها إيران بسبب الأزمة الخليجية، ونجحت إلى حد كبير في إدارة الأزمة لتحقيق مصالحها.

يبدو أن رياح الأزمة الخليجية أتت بما تشتهي السفن الإيرانية، بعد مرور شهرين على حصار قطر، لتظهر طهران وكأنها الحاضر الغائب أو فرس الرهان في تلك الأزمة.

وبغض النظر عن مواقف الأطراف الأخرى، فإن إيران نجحت باقتدار في إدارة ما يخصها من الأزمة لصالحها من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب.

القضية لفت النظر إليها، مناقشة كل من قطر وتركيا وإيران تدشين ممر تجاري تُنقل فيه البضائع التركية إلى ميناء حمد القطري عبر ميناء بوشهر الإيراني.

فما هي المكاسب التي حققتها إيران، وهل ثمة خسائر تعرضت لها، وكيف يمكن قراءة دورها في الأزمة منذ بدايتها؟.

دبلوماسية النفس الطويل

منذ اللحظة الأولى تميزت دبلوماسية إيران بالهدوء والترقب، انتظارًا لمزيد من التفاصيل والخلفيات والتداعيات لأزمة قطع كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر لعلاقاتها مع قطر، فدعت إلى تغليب لغة الحوار والدبلوماسية لحل المشاكل على لغة التهديد والحصار.

وبعد يومين فقط من قرارات الحصار، حوّل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف رحلته التي كانت متجهة من طهران إلى أستانا لحضور قمة شنغهاي باتجاه أنقرة التي زارها عدة ساعات، والتقى فيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وناقش معه الأزمة الخليجية.

وفي اللقاء أعرب ظريف عن قلق بلاده بشأن الأزمة، وحث تركيا على استخدام علاقاتها للوساطة من أجل التوصل إلى حلول إيجابية سلمية لخلافات الأشقاء الخليجيين.

إلا أن تصعيد الأزمة من قبل دول الحصار بتسريبات قائمة المطالب الـ13، جعل إيران تنتقل من خانة الحياد إلى ضرورة الوقوف في صف قطر، ففتحت مجالها الجوي أمام عبور الطائرات من وإلى قطر، ثم أعدّت موانئها البحرية، ولا سيما ميناء بوشهر، لإرسال المواد الغذائية واحتياجات السوق القطري.

الدعم لم يكن تجاري فقط، بل امتد إلى مساندة سياسية ودبلوماسية رسمتها العديد من المواقف والرسائل المتبادلة بين البلدين.

وكان أول تدخل إيراني فى الأزمة الخليجية محاولة توصيف الشروط والمقاطعة من قبل مصر والدول الخليجية بأنها تعجيزية، وأنها ليست حلاً للأزمة.

اللعب على المكشوف

القائمة التي كان أحد بنودها تخفيض التمثيل الدبلوماسي بين قطر وإيران والالتزم بسياسة مجلس التعاون الخليجي في هذا الشأن، شكلت نقطة التحول في موقف طهران، التي استثمرت البند في اللعب على وتر التناقضات الخليجية.

وعلى سبيل المثال فإن التبادل التجاري بين الإمارات وإيران يتراوح بين 16 و21 مليار دولار سنويًا، في حين يبلغ بين الدوحة وطهران 180 مليونًا فقط.

كما نجحت إيران في توظيف الخلافات الخليجية لصالحها، فاستمالت سلطنة عمان لصف المعسكر القطري، واستغلت حياد الكويت وقيادتها جهود الوساطة في ضرب تماسك الجسد الخليجي الواحد.

التناقضات حضرت أيضًا في فضح الأزمة لتعامل دول الحصار مع إيران، فبينما تحاصر قطر لأنها تتعاون مع طهران، تكف أيديها عن إيران ذاتها وتستمر بينهما العلاقات، إلى أن وصلت للمصافحة الشهيرة بين وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف قبل أيام.

هذه المصافحة تأتي في وقت ترفض فيه دول الحصار الجلوس على مائدة المفاوضات مع قطر بشكل مباشر، الأمر الذي فضح التناقض السعودي تحديدًا، ويبدو أن إيران استطاعت استغلال الموقف كالعادة لصالحها.

لعبة التوازنات امتدت إلى خارج حدود منطقة الخليج، فسعت إيران إلى كسب ود تركيا وتجاوز الخلافات القائمة بينها بسبب الملف السوري تحديدًا، على قاعدة التضامن مع قطر.

إيران استغلت في ذلك أزمة تركيا مع دول الخليج، وخاصة الإمارات التي يتضح يومًا بعد يوم ما يكنه قادتها لأنقرة من عداء شديد، وهكذا نجحت إيران هنا أيضًا في اجتذاب تركيا إلى صفها، لتشكلان معًا أكبر قوتين إقليميتين داعمتين لقطر في أزمتها.

كما كان الملف اليمني حاضرًا في الأزمة، وتسبب في مزيد من التقارب بين قطر وإيران، بعد انسحاب الأولى من التحالف العربي الذي يحارب الحوثيين المدعومين إيرانيًا، فضلًا عن التوجه الإعلامي القطري الذي يبرز وقوع ضحايا مدنيين في غارات التحالف خلال الفترة الأخيرة.

مكاسب بالجملة

هذه الإدارة التي اعتمدتها إيران لدورها في الأزمة الخليجية والأزمة ككل، انعكس على مجموعة من المكاسب، التي يبدو أنها نجحت في تحقيقها على أرض الواقع، إلى الحد الذي جعل منها مصداقًا للمثل القائل "مصائب قوم عند قوم فوائد".

المكسب الأول، يبدو في الصورة الهشة التي ظهر بها التحالف العربي المناهض لإيران بقيادة السعودية، بل إنه أصبح ضعيفًا لحد الانقسام.

فإذا كانت العلاقات بين قطر وإيران أحد الأسباب الرئيسية للأزمة، فإن التهافت العربي الإسلامي على السعودية كان منتظرًا في موقفها ضد الدوحة، إلا أن الواقع كان مختلفًا جدًا.

ولم يصطف مع دول الحصار إلا دول معدودة ربما لا تمثل القوة الضاربة للإسلام السني في المنطقة، ولعل موقف كلًا من السودان وباكستان ودول المغرب العربي خير دليل، وهكذا فشلت الرياض في معركتها هذه المرة ضد إيران.

وبالعودة إلى مايو الماضي، حيث عُقدت القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض وكان أبرز تجلياتها الحديث عن تحالف سني مع أمريكا لمواجهة إيران، فإن الأزمة الخليجية أكدت ضعف هذا التحالف، الأمر الذي يمثل مكسبًا آخر لطهران.

ولعل الانقسام الذي ضرب مجلس التعاون الخليجي، سينهي إلى أجل غير مسمى عهد مواقفه وسياساته الموحدة إزاء إيران، مما سيقلل حجم التحديات التي كان يشكلها المجلس مجتمعًا بالنسبة لإيران.

المعركة الإعلامية التي أشعلتها الأزمة بين مختلف الأطراف أبعدت إيران عن فوهة مدافع الإعلام التي كانت موجهة إليها بالأساس على مدار سنوات عدة، خاصة في الخليج مع اشتداد أأزمتي سوريا واليمن وما تشهداه من تدخلات إيرانية.

ارتباطًا بالبُعد السابق، فإن سياسة التخويف من إيران والتي انتهجتها الدول العربية على مدار عقود، يبدو أنها فشلت فشلًا ذريعًا، بل كتبت الأزمة الخليجية شهادة وفاتها، مع نجاح إيران في التصحيح الجزئي للصورة الذهنية المرسومة عنها بمخيلة الشعوب العربية.

ولعل المستقبل القريب يحمل جملة أخرى من المكاسب، فاستمرار إغلاق الحدود العربية أمام قطر سيؤدي إلى تأسيس شبكة علاقات اقتصادية قوية مع إيران، إضافة إلى مصالح سياسية تنشأ نتيجة لذلك.