استفتاء الاستقلال الكردي.. تحديات الواقع وغموض المستقبل (تحليل)

استفتاء الاستقلال الكردي.. تحديات الواقع وغموض المستقبل (تحليل)

08:05 ص

07-أغسطس-2017

حدَّد إقليم كردستان العراق يوم الـ 25 من سبتمبر المقبل؛ لإجراء استفتاء على الاستقلال عن العراق، ومنذ ذلك الحين وآفاق الانفصال محل نقاش من الأطراف الدولية، فما هي التحديات التي تواجه انفصال الإقليم؟ وماذا يمكن أن يحدث لو تم الانفصال؟.

ما بين الاحتلال الأمريكي مرورًا بتنظيم "داعش" وانتقالًا إلى استفتاء الانفصال الكردي يُواجه العراق العديد من التحديات الأمنية والسياسية فضلًا عن التحديات الاقتصادية، ولا يكاد يتغلّب على إحداها حتى تظهر الأخرى.

وبينما استطاع مؤخرًا من خلال جهود متواصلة لنحو ثلاث سنوات تحرير الموصل من قبضة "داعش"، ويستعد الآن لإطلاق معركة "تلعفر" ضد التنظيم، إلا أنه يشهد على الجانب الآخر دولةً كرديةً في طريقها إلى الظهور لتُضيف المزيد من العقبات على طريق الاستقرار العراقي صعب المنال.

انتقل كردستان العراق من مرحلة التهديد بالانفصال إلى بدء أولى خطواته الفعلية نحو الاستقلال، بتحديده موعد الـ 25 من سبتمبر المقبل لاستفتاءٍ يسعى من خلاله لإعلان دولته الكردية المنتظرة.

ومنذ إعلان "مسعود البارزاني" - رئيس الإقليم - عن موعد الاستفتاء تزايدت ردود الأفعال الدولية الرافضة للانفصال والمُحذّرة من تداعياتها، وتزايد معها في المقابل التأكيد الكردي على إجراء الاستفتاء.

في إطار المعطيات السابقة يظل التساؤل الرئيسي: هل يمكن للإقليم الانفصال في ظل هذا الموقف الدولي المعارض؟ وما التحديات التي تواجهه في مسار الاستقلال؟ وكيف سيؤثر الانفصال على الأوضاع بالداخل العراقي والمنطقة؟.

هل صار التوقيت مناسبًا؟

على مساحة نحو 40 ألف كيلو مترٍ مربع يمتد إقليم كردستان العراق والذي يتمتع بحكم ذاتي منذ عام 1991، حيث يضم ثلاث محافظات رئيسية وهي "أربيل" و"السليمانية" و"دهوك"، فيما تحدّه إيران من جهة الشرق وتركيا في الشمال، وسوريا إلى الغرب وبقية مناطق العراق إلى الجنوب، ويبلغ عدد سكان الإقليم نحو 4.6 مليون نسمة.

وفي إطار الجهود الكردية المتواصلة لإنشاء دولة مستقلة خاصة بالأكراد جاء الإعلان عن إجراء استفتاء الانفصال، وعلى الرغم من أن هذا التوقيت هو الأفضل نسبيًا لتحقيق الحلم الكردي؛ نتيجة لتحسُّن وضعهم الدولي جراء ما بذلوه من بسالةٍ في مواجهة "داعش"، وما يمتلكونه من مقومات قيام الدولة؛ حيث الأرض والشعب والحكومة، إلا أن خطوة الانفصال قُوبلت باعتراضات وتحديات كثيرة، عكست مقدار التعقيدات التي تواجه فكرة إنشاء دولة كردية مستقلة في المنطقة، حيث تنوّعت تلك المعوقات ما بين الداخلي والخارجي.

التحديات الداخلية

على المستوى الداخلي، لا يلقى قرار الانفصال وفاقًا داخل الإقليم ذاته، إذ رفضت قوى داخلية حضور الاجتماع الحزبي للأحزاب الكردستانية الذي حدَّدَ التحركات المستقبلية نحو الاستقلال، فلم تُشارك "حركة التغيير" و"الجماعة الإسلامية"، كذلك أعلن التحالف الوطني - أكبر تحالف سياسي في العراق - عن رفضه الكامل للاستفتاء.

كما ترى تلك القوى المعارضة وعلى رأسها حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" أن مساعي الانفصال هذه بمثابة مناورة سياسية من مسعود بارازاني رئيس الإقليم لتثبيت سلطته وصرف النظر عن مطالبته بالتنحي عن الرئاسة، على أساس أن ولايته منتهية منذ قرابة السنتين.

إلى جانب ذلك هناك الخلافات بين الحكومة المركزية بالعراق وحكومة الإقليم حيث اعترضت حكومة بغداد على خطوة الانفصال وشدَّدت على مخالفتها للدستور، هذا فضلاً عن الخلافات بينهما فيما يخص محافظة "كركوك" والتي تمتلك نحو 4% من احتياطي النفط العالمي، فهذه المحافظة لا تقع ضمن محافظات الإقليم، ولكنها تحت سيطرة قوات البشمركة الكردية أمنيًّا، ومن المقرر أن يشملها الاستفتاء، الأمر الذي ترفضه الحكومة المركزية.

الرفض الدولي

وإن كان هذا على المستوى الداخلي، فالأمر لم يختلف كثيرًا على المستوى الخارجي، حيث توالت الاعتراضات الدولية على الاستقلال وكان أشدها من الجانب الإيراني والتركي، فقد أكدت طهران رفضها لإجراء أي استفتاءات بالمنطقة حول مستقبل الأكراد، وشددت على أن كردستان جزءٌ لا يتجزأ من الجمهورية العراقية.

وعلى نفس الطريق سارت أنقرة، فعلى الرغم من انفتاحها على كردستان ودورها في تصدير نفط وغاز الإقليم للسوق العالمية دون الرجوع إلى بغداد، إلا أنها شدّدت على رفض تلك الخطوة وحذّرت من تداعياتها على مسار العلاقات التركية الكردستانية العراقية.

كما أكّدت أنها بمثابة خط أحمر للأمن القومي التركي، واتجهت في هذا الإطار إلى تنسيق الجهود مع طهران، حيث أرسلت لها رسالة تؤكّد من خلالها رفضها رفع علم كردستان فوق مباني محافظة "كركوك".

وهذا الأمر يرجع إلى إدراكهما أن إنشاء دولة للأكراد سينتهي حتمًا بتصعيد النوازع الاستقلالية لدى أكرادهما، حيث يبلغ نسبتهم في طهران نحو 11% من السكان كما يشكلون نحو 20% من أنقرة.

أما على مستوى الولايات المتحدة والدول الأوروبية فقد توالت ردود الأفعال المُحذّرة من تداعيات الاستفتاء ودوره في صرف الانتباه وإعاقة التقدم في مواجهة "داعش".

وفي السياق ذاته أكّدت المنظمات الدولية كالأمم المتحدة بأنها لن تلعب أي دور في الإشراف على الاستفتاء، ووجّهت الجامعة العربية برئاسة "أحمد أبو الغيط" رسالة إلى "البارزاني" وضَّح خلالها رفض الانفصال، وأشار إلى أن "حقوق الأكراد لا يمكن تلبيتها بصورة كاملة إلا في إطار الدولة العراقية".

ماذا لو نجح الانفصال؟

هكذا توالت العقبات الداخلية والرفض الدولي للاستقلال عن العراق، ومع ذلك قُوبل هذا بمزيد من التصعيد من الجانب الكردي والتأكيد على إجراء الاستفتاء في موعده، ما يطرح تساؤلاً أخيراً حول المستقبل، وماذا لو تم الانفصال؟ الأمر الذي يُمكن إيضاحه في عدد من النقاط، كالتالي:

أولاً: سيؤدي الانفصال إلى زيادة حدة المشاكل السياسية والاقتصادية التي ستُواجهها حكومة كردستان.

فالإقليم يعتمد في موارده على الحكومة المركزية وتصدير النفط والغاز، وفي حال استقلاله من المحتمل أن يجد صعوبة في تصدير النفط خاصة مع الرفض التركي لتلك الخطوة؛ وبالتالي لن يكون قادراً على القيام بمهام الدولة في توفير الموارد الاقتصادية.

ثانياً: من المتوقع أن تتفاقم الخلافات بين الحكومة المركزية وحكومة الإقليم بشأن المناطق المتنازع عليها بين الجانبين، إذ لم يحسم ملف تلك المناطق بين الجانبين، الأمر الذي تزداد حدته مع تحرير "الموصل".

وبالرغم من التنسيق بين القوات العراقية والبيشمركة الكردية في إدارة المعركة، إلا أن الخلافات المحتملة ستكون حول كيفية إدارة المدينة في مرحلة ما بعد "داعش".

ثالثاً: سيُؤدّي ذلك إلى مزيدٍ من التقسيم على أسس طائفية أو عرقية، وهو ما يعني أن الصراع في مرحلة ما بعد "داعش" سيكون صراعًا بين الدولة وبين مكوناتها الطائفية التي ستسعى للحصول على مكاسب كتلك التي سيحصل عليها الأكراد.

رابعاً: من المتوقع أن تُحفِّز عملية الاستقلال تطلّعات القوميات الكردية بتركيا وإيران وسوريا إلى تكرار الأمر؛ وبالتالي ستخلق مزيد من التوتر والصراعات بالمنطقة.