صفيح «عدن» الساخن.. هل تنسف الإمارات صفقة التسوية الإقليمية باليمن؟ (تحليل)

صفيح «عدن» الساخن.. هل تنسف الإمارات صفقة التسوية الإقليمية باليمن؟ (تحليل)

05:00 ص

08-أغسطس-2017

هل ستكون التسوية بين السعودية وإيران ضماناً كافياً لمصالح الرياض؟ الإجابة بـ "نعم" ليست مضمونة، في ظل تنامي النفوذ الإماراتي بجنوب اليمن، والصراع المكتوم بين أبو ظبي والرياض هناك.

"هذه الحرب كان لها أن لا تستمر أكثر من خمسة أشهر".. بهذه الكلمات تحدَّث محافظ "عدن" جنوبي اليمن "عبد العزيز المفلحي" صراحةً عن دور دولة الإمارات العربية المتحدة في عرقلة هدف المملكة العربية السعودية من تأسيس "تحالف دعم الشرعية في اليمن" وحسم ملف صد الانقلاب في اليمن عسكرياً بشكل سريع.

فالمحافظة التي تُعدُّ العاصمة المؤقتة للسلطة "الشرعية" باليمن، في ظل خضوع "صنعاء" لسيطرة الحوثيين، لا تخضع في الحقيقة لهذه السلطة ذات التبعية المباشرة للسعودية، بل لنفوذ إماراتي مُتنامٍ، أسفر عن "مماحكات" مع الأطراف اليمنية المحسوبة على الرياض، إلى حد التهديد المباشر بدعم إشعال الحراك الانفصالي الجنوبي من جديد.

تَظهَر هكذا مماحكات على السطح الإعلامي بين الحين والآخر، وما تلبث علاقة المصالح الاستراتيجية بين فريق "محمد بن سلمان" ولي عهد المملكة السعودية وحاكمها الفعلي، وفريق "محمد بن زايد" ولي عهد أبو ظبي، أن تُعيدها إلى مربع الصراع المكتوم مرة أخرى.

لكن يبدو أن تنامي النفوذ الإماراتي باليمن بدأ في تكوين جبهات رفض شعبية، إضافة إلى توجُّس حكومة الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي" نفسه، الأمر الذي دفع "المفلحي" إلى إطلاق تحذيره من هذا النفوذ في كلمةٍ مسجلةٍ ألقاها أمام أعضاء المكاتب التنفيذية في عدن.

وصاية مرفوضة

شدَّد محافظ العاصمة المؤقتة على "رفضه لأي وصاية عبر مشاريع جاهزة ومقولبة"، مخاطباً مسؤولي الإمارات بالقول: "لا نقبل أي تصنيفات أو هويات ليست من ثقافة اليمن".

وسبق لـ "القصة" الإشارة، في تحليلات سابقة، إلى استراتيجية أبو ظبي في ترسيخ نفوذها باليمن، عبر سلسلةٍ من المشاريع تضمن لها الهيمنة الاقتصادية الكاملة على مجريات الأمور بالجنوب اليمني، إلى حد إجراء المعاملات الاقتصادية في بعض المناطق بالدرهم الإماراتي.

وشمل نفوذ أبو ظبي المتصاعد العديد من الجزر اليمنية على البحر الأحمر، منها جزيرة "ميون" الواقعة بباب المندب، والتي تُمثِّل السيطرة عليها تحكّماً فعلياً في مرور الملاحة عبر المضيق، إلى حد تحويل الجزيرة اليمنية إلى قاعدةٍ عسكريةٍ إماراتية دون علم حكومة "هادي".

الولايات المتحدة أبلغت الرئيس اليمني بالخطوة الإماراتية بالجزيرة التي تبلغ مساحتها 13 كيلو متراً مربعاً، وأرسلت له صوراً للأقمار الاصطناعية تُؤكّد مصداقية المعلومات بشأن تأسيس القاعدة العسكرية بها في الخفاء، وفقاً لما أورده موقع "عربي 21" نقلاً عن مصدر خاص.

ولمَّا حاول "هادي" تدارك الأمر بإقالة محافظ "عدن" السابق "عيدروس الزبيدي" المحسوب على الإمارات، ردَّت أبو ظبي بتحريك التظاهرات الجنوبية ذات المطالب الانفصالية من جديد، الأمر الذي عاد إلى "الظل" من جديد مرة أخرى بعد تدخلات شخصية من "ابن سلمان" و"ابن زايد"، بحسب مراقبين.

حرب أهلية

ولذا حذَّر "المفلحي" من أجواء تُنذر بـ "حربٍ أهلية" في "عدن" في ظل تنازع المصالح بين الأطراف التابعة للسعودية والإمارات، متوقعاً أن يؤدي ذلك إلى "هزيمة الطرفين وانتصار العدو" في إشارة إلى الحوثيين ومن خلفهم إيران.

وبإضافة مؤشرات التحركات الإماراتية بمحافظة "المهرة" اليمنية، المحاذية لسلطنة عُمان، يمكن استنتاج إمكانية انتقال الصراع الإقليمي من الحدود اليمنية إلى ساحات أخرى، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

لكن لا يبدو أن ثمَّة مراجعة إماراتية في هذا الشأن، في ظل تزامن التبرُّم اليمني مع تسريبات متعلّقة بخفايا السياسات الإماراتية وعلاقتها غير المباشرة بميليشيا "حزب الله" اللبناني، نشرها حساب "مجتهد الإمارات" المعروف بمعارضته لنظام الحكم في أبو ظبي.

الحساب نشر تغريدةً، الأحد (6 أغسطس) ذكر فيها أن سلطة أبو ظبي تدفع لـ "حزب الله" 15 مليون دولار سنوياً مقابل تأمينه للبعثات الدبلوماسية الخليجية في لبنان، ومنها سفارتي الإمارات والكويت، التي تقع في مناطق خاضعة أمنياً لـ "حزب الله" أو حليفته حركة "أمل" بجنوب العاصمة (بيروت).

ثروة منهوبة

المصالح ليست متطابقة إذن بين السعودية والإمارات في اليمن، إذ تتبنَّى أبو ظبي مشروعاً لتأسيس نفوذ إقليمي واسع لها، الأمر الذي يتعارض مع مصالح طهران حيناً، ومصالح الرياض حيناً آخر.

ويرى العديد من مراقبي الشأن السعودي أن قراءة المسؤولين الإماراتيين لتخبُّط السياسة الخارجية السعودية وخسائرها المتلاحقة في كل من اليمن وسوريا، ومن قبلهما لبنان والعراق، دفعهم لتبنِّي نهجاً براجماتياً فيما يتعلّق بإدارة الملف اليمني، عبر توظيف قدراتها الاستثمارية الكبيرة، وابتعاد اقتصادها نسبياً عن أحادية هيمنة النفط، كما هو الحال في السعودية.

ولعل ذلك ما يُفسِّر حديث "المفلحي" عن ثروة عدن "المنهوبة والمغتصبة والمسلوبة"، مشيراً إلى أنها "لا تذهب إلى أوعية الدولة (السلطة التابعة لتحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية) بل إلى أوعية الميليشيات والمرتزقة الذين يُريدون لها أن تركع"، في إشارة إلى التشكيلات العسكرية التي تحكم قبضتها على أهم المواقع المهمة في المدينة الجنوبية بدعم إماراتي.

كما أكَّد محافظ "عدن" إعاقة حرب تحرير اليمن "ليست بسبب شراسة العدو؛ بل بسبب ضعف النفوس وعدم وجود إرادة حقيقية للتحرير"، في إشارة إلى براجماتية الدور الإماراتي، سالف الذكر.

رشوة إيران

النهج الإماراتي باليمن يُعزِّز من مصداقية تسريب "رشوة حزب الله"، لكن حتى في حال عدم صحته فإن المعلومات مُؤكِّدة على اختلاف المصالح الإماراتية السعودية إقليمياً إلى حد التناقض أحياناً، دون إظهار ذلك إعلامياً أغلب الوقت.

من هنا جاء تحرك الرياض الأخير في محاولة لإيجاد "تسوية ما" مع طهران في كل من اليمن وسوريا والعراق، وغيرها من مناطق "المد الإيراني"، تقوم على مبدأ "تقاسم النفوذ" بين الطرفين عبر "أذرع" تابعة لكل منهما، كما هو حال النموذج اللبناني.

لكن إشكالية هكذا توجُّه تتمثل في تصاعد النفوذ الإماراتي مؤخراً، إذ لا يبدو في التسوية السعودية الإيرانية ضماناً لمصالح الرياض بالضرورة، خاصة في ظل هيمنة الحوثيين على شمال اليمن، وهيمنة أبو ظبي "من الباطن" على جنوبه.

فهل ستتمكّن العلاقة الشخصية بين "ابن سلمان" و"ابن زايد" من عبور هذه الإشكالية، أم سيفرض تناقض المصالح كلمته في النهاية؟ مستقبل التسوية في اليمن سيحمل الإجابة على هذا السؤال.