هل أعطى السيسي الضوء الأخضر لتعديل الدستور؟ (تحليل)

هل أعطى السيسي الضوء الأخضر لتعديل الدستور؟ (تحليل)

03:16 ص

08-أغسطس-2017

مع تلميحات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى إمكانية ترشحه لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات المقبلة، خرجت تأكيدات بأنه اتخذ قراره بخوض المنافسة، وأعقبها ترويج لفكرة تعديل الدستور لزيادة صلاحيات الرئيس وزيادة مدة ولاية السيسي من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

يتواصل الحديث عن تعديل بعض مواد الدستور الذي وُضِع في 2014، عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو 2013، خاصة مع تزايد الحديث عن وجود نصوص تُعرقل عملية الإصلاح ومسيرة بناء الدولة، بحسب ما صرَّح به الدكتور "علي عبد العال" - رئيس مجلس النواب -.

وتظهر الأصوات الداعية لتعديل بعض مواد الدستور قبل أن تخفت مرة أخرى وتحديداً داخل أروقة مجلس النواب منذ بداية جلساته في يناير 2016، وكان هناك محاولة واحدة فقط لتعديل الدستور وتحديداً فيما يتعلق بمدة ولاية الرئيس المُحدَّدة بـ 4 سنوات فقط، وسط مطالبات بأن تمتد لتصبح 6 سنوات؛ بدعوى أن المدة المحددة غير كافية لخطة الإصلاح التي وضعها الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وعقب المؤتمر الشبابي الأخير في محافظة الإسكندرية، وتلميحات السيسي المستمرة بترشحه لفترة رئاسية ثانية العام المقبل، خرجت تأكيدات من بعض المقربين من السيسي ومؤسسة الرئاسة تتحدّث عن حسم الرئيس الحالي أمر ترشحه، ولكن القلق من نسبة المشاركة بما قد يُؤثّر ضعفها على صورته وشرعيته.

ولكن يتبقَّى مسألة مدة ولاية السيسي لـ 6 سنوات في فترته الرئاسية الثانية، ولكن هذا التعديل تحديداً يواجه عراقيل دستورية قد تقضي على هذه الفكرة.

ولكن يبقى السؤال: هل أعطى السيسي الضوء الأخضر لتعديل الدستور خلال دور الانعقاد الجديد لمجلس النواب؟.

الترويج للتعديل

المادة التي يجب أن يدخل عليها التعديل بشأن انتخاب رئيس الجمهورية، هي المادة 140 وتنص على أنه:

"يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة. وتبدأ إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء مدة الرئاسة بمائة وعشرين يومًا على الأقل، ويجب أن تُعلَن النتيجة قبل نهاية هذه المدة بثلاثين يوماً على الأقل. ولا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة".

نص المادة كان واضحاً وصريحاً بشأن عدم جواز انتخاب الرئيس إلا لفترتين، على أن تكون مدة كل فترة 4 سنوات فقط.

ويُحاول بعض المقربين من مؤسسة الرئاسة الترويج لهذه الفكرة خلال الفترة الحالية؛ تمهيداً لإدخال تعديلات مع بداية دور الانعقاد الجديد لمجلس النواب، وربما يكون هذا مدفوعاً من قبل السيسي أو مؤسسة الرئاسة.

"ياسر رزق" - رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم" - تطرَّق إلى الثقة في ترشح السيسي لفترة ثانية، قبل أن يتحدّث عن فكرة تعديل الدستور وتحديداً في مدة ولاية الرئيس.

وقال "رزق" في مقاله بعنوان: "حديث ليس مبكراً عن انتخابات الرئاسة"، "أدركُ أن هناك قطاعاً لا يُستهان به من الناس مقتنعٌ أن دورتين فقط لرئيس الجمهورية مسألة مقبولة بحكم تجارب الماضي، لكنه يتساءل: لماذا 4 سنوات فقط للمدة الواحدة؟، ويرغب في زيادتها ولو للمدة القادمة فقط، وأظن أن هذا المطلب لو عليه توافق شعبي لا بد أن يكون ضمن بعض تعديلات للدستور تستوجبها التجربة خاصة في مسألة التوازن بين السلطات مع مراعاة أن الدستور يستشرف المستقبل فمن أدرانا مَن سيأتي بعد السيسي؟".

ثمَّة دلالة لطرح فكرة تعديل المادة 140 من الدستور والترويج لها، إذ إن التأكيدات خرجت بترشح السيسي لفترة رئاسية ثانية، كما أن إجراءات الانتخابات الرئاسية ستبدأ مطلع العام المقبل، وطرح مسألة تعديل الدستور يجب التمهيد له قبل بداية دور الانعقاد حتى يكون هذا الأمر على رأس أولويات مجلس النواب لإنهاء هذا التعديل قبل مطلع العام الجديد.

الترويج لفكرة تعديل مادة فترة رئاسة الجمهورية، بدأ قبل أشهر حينما طرح عضو مجلس النواب "إسماعيل نصر الدين" مشروعاً لتعديل الدستور، ليس فقط لتعديل المادة 140، ولكن أيضاً تمتد لزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية والحد من صلاحيات جهات أخرى.

وقال "نصر الدين" حينها: "إن التعديلات المقترحة من قبله تتعلَّق بزيادة مدة ولاية رئيس الجمهورية لتصل إلى (6) سنوات بدلاً من (4) سنوات".

وأشار إلى أن المدة الحالية في الدستور غير كافية، ويجب تعديلها لا سيما أن تطبيق البرامج الطموحة تتطلَّب وقتاً ومدة، و4 سنوات لا تُمكّن أي رئيس من الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف.

لكن تدخّل ائتلاف الأغلبية "دعم مصر" لسحب هذا المشروع، الذي بَدَا وكأنه عملية جَسّ نبض للسياسيين والشارع المصري، وتمهيد لاتخاذ هذه الخطوة خلال الفترة المقبلة.

ولكن الحديث عن تعديل الدستور لا يقتصر فقط على جعل مدة فترة الرئاسة 6 سنوات، ولكن أيضاً يتوقع أن تشمل زيادة صلاحيات السيسي، وهو ما عبَّر عنه النائب "مصطفى بكري"، ومن قبل صاحب مشروع تعديل الدستور.

مدة الولاية

ولكن يُواجه النظام الحالي مأزقاً في تمرير تلك التعديلات على المادة 140، وهي أنها مُحصَّنة ولا يجوز تعديلها بموجب المادة 226، وتنص على: "لرئيس الجمهورية، أو لخُمس أعضاء مجلس النواب، طلب تعديل مادة، أو أكثر من مواد الدستور، ويجب أن يُذكر فى الطلب المواد المطلوب تعديلها، وأسباب التعديل، وفى جميع الأحوال، يناقش مجلس النواب طلب التعديل خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تسلمه، ويصدر المجلس قراره بقبول طلب التعديل كلياً، أو جزئياً بأغلبية أعضائه، وإذا رُفض الطلب لا يجوز إعادة طلب تعديل المواد ذاتها قبل حلول دور الانعقاد التالي".

كما تنص: "وإذا وافق المجلس على طلب التعديل، يناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها بعد ستين يوماً من تاريخ الموافقة، فإذا وافق على التعديل ثلثا عدد أعضاء المجلس، عُرض على الشعب لاستفتائه عليه خلال ثلاثين يوماً من تاريخ صدور هذه الموافقة، ويكون التعديل نافذاً من تاريخ إعلان النتيجة، وموافقة أغلبية عدد الأصوات الصحيحة للمشاركين فى الاستفتاء، وفي جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل مُتعلّقاً بالمزيد من الضمانات".

وهنا يرى أستاذ القانون الدستوري الدكتور "فؤاد عبد النبي"، أن تعديل المادة 140 من الدستور ضربٌ من الخيال لدى الذين يُروّجون لهذه المسألة خلال الفترة الماضية، في إطار التمهيد لاتخاذ هذه الخطوة.

وقال "عبد النبي": إن نص المادة 226 يضبط ويحكم عدم إدخال تعديلات على المادة 140؛ لأنها مادة من الأحكام العامة، وأي محاولات للتعديل لن يكون لها أي قيمة، وسيطعن على دستوريتها.

وأضاف أن نص المادة لا يحتمل التأويل، إذ أشارت فقرتها الأخيرة إلا أنه في كل الأحوال لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، وهو تحصين دستوري من قبل واضعي الدستور، وتمت الموافقة عليه في استفتاء شعبي.

وتابع أن النظام الحالي يُهدر الدستور بالكلية ولا يعتد بالشعب المصري، مثلما فعل في عدد من القوانين التي صدرت، وكان أبرز مثال على ذلك اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية والتي تقضي بالتنازل عن جزيرتي "تيران" و"صنافير"، بالمخالفة لخمس نصوص الدستور.

ولكن الحديث حول تعديل المادة 140 بَاتَ يحمل نوعاً من التلاعب، إذ إن المدافعين عن المادة 140 يذهبون إلى أنه لا تناقض بين مقترح مدة فترة الرئاسة الواحدة لـ 6 سنوات ونص المادة 226، إذ إن التعديل لا يتعلّق بزيادة مدد الرئيس عن اثنين وفقاً لنص المادة.

إلغاء المادة 226

وظهرت جدلية دستورية حول التعارض بين أي تعديل على المادة 140 بموجب المادة 226، إذ أشار الدكتور "صلاح فوزي" - عضو سابق في لجنة الإصلاح التشريعي التابعة لمجلس الوزراء - إلى أنه لا تعارض بين تعديل مدة الولاية والمادة 226.

ولكن "فوزي" خرج بحل يصُبّ في صالح المطالبين بتعديل المادة 140، وتحدَّث عن إمكانية تعديل المادة 226 نفسها خلال الفترة المقبلة، ومن ثَمَّ السماح بتعديل المادة 140، مشُدّداً على أن الدستور ليس قرآناً، يمكن تعديله في أي وقت وفي كل مواده.

هذا المقترح من "فوزي" لم يجد طريقه إلى أروقة مجلس النواب؛ وذلك لأن هذا الأمر يحتاج لوقت أطول، بما يقضي بتعديل المادة 226 ثم العودة لتعديل المادة 140، ولا يوجد وقت أو تكلفة مادية لعمل أكثر من استفتاء في فترة قصيرة.

ولكن يبدو أن مجلس النواب الذي تتشكّل أغلبيته من ائتلاف "دعم مصر" المدعوم من النظام الحالي وأجهزة الدولة، الذي انبثق عن قائمة النظام خلال انتخابات مجلس النواب "في حب مصر"، ربما لن يلتفت للآراء التي تتحدّث عن وجود تعارض بين التعديل حال التقدُّم بها والمادة 226؛ وبالتالي يمكن أن يتكرَّر سيناريو نظر اتفاقية "تيران" و"صنافير" وتمريرها دون النظر إلى حكم نهائي وبَاتّ من المحكمة الإدارية العليا.