«ثورة تطوير» بالسجون المصرية.. ماذا عن الانتهاكات؟ (قراءة)

«ثورة تطوير» بالسجون المصرية.. ماذا عن الانتهاكات؟ (قراءة)

02:05 ص

09-أغسطس-2017

ثورةٌ شكليةٌ بامتياز تلك التي أدخلتها وزارة الداخلية على قطاع مصلحة السجون، تتعلّق بمراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة ونقل السجناء بأتوبيسات مكيفة، إلا أنها لم تتطرَّق إلى تغيير فلسفة القطاع حيال وقف الانتهاكات والتعذيب والتعامل الآدمي للمعتقلين السياسيين.

لم تتوقّف مطالبات المجتمع المدني بضرورة إدخال تطوير على مصلحة السجون المصرية، مع تصاعد الانتهاكات التي واجهها السجناء، إلا أن هذه المطالبات لم تجد طريقها إلى وزارة الداخلية.

وتزايدت حدّة الانتهاكات لحقوق الإنسان من قبل وزارة الداخلية منذ 3 يوليو 2013، عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" من الحكم، وملاحقة مؤيديه.

الانتهاكات لم تتوقّف لحد حملات الاعتقالات من مظاهرات أو من المنازل، ولكن شملت عمليات تنكيل تجاه المعتقلين السياسيين من منع التريُّض والإهمال الطبي والتعذيب والقتل داخل أماكن الاحتجاز ومنع الزيارة ودخول الأدوية والمستلزمات الشخصية والملابس للمعتقلين.

وظلَّ ملف المعتقلين في السجون وانتهاكات حقوق الإنسان صداعاً في رأس النظام الحالي، بما دفع السيسي إلى محاولة التشكيك في التقارير التي تصدر عن منظمات حقوقية دولية حيال جملة الانتهاكات.

وللتغلُّب على الانتقادات التي تُوجَّه لمصر في المحافل الدولية لعب السيسي على ورقة مواجهة الإرهاب ووجود تحدّيات كبيرة تُواجه أجهزة الأمن المصرية.

تطوير السجون

"ثورة تطوير".. هكذا وصفت بعض وسائل الإعلام الموالية للنظام المصري الحالي الإجراءات التي اتخذتها وزارة الداخلية أخيراً في سبيل تطوير مسلحة السجون؛ بدعوى تنفيذ سياسة "عقابية" جديدة تحترم حقوق الإنسان.

ثورة التطوير التي تتصدَّر وسائل الإعلام خلال اليومين الماضيين ترتكز في الأساس على 4 محاور رئيسية:

أولاً: أتوبيسات مكيفة: بدأت وزارة الداخلية في تنفيذ تجربة لنقل عدد من السجناء بواسطة استخدام أتوبيس مُكيَّف؛ لتقرر بعدها مصلحة السجون تعميم فكرة نقل السجناء من سجن لآخر ومن المحاكم للسجون بواسطة أتوبيسات مكيفة؛ لتوديع سيارات الترحيل الحديدية التقليدية.

وقال اللواء "محمود خلاف" - مدير الإدارة العامة لمنطقة السجون المركزية -: إن الأتوبيسات الجديدة بها كافة خصاص الأمن اللازمة، ويتم تأمينها بشكل جيد، وهناك سيارة إسعاف ترافق نقل السجناء.

وأضاف "خلاف" أن هذه الخطوة تأتي في إطار حرص وزارة الداخلية على استمرار أطر التطوير والتحديث في شتى مجالات العمل الأمني، لا سيما في مجال احترام مبادئ حقوق الإنسان.

ثانياً: عنابر ذوي الاحتياجات الخاصة: وأقدمت وزارة الداخلية على تخصيص عنابر لذوي الاحتياجات الخاصة، إذ جهَّز قطاع السجون عنابر بمستشفى منطقة سجون "وادي النطرون" لذوي الاحتياجات الخاصة؛ لاستقبال كافة الحالات الخاصة، وتقديم الرعاية الصحية والطبية لهم، وذلك تجسيداً لسياسة الوزارة الهادفة لإعلاء قيم حقوق الإنسان، وتوفير كافة أوجه الرعاية لنزلاء السجون.

ثالثاً: قوافل طبية: كما بدأت وزارة الداخلية في تسيير قوافل طبية للسجون، بحسب وزارة الداخلية فإنه تم إرسال القوافل بإشراف اللواء "مصطفى شحاتة" - مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون - لفحص السجناء وعلاجهم بالمجان، جنباً إلى جنب مع مستشفيات السجون التي تم تطويرها مؤخراً بشكلٍ كبيرٍ، حيث بَاتَتْ تُضاهي المستشفيات الخاصة بالخارج، بعدما تم التعاقد على أجهزة متطورة ووضعها في المستشفيات؛ لعلاج السجناء في كافة السجون المنتشرة على مستوى الجمهورية.

رابعاً: تأهيل السجناء: واعتمدت وزارة الداخلية على تأهيل النزلاء بشكل علمى عبر عقد دورات تأهيل مستمرة، وتعليمهم حِرفاً تدرُّ عليهم أموالاً داخل السجن، فيُنفقون على ذويهم بالخارج، ويستطيعون العمل من خلالها عقب خروجهم من السجن، في إطار حرص الداخلية على إعادة تأهيل السجناء لانخراطهم في المجتمع مجدداً.

 وفتحت مصلحة السجون المجال أمام السجناء الراغبين في استكمال مسيرتهم التعليمية للحصول على الشهادات الدراسية، لدرجة حصول بعضهم على درجة الماجستير من السجن، وفتح مكتبات السجون أمامهم للحصول منها على ما يشاءوا من كتب ومصادر.

تغيير شكلي

ويبرز أن ما وصفه وسائل إعلام بـ "ثورة تطوير السجون" ليست إلا تغييرات شكلية فقط على فلسفة مصلحة السجون، التي تستهدف بشكل أساسي التضييق على النشطاء والمعتقلين السياسيين، وعلى العكس من السجناء الجنائيين.

 ويحفل سجل انتهاكات مصلحة السجون بحق المعتقلين السياسيين بعددٍ كبيرٍ من الحالات، أبرزها خلال الفترة الماضية حالة المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين "محمد مهدي عاكف"، الذي رفضت مصلحة السجون نقله إلى مستشفى خارج السجن لتلقّي العلاج بعد تدهور حالته الصحية، قبل أن تنقله إلى مستشفى القصر العيني وتُعيده مرة أخرى، وتنقَّل خلال الأشهر القليلة الماضية رغم دخوله لمرحلة شديدة من التدهور الصحي - بحسب نجلته "علياء" - ليمكث في مستشفى القصر العيني الفرنساوي، وسط مطالبات بضرورة إخلاء سبيله لدواعٍ صحية.

ويُمكن رصد أبرز الانتهاكات التي يتعرَّض لها المعتقلون السياسيون في السجون، والتي تؤكّد عدم وجود تغيُّر فعلي وجوهري على وزارة الداخلية بشأن التعامل الآدمي ومراعاة معايير حقوق الإنسان:

أولاً: إهمال طبي:

وفي مايو الماضي، أصدر مركز "النديم" لمناهضة العنف والتعذيب، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تقريراً تحت عنوان: "يا تعالجوهم يا تفرجوا عنهم: الإهمال الطبي في السجون جريمة".

التقرير تطرَّق إلى أوضاع السجون والإهمال الطبي الذي يُواجه المعتقلين وسوء الخدمات المقدمة والنقص الحَادّ في الكثير من الأدوية وخاصة للأمراض المزمنة، فضلاً عن النقص في إمكانيات مستشفيات وعيادات السجون.

وعرض لشهادات عدد من المعتقلين في الفترة بين 2014 إلى 2017، وسط تأكيدات بصعوبة ملاحقة مرتكبي جريمة الإهمال الطبي قانونياً، إذ إنه غير مسموح للسجين ولا لمحاميه بالاطلاع على ملفه الطبي، إضافة إلى صعوبة إثبات أسباب الوفاة أو تعرُّض السجين لأي انتهاك.

ثانياً: منع الزيارة:

وعمدت مصحلة السجون إلى تكرار قرارات منع الزيارات أو تقليل عدد الزيارات وتحديداً في سجن "العقرب" شديد الحراسة التابع لمنطقة سجون "طرة"؛ لاستنادها إلى نص المادة 42 من القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون، وتنص على أنه: "يجوز أن تُمنَع الزيارة منعاً مطلقاً أو مُقيّداً – بالنسبة إلى الظروف – أوقاتاً معينة؛ وذلك لأسباب صحية أو متعلّقة بالأمن".

وبحسب تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإنه من حق السجناء زيارة لمدة ٦٠ دقيقة أسبوعياً في حالة السجناء الاحتياطي، ومرتين شهرياً في حالة السجناء المحكوم عليهم، إلا أن إدارة سجن "العقرب" تتجاهل ذلك الحق وتسمح بالزيارات وقتما تشاء وتمنعها وقتما تشاء، وقد منعت الزيارات بالفعل لفترات تصل إلى شهرين متتاليين، ما يجعل "العقرب" مكاناً لتدمير السجناء.

وأشار التقرير إلى أن سجن "العقرب" شهد في منتصف شهر فبراير ٢٠١٦ إضراباً عن الطعام بدأه مجموعة من السجناء؛ للمطالبة بحقوقهم التي يكفلها لهم القانون المصري؛ ولإتاحة الفرصة لذويهم لزيارتهم؛ وتحسين ظروفهم المعيشية.

ثالثاً: منع التريض وسوء التهوية:

وأمام تكدُّس الزنازين التي يقبع فيها المعتقلون السياسيون وضيق مساحتها، فإن مصلحة السجون تقوم بعمليات تضييق شديدة لعملية التريُّض اليومي خاصة في ظل سوء التهوية، إذ تظلّ بعض الزنازين مغلقة لعدة أيام، وفي صيف العام الماضي، منعت إدارة سجن "العقرب" المعتقلين بأحد العنابر من الخروج من زنازينهم لممارسة حقهم في التريُّض وفقاً للقانون، كما قطعت المياه عن العنبر مدة ثلاث ساعات على الأقل، تزامنًا مع موجة الحر الشديدة التي تزداد حدتها في زنازين "العقرب" الانفرادية عديمة التهوية حيث ترتفع درجة الحرارة داخلها؛ بسبب طبيعة تصميمها عدة درجات عن خارجها، وهو ما يدفع المعتقلين إلى رَشّ أنفسهم بالمياه كل مدة في محاولة لتخفيف الحر.

رابعاً: منع دخول مستلزمات المعتقلين:

فبحسب التعليمات التي تصدر لأفراد الأمن على بوابات السجون، فإنه ممنوع دخول الأدوية بما يزيد من معاناة أصحاب الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر، والطعام بكميات كبيرة، فضلاً عن الملابس القطنية في الصيف، وفي الشتاء فإنه ممنوع دخول الملابس الثقيلة، رغم مناشدات الأهالي بأن ذويهم يُعانون من برودة الطقس داخل الزنازين، بحسب شهادات الأهالي.

خامساً: التعذيب:

ورصدت منظمة "هيومن رايتس مونيتور" تصاعد وتيرة الانتهاكات التي يتعرَّض لها المعتقلون الجنائيون ومن هم على خلفية سياسية بالأخص أثناء فترات اعتقالهم داخل السجون المصرية، حيث رصدت المنظمة تعرُّض المعتقلين إلى معاملات قاسية، فضلاً عن الضرب المبرح والتعذيب الممارس بحقهم؛ لمحاولة انتزاع اعترافات، أو لمجرد أهواء شخصية لدى ضباط الشرطة للانتقام منهم على خلفية معارضتهم للسلطة الحالية، إذ بلغ عدد القتلى في السجون وأماكن الاحتجاز إلى 493 معتقلاً.

لـماذا الآن؟

ولكن السؤال الأبرز هنا هو: لماذا لجأت وزارة الداخلية إلى إدخال تغييرات ولو شكلية على مصلحة السجون الآن؟:

أولاً: ضغوط خارجية:

تعرَّضت مصر لضغوط خارجية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان بشكل عام وبالأخص أوضاع السجون المصرية، في ظل تصاعد الانتهاكات منذ الإطاحة بمرسي من الحكم وما أعقبها من وصول السيسي لكرسي الرئاسة، ودائماً كان السيسي يدفع بضرورة عدم تطبيق معايير أوروبا حيال حقوق الإنسان على الوضع في مصر، خاصة وأن مصر تواجه تحديات تتعلّق بالإرهاب.

وتعرَّضت مصر لانتقادات شديدة خلال أبريل الماضي في جلسة استماع بمجلس الشيوخ حول المعونات الخارجية المقدمة لمصر، إذ شَنَّ متخصصون وأعضاء بمجلس الشيوخ انتقادات لأوضاع حقوق الإنسان في مصر.

وفي سبتمبر الماضي، شنَّ ممثلو دول ألمانيا وفرنسا وأمريكا وبريطانيا انتقاداتٍ لأوضاع حقوق الإنسان بشكلٍ عام، خلال اجتماع مجلس حقوق الإنسان الدولي التابع للأمم المتحدة.

ثانياً: الترويج للنظام دولياً:

ويسعى النظام الحالي من خلال إدخال تطوير شكلي على أوضاع السجون وحقوق الإنسان؛ تمهيداً للترويج بهذه التغييرات خارجياً، خاصة في زيارات السيسي للخارج أو وفود برلمانية، وهو بالفعل ما حدث خلال زيارة رئيس لجنة حقوق الإنسان "علاء عابد" للكونجرس، وسلَّم ملفاً عن زيارة لجنته إلى عدد من السجون، نافياً وجود أي انتهاكات أو تعذيب بالسجون.

ثالثاً: تحسين صورة السيسي:

كما تهدف هذه الإجراءات إلى تحسين صورة السيسي أمام المجتمع الدولي قبل انتخابات الرئاسة المقبلة، الذي ألمح بما يُشبه التأكيد على الترشح لفترة رئاسية ثانية، ويأمل السيسي في وقف الانتقادات حيال مصر بسبب هذا الملف خلال الفترة المقبلة.