«دحلان» ومستقبل الطاقة الإقليمي.. «إسرائيل» بديلاً لقطر كمورد أول للغاز (تحليل)

«دحلان» ومستقبل الطاقة الإقليمي.. «إسرائيل» بديلاً لقطر كمورد أول للغاز (تحليل)

08:08 ص

09-أغسطس-2017

تُركّز أغلب الدراسات على استشراف مستقبل المنطقة في ظل مؤشرات عودة "محمد دحلان" إلى الساحة الفسطينية مرة أخرى من منظور سياسي فقط، لكن الدور الاقتصادي الذي يُمكن أن يلعبه القيادي المفصول من حركة "فتح" ربما لا يقل خطورة.

"الإمارات المصدر الرئيس لتمويل المشاريع الاستثمارية وإسرائيل مورد الغاز الأول"..

تُمثِّل هذه الخلاصة أول قراءة تُقدّمها مراكز الأبحاث "الإسرائيلية" للدور الاقتصادي الذي سيقوم به القيادي المفصول من حركة "فتح" الفلسطينية "محمد دحلان"، إبّان عودة نفوذه إلى قطاع غزة مرة أخرى، وفق ترتيبات إقليمية ساهمت في إبرام اتفاق بينه وبين حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

أغلب التحليلات ركّزت على الأبعاد السياسية وراء الاتفاق، وما يُمكن أن يُمثّله من تعديلات في خارطة النفوذ الإقليمي، حيث تُمثّل عودة "دحلان" ورجاله إلى غزة مُجدداً امتداداً لتوسع النفوذ الإماراتي على حساب نظيره القطري؛ باعتبار أن "دحلان" هو مستشار ولي عهد أبو ظبي "محمد بن زايد"، وقطر هي الداعم الأول لتجربة الحركة في القطاع المحاصر.

لكن أياً من إفادات المحللين لم يُقدِّم تصوراً للأبعاد الاقتصادية التي يُمكن أن يُمثّلها دور "دحلان" الجديد في المنطقة، وهو ما أشار إليه مركز "يروشليم" "الإسرائيلي" لدراسة الجمهور والمجتمع.

الاستثمارات والطاقة

دراسة المركز أوردت خارطة جديدة للطاقة بالمنطقة، استناداً إلى عدد من المتغيرات الاقتصادية والسياسية، ومنها تقديم الإمارات - ومن ورائها مصر والسعودية والبحرين – لـ "دحلان" باعتباره "رجل الاستثمار الخير"، الذي عاد إلى الساحة من أجل خدمة شعبه عبر الإشراف على تدفق الأموال الإماراتية إلى قطاع غزة؛ من أجل إنقاذ سكانه من الاحتياج الشديد للطاقة.

وبإضافة تراجع نفوذ قطر بالقطاع؛ لاعتبارات خاصة بالحصار الذي تفرضه الدول الأربعة - سالفة الذكر - عليها، إضافة إلى المأزق التاريخي الذي تُعانيه حركة "حماس"، بعد تحجيم أبرز داعميها والانقلاب على نظام الرئيس المصري السابق "محمد مرسي" المنتمي لتيار "الإخوان المسلمين" الذي تُمثّله الحركة الفلسطينية، يُمكن استنتاج استبدال النفوذ الإقليمي لقطر بآخر إماراتي على الصعيد الاقتصادي أيضاً، وليس السياسي فقط.

كيف سيتم ذلك؟ تُشير الدراسة إلى تدفّقات استثمارية كبرى في قطاع غزة سيُشرف عليها "دحلان" بتمويل إماراتي، لكن الأهم من ذلك هو اتجاه القاهرة إلى توسيع دائرة استيراد الغاز الطبيعي من "إسرائيل" بعد قطع العلاقات الاقتصادية مع الدوحة.

فقطر هي المورد الأول للغاز إلى مصر حتى وقت إعلان المقاطعة، ويبدو أن البديل سيكون "إسرائيلياً" بعدما صدَّق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على قانون تنظيم أنشطة سوق الغاز.

"إسرائيل" محل قطر

وتتوقع صحيفة "هآرتس" العبرية أن يُمثّل تصديق السيسي بدايةً لفتح الباب أمام الشركات المصرية الخاصة لاستيراد الغاز "الإسرائيلي" بكميات أكبر، خلال السنوات المقبلة، حيث يقضي القانون جهازاً لتنظيم أنشطة الغاز يُتيح للشركات الخاصة شراء الغاز من مستوردين، أو استيراده من الخارج بشكلٍ مباشرٍ، بعد الحصول على الموافقات اللازمة، وبيعه لموردي الغاز المحلي.

وبعدما كانت الشركة المصرية للغاز (E-gas) هي الوحيدة التي تستورد الغاز وتسوّقه لموردين محليين، أصبح الطريق مفتوحاً أمام طريق تطبيع اقتصادي واسع مع "إسرائيل"، بواجهةِ "شركات خاصة"، ومضمونٍ تابعٍ لأجهزة الأمن والمخابرات المصرية.

وبوضع حجم مصر في الاعتبار، كأكبر مستهلك إقليمي، فإن توقعات الخبير "الإسرائيلي" في مجال الغاز والطاقة "عاميت مور" بشأن إحلال "إسرائيل" محل قطر في معاملات دول المقاطعة الأربعة، باتت مُعزَّزة بشواهد تدعمها.

أغلب التوقعات "الإسرائيلية" تُشير إلى استخدام خط الغاز القديم، التابع لشركة غاز الشرق المتوسط (EMG) - التي أسّسها رجل الأعمال المصري "حسين سالم" المقرب من الرئيس الأسبق "حسني مبارك" - في تصدير الغاز "الإسرائيلي" إلى مصر مستقبلاً.

هذا الخط أسسته الشركة في البداية لـ "تصدير" الغاز المصري إلى "إسرائيل"، في وقت وجود فائض باحتياطات الغاز لدى مصر، لكنه تعرَّض لسلسلة من التفجيرات في سيناء أجبرت الشركة على وقف الضَّخّ في عام 2012.

والآن ستستخدم "إسرائيل" الخط في الاتجاه المعاكس لتبدأ عملية تصدير الغاز "الإسرائيلي" إلى مصر عام 2019، بحسب تقديرات موقع "ذا ماركر" (النسخة العبرية)، بما يعني أن إحلال "تل أبيب" محل الدوحة اقتصادياً لن يشمل قطاع غزة فقط، بل مصر والإمارات أيضاً.

من هنا جاءت القراءة الاقتصادية لعودة "محمد دحلان" إلى الساحة الفلسطينية مجدداً، وهو ما أشارت إليه دراسة "مركز يروشليم" عندما حدَّدت الهدف الرئيس لكل من الإمارات و"دحلان" ومصر في الفترة المقبلة، وهو العمل على طرد قطر من قطاع غزة.

تحذير النفيسي

ولعل ذلك ما يُفسّر تصاعد تحذيرات المراقبين لمصر تحديداً من مغبة الاستمرار في هكذا خطة؛ لأن التحكم "الإسرائيلي" في توريد مصادر الطاقة إلى القاهرة لن يكون مفصولاً عن التوظيف السياسي مستقبلاً، بخلاف علاقات القاهرة الحالية مع شركات تركية وقطرية تعمل معها.

وفي هذا السياق جاء التعليق الأخير للمفكر السياسي الكويتي وأستاذ العلوم السياسية "عبد الله النفيسي" على العلاقة بين الإمارات و"دحلان"، مؤكداً أن الفكرة السائدة بشأن توظيف أبو ظبي لـ "دحلان" في سبيل تحقيق أطماعها الإقليمية ليس صحيحاً.

"النفيسي" كتب مغرداً، عبر "تويتر"، أن "محمد دحلان هو الذي يحكم الإمارات. وإسرائيل تحكم محمد دحلان"، داعياً إلى التفكير إلى ما يُمثّله ذلك بعمق، في إشارة إلى الآثار الخطيرة التي يُمكن أن تُمثِّلها عودة "دحلان" على مصر، التي تدعم إعادة تسويقه مرة أخرى.

فهل ينقلب السحر على الساحر وتجد القاهرة نفسها قريباً أمام "سمسار دولي" يتحكّم في توريد الغاز إليها بـ "أثمان سياسية باهظة"؟.

المؤشرات تقود إلى تجهيز "دحلان" كي يكون "إمبراطور طاقة جديد" بالمنطقة، وفق الإفادات "الإسرائيلية"، وهو ما تُلمح إليه تغريدة "النفيسي"، الذي طالما انتقد الإمارات ودورها في المنطقة.