بعد إضراب 6 آلاف عامل.. هل تبدأ شرارة الغضب الشعبي من المحلة؟ (تحليل)

بعد إضراب 6 آلاف عامل.. هل تبدأ شرارة الغضب الشعبي من المحلة؟ (تحليل)

01:00 ص

10-أغسطس-2017

هل يخشى النظام الحالي أن يكون الحراك العمالي هو شرارة الغضب ضده؟.. هذا هو السؤال الذي يتردّد مع دخول عمال "المحلة" في إضراب عن العمل بما يُشبه سلسلة إضرابات لهم مهَّدت للإطاحة بالرئيس السابق "محمد حسني مبارك" في ثورة 25 يناير.

يُمثّل الحراك العمالي مؤشراً على سوء الأوضاع الاقتصادية في مصر، فضلاً عن التعبير عن تصاعد حالة الغضب ضد أي نظام سياسي يحكم البلاد.

ويُعتَبر أي حراك عمالي صداعاً في رأس النظام الحالي خاصة مع تصاعد الاحتجاجات العمالية خلال السنوات الثلاثة الماضية، وتحديداً مع وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم.

ويواجه العمال أزمات طاحنة لناحية تسريح أعداد كبيرة منهم ورفض بعض أصحاب المصانع والشركات زيادة الرواتب لمواجهة غلاء المعيشة، بما يترتب عليه من تنظيم احتجاجات عمالية "فئوية" ولكنها معبرة عن الحالة التي وصلت إليها الأوضاع المعيشية.

وتنحاز الحكومة الحالية لأصحاب الأعمال بعد التدخل الأمني لإخماد أي حراك عمالي، ليس فقط خدمة لهم ولكن أيضاً لأن الحراك العمالي له تأثيرات سلبية على النظام الحالي؛ لقدرة العمال على اتخاذ خطوات تصعيدية؛ نظراً لما يتمتعون به من قدرة على التنظيم بدرجة أكبر نسبياً عن الفئات الأخرى.

قبل يومين اتجهت الأنظار إلى مدينة "المحلة" بمحافظة الغربية، إذ دخل نحو 6 آلاف عامل في إضراب عن العمل، فهل تبدأ شرارة الغضب من "المحلة"؟.

إضراب المحلة

وأعلن أكثر من ٦ آلاف عامل بمصانع شركة "مصر للغزل والنسيج"، الإثنين الماضي، الدخول في إضراب مفتوح عن العمل، وإيقاف جميع الماكينات داخل قطاعات النسيج والملابس الجاهزة والصوف والغزل.

الإضراب العمالي تسبَّب في حالة من الشلل التام داخل الشركة؛ للمطالبة بصرف العلاوة التي أقرّها رئيس الجمهورية واعتمدها مجلس النواب وقيمتها 10%، إضافة إلى صرف الحوافز المالية المتأخرة طوال الشهور الماضية.

وقال قيادي عمالي: إن محافظ الغربية اللواء "أحمد ضيف صقر" حاول التدخل وطالب رئيس مجلس إدارة الشركة بالتفاوض مع العمال بالتنسيق مع القيادات الأمنية؛ لإنهاء الإضراب وعودة العمل داخل عنابر الشركة، مشدداً على الاستمرار في الاعتصام حتى الاستجابة لمطالبهم.

ولم يحظَ إضراب عمال "المحلة" بتغطية إعلامية واسعة باستثناء بعض الأخبار التي نشرتها بعض الصحف، فيما تجاهلت وسائل إعلامية مقربة من النظام الحالي الحديث عن طبيعة الإضراب، بما يعكس وجود رغبة في عدم إظهار الاضطرابات وإبراز نموذج الاحتجاجات كنوع من الضغط، بما يُقلّل من تأييد الرأي العام لمطالب العمال.

نشطاء نشروا مطالب العمال كاملة دون اجتزاء، وهي صرف علاوة يوليو والخاصة بغلاء المعيشة والتى يَصدُر بها قرار كل عام بتحديد نسبتها فى عيد العمال من رئيس الجمهورية، وزيادة بدل التغذية من ٢١٠ جنيهات إلى ٣٠٠ جنيه أسوة بباقي شركات قطاع الأعمال العام.

وشملت المطالب ضم مبلغ الـ ٢٢٠ جنيهاً إلى خانة الحافز والتي صدر بها قرار من سنة ٢٠١١، وإلغاء قرار رئيس الشركة القابضة بوقف الترقيات.

وبدأ حراك عمال "المحلة" منذ عام 1947، بعد إضراب عن العمل للمطالبة بزياد الراتب والاحتجاج على المعاملة السيئة من إدارة الشركة، وقامت الحكومة آنذاك بمحاصرة الشركة بالدبابات وإخراج العمال بالقوة وفض الإضراب، وفي عام 1953 خرج عمال "المحلة" تضامناً مع الحراك العمالي في "كفر الدوار" وإيفاد مندوبين للتظاهر في الإسكندرية وكفر الدوار.

وفي عام 1975 أعلن نحو 30 ألف عامل الإضراب عن العمل؛ رفضاً لتدني الأجور، وما كان من الشرطة إلا محاصرة العمال، فاندلعت تظاهرات في الشوارع.

ودخل عمال "المحلة" خلال عام 1986 في إضراب عن العمل للمطالبة بإضافة الراحات الأسبوعية للمرتب؛ لتندلع تظاهرات وسط تأييد شعبي، قبل القبض على عدد من قيادات العمال، وإطلاق سراحهم في وقت لاحق، وخلال عام 1988، تظاهر عمال "المحلة" رفضاً لقرار الرئيس السابق "محمد حسني مبارك" بإلغاء المنحة التي كانت تعطيها الحكومة للعمال والموظفين مع بداية كل عام دراسي.

شرارة الغضب

ومهّدت الإضرابات المتكررة لعمال "المحلة" بداية من 2006 إلى بلورة رؤية عمالية لتحسين أوضاعهم وكانت سبباً مباشراً لتوظيف حالة الغضب الشعبي ضد "مبارك".

ودخل عمال "المحلة" في إضرابات متتالية أعوام 2006 و2007 و2008، الأول حققوا نجاحاً بالحصول على مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين لكل سنة تحت بند الأرباح، والثاني كان خطوة أمام تحرُّر الحراك العمالي، إذ تم تأسيس لجنة لقيادة الإضراب تكون منتخبة من جميع المحافظات، وتضم ممثلين عن الشركات والمصانع، من مهامها تنظيم الإضراب وإجراء المفاوضات واتخاذ القرارات بعد التشاور مع المضربين، وقرَّر أعضاء اللجنة الانسحاب من النقابات الرسمية الموالية للدولة، وتحويل اللجنة إلى نقابة مستقلة.

أما إضراب 2008 الذي بدأ في 6 أبريل، كان الأكبر والأكثر تأثيراً، وصاحبه زخمٌ شعبيٌّ وسياسيٌّ كبيرٌ، إذ أعلنت عدد من الحركات والأحزاب السياسية دعمها لانتفاضة العمال، واندلعت تظاهرات كبيرة في المدينة.

ورغم محاولات إخماد الإضراب من قبل نظام "مبارك"، إلا أن الأمر تحوَّل إلى انتفاضة شعبية وسط حالة سخط شديدة، وكان مثالاً صارخاً على التحام الشارع مع الحراك العمالي.

وكانت إضرابات عمال "المحلة" شرارة غضب حقيقية ضد "مبارك"، خاصة مع ما أعقبها من احتجاجات أمام مجلس الوزراء للمطالبة بتحسين أوضاع العمالة وزيادة الرواتب.

إضراب 2008 كان نقطةً فاصلةً في تحديد مدى قوة الحراك العمالي، خاصة مع انضمام القوى السياسية التي كانت ضعيفة لمواجهة نظام "مبارك" والتحمت مع العمال للتعبير عن رفض سياسات نظام "مبارك"، تعتبر الاحتجاجات العمالية فرصةً مناسبةً للحراك السياسي والشعبي على حد سواء في ظل إحكام القبضة الأمنية على الأحزاب بما يجعل أي حراك مُتنفَّساً للمعارضة، الانحياز الشعبي للعمال بما قد يتولّد عنه اتساع رقعة الحراك الشعبي.

الأهم في أي حراك عمالي هو وجود عملية تنظيم أفضل نسبياً من أي حراك للمعارضة السياسية، لناحية توافر أعداد يسهل تحريكها، وهي مؤثرة مقارنة بتظاهرات يُقدَّر عددها ببضع مئات من الشباب.

ويبدو أن النظام الحالي برئاسة السيسي يتخوّف من تكرار سيناريو الاحتجاجات العمالية في أواخر أعوام "مبارك"، بما قد يُحوّل هذا الحراك إلى انتفاضات شعبية ضده؛ سعياً لإزاحته عن الحكم.

آليات حكومية

إضعاف الحركة العمالية بَاتَ هدفاً لدى السيسي عبر مؤسسات الدولة المختلفة؛ خوفاً من تكرار انتفاضات "المحلة" والتأثيرات التي شجّعت كثيراً من عمال المصانع والشركات على الإضراب، واستخدم عدداً من الآليات لمواجهة أي حراك، وهي:

أولاً: التعامل الأمني:

يعتبر التعامل مع أي احتجاجات وإضرابات عمالية هو ملف أمني بامتياز، وهو ما يعكس تخوفات النظام الحالي والأنظمة السابقة من العمال وتأثيراتهم، إذ إن الذي يتحرّك في مواجهة أي إضرابات هي الأجهزة الأمنية وليس النقابات العمالية أو وزارة القوى العاملة أو جهات تنفيذية في الدولة، إذ ساهمت القبضة الأمنية في تراجع الاحتجاجات العمالية إلى 72 خلال الربع الأول من 2017 مقارنة بالأعوام السابقة.

وقال "طلال شكر" - نقابي عمالي -: إن الحراك العمالي تأثر سلباً نتيجة استخدام السلطات لسياسة القبض على العمال وتوجيه التهم إليهم، مشيراً إلى إصرار الدولة على إغلاق المجال العام.

وأضاف "شكر" في تصريحات سابقة، أن النظام لا يستطيع سحق الحركة العمالية نهائياً ولابد أن يكون هناك حراكٌ مقاومٌ غير معلن بدرجة ما داخل المصانع والشركات حسب الأوضاع، خاصة في ظل الارتفاع المستمر في الأسعار في ظل ثبات الرواتب.

ثانياً: عقاب قادة الإضراب:

وعمدت الأجهزة الأمنية إلى محاولة تفكيك الإضرابات من خلال القبض على عدد من قادة العمال؛ للضغط عليهم لفض الإضراب والعودة للعمل، وفي بعض الحالات يكون الاشتراط فصلهم عن العمل من قبل إدارة تلك الشركات والمصانع مقابل تنفيذ مطالب العمال؛ لتفكيك الحراك العمالي.

ثالثاً: اعتقالات ومحاكمات:

وبحسب تقرير لمؤشر الديمقراطية، فإنه يتم القبض على العمال والمحاكمات على خلفية الاحتجاج والتظاهر، كانت أحد أهم أسباب تراجع الحراك الاحتجاجي العمالي، بعد تعرُّض أكثر من 151 عاملاً بالمصانع والشركات للقبض والمحاكمات على خلفية التظاهر، منهم 27 من عمال الترسانة البحرية بالإسكندرية والذين تعرّضوا للمحاكمات العسكرية، إضافة لـ 27 من عمال شركة "إفكو"، فيما تم القبض على 55 عاملاً من الشركة المصرية للأسمنت، وتم التحقيق مع 8 عمال منهم، وتم القبض على 6 عمال ونقابيين من هيئة النقل العام؛ لتحريضهم على الإضراب وإخفائهم قسرياً ثم ظهورهم بأحد السجون المصرية، وكيلت لهم اتهامات الانتماء لجماعة محظورة والتحريض على الإضراب.

رابعاً: إضعاف التنظيم:

وكان أبرز تحركات النظام الحالي لتفكيك الحراك العمالي، هو إضعاف التنظيم من خلال عدم الاعتراف بالنقابات العمالية المستقلة، والتسويف في إصدار قانون الحريات والتنظيمات النقابية، وهذه الخطوات مخالفة للدستور الذي ينص على حرية التنظيم النقابي العمالي، إذ صدرت مذكرة غير رسمية من الحكومة بعدم الاعتراف بأي أختام للعمال باستثناء الاتحاد العام لعمال مصر.