هل بات حصار قطر عبئاً على السعودية والإمارات؟.. قراءة في دعوات التهدئة

هل بات حصار قطر عبئاً على السعودية والإمارات؟.. قراءة في دعوات التهدئة

02:07 ص

10-أغسطس-2017

دعواتٌ تُشير إلى أن حصار قطر بَاتَ عبئًا على السعودية والإمارات، لكنها لا تنفي احتمالات ونوايا التصعيد.

دعواتٌ غير مسبوقة انطلقت من داخل دولة الإمارات العربية المتحدة، مباشرةً وضمنيةً؛ للتهدئة مع قطر وإنهاء الأزمة الخليجية التي دخلت شهرها الثالث.

وعلى الرغم من صدور تلك الدعوات من شخصيات لا تتمتع بصفة رسمية أو مشاركة في السلطة، إلا أنها تبقى ذات حيثية كبيرة، ولا يُمكن فصل توجهاتها عن توجهات قادة الإمارات، وعلى رأسهم ولي عهد أبو ظبي الشيخ "محمد بن زايد".

فهل يُمكن فهم تلك الدعوات، التي تضمَّنت أيضًا مبادرات عملية، في إطار أن حصار قطر أصبح عبئًا على دول الحصار تسعى للتخلص منه، أم مجرد مناورة تكتيكية وتمهيد لمزيد من الخطوات التصعيدية ضد الدوحة؟.

مبادرة إماراتية "غير رسمية"

أولى تلك الدعوات شكَّلها المقال الذي نشره الأكاديمي الإماراتي "عبد الخالق عبد الله" الذي يُوصَف بأنه مستشار ولي عهد أبو ظبي، لموقع (سي إن إن) الأمريكي.

خلاصة المقال تكمن في فقرته الأخيرة التي يدعو فيها للحوار المباشر وحل الأزمة داخل البيت الخليجي، والتي يقول فيها: "من المهم بعد خصومة استمرت لأكثر من شهرين أن يبقى الموضوع القطري ضمن البيت الخليجي، ومن مصلحة دول مجلس التعاون إيجاد أرضية للحوار سريعًا، ومن المهم تفعيل دور الوسيط الكويتي حالاً".

اليأس من قبول أطراف الأزمة لتقديم تنازلات بَدَا واضحًا في المقال، لكنه كان دافعًا لتقديم مبادرة بخطوات عملية، أولها "الاتفاق على فترة من الصمت الإعلامي ووقف فوري للحملات الإعلامية التي انحدرت لهاوية غير مسبوقة من الفجور في الخصومة بمشاركة صحف وقنوات رسمية، ومواقع التواصل الاجتماعي وبدفع قوي من شخصيات خليجية رسمية ناطقة باسم حكوماتها".

وبموازاة تخفيف جرعة الاحتقان الإعلامي، يرى الكاتب أنه "يمكن للدول المقاطعة أن تتقدم بمبادرة تسمح بحرية انتقال الأفراد وإعادة الوضع على ما كان عليه قبل 5 يونيو الماضي" بدافع إنساني واجتماعي.

مبادرة التهدئة التي طرحها "عبد الله" تشمل أيضًا أن تعلن قطر انتهاء مرحلة التمارين العسكرية مع تركيا، وتقرر مع حكومة "أردوغان" البدء في مغادرة القوات التركية الأراضي القطرية.

المواقف الدولية للقوى الكبرى كان عاملًا حاسمًا في دعوة "عبد الله" لإنهاء الأزمة، حيث اعترف أن دول الحصار "تفاجأت بالموقف الأمريكي الملتبس، والموقف الأوروبي المتردد".

كما تضمن المقال اعترافاً ضمنياً بالخسائر التي منيت بها دول حصار قطر، في قول الأكاديمي الإماراتي: "لم تكن المقاطعة بدون ثمن للدول التي قرّرت المقاطعة، فبقدر ما انكفأت الدوحة إلى الداخل، وجدت الرياض والقاهرة وأبو ظبي والمنامة نفسها منهمكة في الموضع القطري بأكثر مما كانت تتوقع، وتشتت تركيزها السياسي والدبلوماسي بعيدًا عن ملفات وقضايا إقليمية ساخنة أخرى".

خسائر بالجملة للرياض وأبو ظبي

تلك الخسائر التي أشار إليها المقال، كانت متنوعة في مختلف الملفات والاتجاهات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية أيضًا.

دبلوماسيًا، خسرت دول الحصار، وخاصة السعودية والإمارات مواقف دولية مساندة لها خاصة أمريكا والاتحاد الأوروبي، فضلًا عن فشلها في حشد عربي قوي لقرارات الحصار، وتخلّى عنها حلفاء مثل السودان ودول المغرب الغربي.

سياسيًا، كشف تخلِّي قناة "الجزيرة" - التي تتمتع بأعلى نسب مشاهدة لقنوات إخبارية عربية - عن محاذيرها في تناول الشأن الخليجي النقابَ عن سوءات وأزمات داخلية عدة داخل السعودية والإمارات تحديدًا.

اقتصاديًا، حذّرت عدة تقارير من خطورة استمرار الأزمة، أحددثها تحذير "بيل وينترز" - الرئيس التنفيذي لبنك "ستاندرد تشارترد" - الذي قال: إن المقاطعة التجارية التي تفرضها دول عربية على قطر، ومن بينها السعودية والإمارات، تهدد بتقويض وضع دبي باعتبارها مركزًا ماليًا.

وبرزت دبي، باعتبارها المركز الرئيس للخدمات المصرفية بالمنطقة بعد إنشاء مركز دبي المالي العالمي في 2004، وهو منطقة مستقلة تتميز بانخفاض الضرائب، ويضم نحو 400 شركة للخدمات المالية، من بينها 17 من أكبر 20 بنكًا في العالم، مع حوافز تتضمن إعفاءات من الضرائب لمدة 50 عامًا على دخل الشركات وأرباحها.

لكن الأزمة الدبلوماسية مع قطر قد تجعل الأمر أكثر صعوبة على البنوك العالمية؛ لاتخاذ دبي قاعدة لتغطية الغالبية العظمى من أنشطتها في منطقة الخليج.

في يونيو الماضي، قالت وكالة "بلومبيرج" الاقتصادية الأمريكية: إن شركات كبرى بدول حصار قطر فقدت معاملاتها التجارية في السوق القطرية.

المقاطعة الاقتصادية دفعت منتجي المواد الغذائية في قطر للجوء إلى موردين جدد؛ لتأمين الطلب على الغذاء قاموا بزيادة صادراتهم لهذا البلد بشكل كبير، كما التزمت الشركات القطرية بإجراءات لتزويد الأسواق بالمواد الغذائية اللازمة.

وتستورد قطر 80% من احتياجاتها الغذائية عبر جيرانها الخليجيين، الأمر الذي كان يشكل مصدر إيرادات مهم للشركات في الدول المقاطعة، وكذا آلية لتسويق الإنتاج الغذائي والزراعي.

وتوجهت قطر نحو أسواق بديلة، في مقدمتها تركيا وإيران وسلطنة عُمان واليونان والهند وغيرها.

التقرير أشار إلى أن شركة الخليج للسكر - أكبر مصفاة للسكر في العالم، الموجودة في الإمارات - هي من أبرز الخاسرين من جراء الحصار، وشرح أن المملكة العربية السعودية والإمارات توقفتا عن تصدير السكر الأبيض إلى قطر.

كما تعتمد شركة "المراعي" السعودية على دول الخليج بأكثر من ربع إيراداتها، على الرغم من أن حصة قطر غير معروفة، وانخفضت الأسهم الى المستوى الأدنى منذ أكثر من ثمانية أشهر في 5 يونيو الماضي عندما بدأت الازمة.

لائحة الخاسرين تضم شركة "دريك آند سكل" العالمية، التي تتخذ من دبي مقراً لها، والتي فقدت أكثر من 10% من قيمتها السوقية هذا العام، ولديها حوالي 500 مليون درهم (136 مليون دولار) من المشاريع في قطر.

وكان لدى الشركة عقد بقيمة 343 مليون درهم لبناء المرحلة الأولى من مترو الدوحة المقرر أن يكتمل بحلول عام 2020.

كما تمتلك شركة "أرابتك" القابضة (ش.م.ع) التابعة للإمارات مشروعين مشتركين في قطر، في انتظار القضايا القانونية والمستحقات.

بالإضافة إلى أن شركة "داماك" العقارية — دبي، بدأت الشهر الماضي في بناء برج سكني فاخر مكون من 31 طابقاً، كما تقوم بتطوير مبنيين شاهدين آخرين في قطر.

وقد يواجه "فيرست أبو ظبي" وبنك الإمارات دبي الوطني، تباطؤًا في مشاريع الأعمال القادمة من قطر، فقد تصيب النتائج الودائع والقروض، ذلك أن العملاء القطريين أو المقيمين في قطر قد يسحبون الودائع من هذين المصرفين، نتيجة عدم اليقين حول القرارات الحكومية بشأن تجميد الحسابات وما إلى ذلك.

كما تشمل لائحة الخاسرين أيضاً شركة "دكسب إنترتينمنت" التي تتخذ من دبي مقرًا لها؛ نظراً لكون هيئة الاستثمار القطرية ثاني أكبر مساهم فيها.

الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها السعودية وما تحمله من تداعيات على تعثر الشركات العاملة في المملكة، ومعاناة العمالة الأجنبية، بحسب تقرير لموقع "ميدل آي إيست" البريطاني آخر يوليو الماضي.

يزداد الأمر حدة مع تورط التحالف الذي تقوده الرياض وتشارك فيه الإمارات في الصراع اليمني، وعدم قدرته على حسم الأوضاع على الأرض، بل وامتداد العمليات الانتقامية إلى داخل الأراضي السعودية.

كما تشهد المملكة أمرًا غير مسبوق، وهو المواجهات المسلحة بين الدولة ومواطنيها في قرية "العوامية" ذات الغالبية الشيعية شرق المملكة، والمحاصَرة منذ 3 أشهر، والتي بدأت وسائل الإعلام الدولية والمنظمات الحقوقية تكسر حاجز الصمت والتعتيم المفروض على ما يحدث بداخلها.

حقيقة أم مناورة؟

"من الآن فصاعدًا لن أتحدث عن قطر المعزولة حتى يتغيّر حكمها.. لدي ما هو أهم من التغريد عن بلد فاشل خليجيًا وعربيًا وإسلاميًا"، كانت هذه تغريدة لنائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي الفريق "ضاحي خلفان".

حيثية الرجل وقربه من دوائر صنع القرار في الإمارات، تُضفي مزيدًا من الأهمية لتصريحاته ومواقفه المختلفة، خاصة ما يتعلق منها بقطر والأزمة الخليجية.

وعلى الرغم من أن التحليل المبدئي للتغريدة تصب في خانة وجود توجيهات ما من قادة الإمارات بتهدئة الوضع، ورغبة في إنهاء الأزمة، إلا أنها تحمل في طياتها أيضًا نوايا للتصعيد.

"قطر المعزولة" و"يتغير حكمها".. تُوحي بأن هناك المزيد من الخطوات التصعيدية التي تنوي دول الحصار اتخاذها ضد قطر نحو مزيد من محاولة عزلها عن محيطها الخليجي.

يُعزِّز من هذا الاحتمال، رفض دول الحصار حتى الآن الدعوة الأمريكية بالجلوس على مائدة الحوار المباشر مع الدوحة، فضلًا عن عدم اتخاذ إجراءات فعلية على الأرض تخفف من حدة الحصار.

آخر إرهاصات هذا التصعيد، ما شهدته أزمة حجاج قطر، التي اتهمت فيها المملكة بمحاولة منع القطريين والمقيمين في قطر من أداء مناسك الحج، وتسييس هذه الشعيرة بفرض المزيد من العقبات والعوائق أمام طريق هؤلاء إلى الأراضي المقدسة.

كما يقود استمرار الحملات الإعلامية المناوئة لقطر على وسائل الإعلام التابعة للسعودية والإمارات، إلى ربما عدم وجود رغبة صادقة لديهما في التهدئة.