إلغاء تأشيرات 80 دولة.. هكذا استوعبت قطر «درس الاقتصاد» بمصر والسعودية (تحليل)

إلغاء تأشيرات 80 دولة.. هكذا استوعبت قطر «درس الاقتصاد» بمصر والسعودية (تحليل)

04:13 ص

10-أغسطس-2017

ينطوي إلغاء قطر لتأشيرات الدخول الخاصة بمواطني 80 دولة حول العالم على أبعاد اقتصادية تتعلّق باستهداف "تنويع الموارد"، وهي أبعاد ذات تأثير سياسي، في ظل الأزمة الخليجية الراهنة، واستهداف السعودية لتنويع اقتصادها بآلية أخرى ترتكز على "السعودة".

منذ إذاعة خطاب أمير قطر "تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني" إزاء الأزمة الخليجية، وتوقعات المراقبين تتجه إلى "نهجٍ جديدٍ" تستعد الدوحة لاعتماده في إدارته لشأنها السياسي والاقتصادي.

الأمير خصَّص جزءاً هاماً من الخطاب عن "الدروس" التي استخلصها من صدمة المقاطعة الأولى وآثارها على اقتصاد بلاده، إذ صارت الدوحة فجأةً مضطرةً إلى تدبير احتياجات السكان المعيشية من خارج مصادرها التقليدية، التي كانت تمُرّ غالباً عبر دول الخليج العربي، خاصة المملكة العربية السعودية.

تحدَّث "تميم" عن ضرورة "تنويع الاقتصاد القطري" بعيداً عن أحادية قطاع الغاز إنتاجاً، ومركزية الاعتماد على السوق الخليجي استهلاكاً، وهو ما اعتبره محللون مؤشراً إلى اتجاه قوي لمراجعة الدوحة لسياساتها الاقتصادية في المرحلة المقبلة.

 وجاء قرار إعفاء مواطني 80 دولة من تأشيرة الدخول إلى الدوحة، حاملاً الكثير من تفاصيل الأبعاد السياسية والاقتصادية للمراجعة القطرية، إذ أكّد مدير إدارة جوازات المطار العقيد "محمد راشد المزروعي" أن لبنان هي الدولة العربية الوحيدة المشمولة بالقرار.

تنويع الاقتـصاد

هذا يعني أن الدولة العربية ذات النفوذ الإيراني، متمثلاً في "حزب الله" ومشاركته بالسلطة، ستحظى بالمزية السياحية القطرية حصراً، وأن جميع دول المقاطعة (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) ليست مشمولة بالقرار القطري.

ومن شأن ذلك أن يُسهم بشكلٍ كبيرٍ في تعزيز السياحة بدولة قطر والتعريف بها كواجهة سياحية حديثة على خارطة العالم، باستهداف يصل إلى 9 ملايين زائر عام 2020، وهو عددٌ يقترب من ضعف عدد السياح في دولة ذات إمكانيات تراثية ضخمة كمصر، وفقاً لإحصائية وزارة السياحة الرسمية.

وبتحقُّق هكذا هدف، يكون الاقتصاد القطري قد بدأ مرحلة "التنويع" سالفة الذكر؛ ليتحول القطاع السياحي قريباً إلى أحد أهم موارده الحيوية، لكن من دون تكرار أخطاء دول عربية أخرى، ركّزت تسويقها باتجاه جغرافي واحد، فلم تحصد سوى التبعية السياسية.

الدرس المصري

ويبدو أن الحالة المصرية كانت ماثلةً أمام صانع القرار القطري، حيث تُعاني القاهرة حالياً نقصاً كبيراً بمواردها جراء التراجع الكبير بالقطاع السياحي جراء تأثر الحالة الأمنية بمركزية الاعتماد على سوق السياحة الأوروبي.

وكانت الدوحة قد ارتكبت الخطأ ذاته، لكن باتجاه محيطها المباشر، حيث تُشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الأغلبية العظمى من عدد السياح في قطر تنتمي إلى دول الخليج العربي.

ومن هنا جاء تصريح مدير إدارة جوازات مطار "حمد" الدولي العقيد "محمد راشد المزروعي" بأن "اختيار الجنسيات المعفاة من تأشيرة دخول قطر جاء بناء على نوعية المسافر، سواء من الناحية الأمنية والاقتصادية، وتجربة وزارة الداخلية مع تلك الجنسيات في مطار حمد منذ افتتاحه"، بما لا يجعلها مقصورة على اتجاه جغرافي بعينه.

وبحسب القرار القطري، فإن الجنسيات المعفاة من التأشيرة تنقسم إلى مجموعتين، الأولى تتكوّن من 33 جنسية تحصل على إعفاء ساري لمدة 180 يوماً من تاريخ الإصدار ويُسمح لحاملها بالبقاء في دولة قطر لمدة 90 يوماً خلال زيارة واحدة أو عدة زيارات، والثانية تتكوّن من 47 جنسية تحصل على إعفاء ساري لمدة 30 يوماً من تاريخ الإصدار، وهو قابل للتجديد لمدة 30 يوماً أخرى، ويُسمح لحامله بالبقاء لمدة 30 يوماً من خلال زيارة واحدة أو عدة زيارات.

الأثر السياسي

وكلما نجحت قطر في خطتها القائمة على تنويع مصادر الدخل ولا مركزيتها كلما صَبَّ ذلك في تحقيق أهدافها السياسية إزاء حصار الدول الأربعة، عبر نزع فتيل قيمته الاقتصادية مستقبلاً، بما يُفضِي في النهاية إلى خسائر اقتصادية مضادة لدول الحصار وشركاتها، مع تزايد واردات ومتطلبات قطر لسد احتياجات السياحة الوافدة إليها.

ومن شأن نجاح جذب الدوحة لـ 9 ملايين سائح عام 2020 ضمان نجاح تنظيمها لكأس العالم 2022 من الناحية الجماهيرية، الأمر الذي يُعزِّز من النجاح السياسي للدولة الصغيرة التي اقتنصت تنظيم أهم حدث رياضي في العالم، وهو الحدث الذي حاولت دول الحصار مراراً إبعادها عنه دون جدوى.

وبإضافة الاتجاه القطري للتوسُّع في إصدار تأشيرات "إقامة دائمة" للأجانب المقيمين بالدوحة، تتمتع بكافة المزايا الخدمية الخاصة بالمواطنين، يمكن استنتاج اتجاه الدوحة إلى "تعزيز انفتاحها" السياسي والاقتصادي كركيزة أساسية في المراجعة التي أشار إليها الأمير "تميم" في خطابه.

وبموجب القانون القطري الجديد، سيكون من حقّ حاملي تأشيرات الإقامة الدائمة التملُّك العقاري وممارسة الأنشطة التجارية دون شريكٍ محلي، فضلاً عن التقدُّم للوظائف العسكرية والمدنية في الدولة.

وبربط هذا القانون بقرار إعفاء التأشيرات لمواطني 80 دولة، يُمكن القول بأن قطر تستهدف زيادة غير مسبوقة في أعداد الزائرين والمقيمين، بل و"المُجنَّسين" فيما بعد، بما يُؤشِّر إلى محاولة جادة لتعويض صغر حجمها الجغرافي بتعظيم قيمة العنصر البشري لديها كمَّاً وكيفاً.

الانفتاح والسعودة

ولما كان أغلب الأجانب في دول مجلس التعاون الخليجي الست بحاجة إلى كفالة السكان المحليين من أجل الاستقدام والعمل، فإن القرارات القطرية الأخيرة من شأنها اجتذاب نسبة كبيرة منهم، بما يُمثِّل قيمةً مضافةً للدوحة مخصومةً من رصيد الرياض وأبو ظبي والمنامة والقاهرة.

ثمَّة اتجاه سعودي، في المقابل، يحمل الشعار ذاته (تنويع الاقتصاد) لكن بآلية مختلفة ترتكز على "سعودة" الوظائف وتقليل عدد الأجانب (رؤية المملكة 2030 التي أعلنها ولي العهد الحالي، الأمير "محمد بن سلمان")، بما يعني أن مدى نجاعة أي من المشروعين ستتوقّف على تحقيق الهدف عبر أي من الآليتين.

بتعبير آخر: هل ستنجح السعودية في تنويع اقتصادها عبر "السعودة" أم ستنجح قطر في ذلك عبر "الانفتاح والتجنيس"؟.

لا إجابة مطلقة في ظل مرور ساعات قليلة على صدور التوجهات القطرية الجديدة، لكن المؤكّد أن توجه "السعودة" يُعاني مشكلات عديدة بالمملكة، بينها "التوطين الوهمي" للوظائف، فيما تُقدِّم الاستفادة القطرية من "الدرس المصري" مؤشراً على تكرارها قياساً على التجربة السعودية، وحينها لن يكون حصار الدول الأربعة سوى الطعنة التي ارتدت إلى صدر صاحبها، بحسب مراقبين.