كيف تُمرّر الحكومة القرارات الاقتصادية الصعبة؟.. 5 مراحل من وحي أزمة التموين (تحليل)

كيف تُمرّر الحكومة القرارات الاقتصادية الصعبة؟.. 5 مراحل من وحي أزمة التموين (تحليل)

08:05 ص

10-أغسطس-2017

يُركّز النظامُ المصري الحالي على اتباع خطواتٍ مُحدَّدةٍ من أجل تمرير إجراءات اقتصادية صعبة، وهو ما يتم إتباعه بشكلٍ أساسي في زيادة الأسعار ورفع الدعم، وهو ما تحقَّق أخيراً في قرار تحديد الفئات المُستحقة لبطاقات التموين.

عمد النظام الحالي إلى اتباع أسلوبٍ مُوحَّدٍ في تمرير القرارات الصعبة والإجراءات التقشفية التي تُؤثِّر سلباً على الأوضاع المعيشية للمواطنين خلال الفترة الماضية.

وبدأ النظام الحالي برئاسة عبد الفتاح السيسي إلى اتخاذ خطوات تجاه رفع الدعم بشكل تدريجي في إطار خطة على مدار خمس سنوات، تحت دعوى تطبيق "إصلاح اقتصادي".

مزاعم الحكومة في تنفيذ إصلاح اقتصادي يزيد من الضغوط الاقتصادية على قطاع كبير من المواطنين، في ظل عدم اكتراث بتلك التأثيرات على الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل، فضلاً عن تآكل الطبقة الوسطى.

وأعلنت الحكومة عن زيادة أسعار الوقود والكهرباء والمياه في إطار تقليل الدعم، ولكنها لم تتوقّف إلى هذا الحد، ولكنها قامت أيضاً بإصدار قرار بتحديد المستحقين بالحصول على بطاقات التموين.

القرار الحكومي حدَّد أن رَبَّ الأسرة الذي يصل راتبه الشهري إلى 1500 جنيه لا يستحق الحصول على التموين؛ بما يعني حذفه من منظومة الدعم.

وأصدر وزير التموين الدكتور "علي مصيلحي" قراراً بتحديد الفئات المستحقة للدعم، فالموظفين الذي يتقاضون أكثر من 1500 جنيه لن يكونوا مُسجَّلين في المنظومة، وشملت الفئات المستحقة الأرامل والمطلقات والمرأة المعيلة وأصحاب الأمراض المزمنة وذوي الاحتياجات الخاصة ومستحقي الضمان الاجتماعي، وحاملي مؤهلات دراسية ولكنه بدون عمل، والعمال بحد أقصى دخل شهري 800 جنيه.

ولكن ما هو الأسلوب الذي تستخدمه الحكومة لتمرير هذه القرارات الاقتصادية "المؤلمة والقاسية" - على حد وصف السيسي نفسه في أكثر من مناسبة عامة -؟.

جس النبض

أول مرحلة في تمرير أي قرارات اقتصادية صعبة تتمثَّل في محاولة "جَسّ نبض" الشارع المصري، من خلال إطلاق شائعات في صورة أخبار في عدد من وسائل الإعلام، حول القرار الذي تُريد الحكومة اتخاذه.

وخرجت أخبار كثيرة على مدار الأشهر الماضية وتحديداً منذ نهاية العام الماضي، تتحدَّث عن حذف أعداد كبيرة من المسجلين في بطاقات التموين؛ باعتبارهم من غير مستحقي الدعم.

وفي نوفمبر الماضي، وبينما كانت تُواصل اللجنة الحكومية الخاصة تنقية بطاقات التموين من غير المستحقين، قال مصدر مُجهَّل بوزارة التموين والتجارة الداخلية: إن عمليات التنقية الجارية للبطاقات التموينية من غير المستحقين من شأنها حذف المسافرين، والأسماء المكررة، والمتوفين، بما يُوفّر مليون بطاقة تموينية، من أصل 20 مليون بطاقة تخدم 71 مليون مواطن.

وأضاف المصدر، أنه من المقرر أن تحسم النتائج النهائية في هذا الملف خلال ٣ أشهر، مُرجّحاً أن يتم حذف ما يقرُب من 40% من البطاقات الحالية.

في تلك الفترة لم يكن هذا الحديث دخل حيز التنفيذ في مسألة حذف بعض البطاقات من منظومة، ولم يصدر عن وزارة التموين قرارٌ رسميٌّ حول أعداد المستحقين للدعم.

التمهيد

المرحلة الثانية في خطة تمرير حذف عدد من بطاقات التموين، كان التمهيد من خلال تصريحات خرجت من مسؤولين حكوميين وأعضاء بمجلس النواب، بضرورة وصول الدعم لمستحقيه واستثناء القادرين والأغنياء من وضع أسمائهم في منظمة الدعم.

البداية كانت مع تنقية بطاقات التموين من خلال حذف المتوفين والأسماء المكررة، وناشدت الوزارة المواطنين التوجه لمكاتب التموين في كافة أنحاء الجمهورية، اعتباراً من 1/12/2016 وحتى 28/2/2017؛ وذلك لخصم الأفراد المقيدين على البطاقات التموينية من غير المستحقين.

وأوضحت أن قائمة غير المستحقين تشمل "حالات الوفاة وازدواج الصرف والسفر للخارج لمدة تزيد عن ستة أشهر أو لأي سبب آخر".

وأكّد وزير التموين والتجارة الداخلية السابق "محمد علي مصيلحي" أن الهدف من عمليات تنقية البطاقات التموينية المطلوبة، هو ضمان توجيه الدعم لمستحقيه وللفئات الأكثر احتياجاً والأولى بالرعاية.

وكانت مرحلة حذف بطاقات التموين شملت خفض عدد المستفيدين من 84 مليون مواطن إلى 70 مليون مواطن، بحسب وزير التموين السابق.

وبحسب مصادر بوزارة التموين، فإنه سيتم تقليص عدد مستحقي الدعم إلى 30 مليون مواطن من أصل 70 مليوناً، ويبقى أنه سيتم حذف 40 مليون مواطن دفعة واحدة، في إطار خطة لتنقية بطاقات التموين على ثلاث مراحل.

وعـود

وسبق تمرير تحديد الفئات المستحقة بالدعم، إطلاق وعود من السيسي خلال الفترة الماضية باتخاذ إجراءات حمائية للطبقات الفقيرة تزامناً مع رفع الدعم عن المواد البترولية والكهرباء؛ بدعوى مساعدة المواطنين على تحمُّل الإجراءات الاقتصادية الصعبة.

وفي شهر يونيو الماضي، أعلن السيسي عن زيادة مخصصات التموين إلى 50 جنيه للفرد بدلاً من 21 جنيهاً شهرياً بداية من تموين شهر يوليو 2017.

ويَبرُز أن أغلب الإجراءات التي تتخذها الحكومة في إطار محاولة رفع المعاناة عن المواطنين يُعلنها السيسي رغم أنها في صلب عمل الحكومة والوزارات المعنية، في حين تتحمَّل الوزارة تبعات قرار حذف المواطنين من بطاقات التموين.

نفي رسـمي

وقبل أيام على قرار تحديد الفئات المستحقة للحصول على بطاقات التموين، نفت وزارة التموين والتجارة الداخلية صحة ما نقله برنامج "كلام في الفلوس" على قناة "صدى البلد" عن إلغاء بطاقات التموين لمن يزيد دخله عن 1500 جنيه.

وأكّدت الوزارة، في بيان لها، أن 70 مليون مواطن مُقيدون على بطاقات التموين يصرفون مستحقاتهم الشهرية بانتظام دون النظر إلى معايير الدخل التي لا تزال قيد البحث من قبل اللجنة الوزارية للعدالة الاجتماعية.

وأهَابَتْ وزارة التموين بوسائل الإعلام الوطنية تَحرِّي الدقة وعدم نقل شائعات تتعلّق بالأمن الغذائي والاجتماعي.

ويبقى أن النفي الرسمي لاتخاذ قرارات معينة تتعلّق بزيادة الرسوم أو الضرائب أو رفع الدعم، بَاتَ وسيلةً للتأكيد لدى المواطنين بصحة الأنباء المتداولة، خاصة وأن هذا الأمر تكرَّر في أزمة رفع أسعار الوقود والكهرباء والمياه أخيراً.

ولكن ليست المرة الأولى التي تخرج فيها أنباء عن حذف أصحاب الدخول تصل إلى 1500 جنيه خلال نوفمبر الماضي، وخرج نفي رسمي من وزارة التموين.

التنفيذ

وتبيَّن من خلال تتبع الأخبار المنشورة منذ نهاية العام الماضي، أن الحكومة كان لديها نية مُبيَّتة في تطبيق القرار ولكن كانت رغبة في التمهيد لهذه الخطوة، دون اتخاذها بشكلٍ مفاجئ بما يُثير خلافات وحالة غضب شديدة لدى المواطنين.

ويتفاجأ المواطنون باتخاذ قرارات تمَّ نفيها بشكلٍ رسمي خلال الفترات السابقة ويبقون أمام الأمر الواقع، وهو ما صدر في الجريدة الرسمية أخيراً.