بعد مكالمته الهاتفية لأهاليها.. هل يشعر السيسي بالخطر من «أزمة الوراق» أم يسعى لتسكينها؟.. «تحليل»

بعد مكالمته الهاتفية لأهاليها.. هل يشعر السيسي بالخطر من «أزمة الوراق» أم يسعى لتسكينها؟.. «تحليل»

06:00 ص

11-أغسطس-2017

ربما شعر السيسي بالخطر جراء تفاقم أزمة جزيرة الوراق وتداعياتها المحتملة فتراجع، أو أنه ماضٍ في طريقه لكنه يسعر لتسكينها مؤقتًا.

مكالمة مفاجئة، حسبما أوردت وسائل إعلام، أجراها الرئيس عبدالفتاح السيسي بعدد من أهالي جزيرة الوراق، خلال اجتماعهم الثلاثاء باللواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل المكالمة بين مصدر وآخر، إلا أنها إجمالًا طمأنت الأهالي، ووضعت حدًا ولو مؤقت لأزمة دامية، شهدتها الجزيرة النيلية فور بدء أجهزة الأمن في هدم ما قيل إنه عقارات مخالفة.

الأحداث تطورت بشكل دراماتيكي، حتى أسفرت عن مقتل شاب من الأهالي وإصابة آخرين، والقبض على 19 تظاهروا لرفض التهجير من الجزيرة لصالح بناء مشؤوع استثماري ضخم.

فهل تراجعت السلطة عن مخططها بعد شعور السيسي بالقلق نتيجة تداعيات الأزمة، أم أنها هدنة تكتيكية لتهدئة الأمور، أم محاولة السيسي استغلالها لصالحه خاصة مع تزايد الحديث عن تعديلات دستورية تفضي لاستمراره في الحكم؟.

تفاصيل متضاربة للمكالمة

وقبل الخوض في دلالات اللقاء والمكالمة، كان لافتًا التضارب الواضح في التفاصيل التي نقلتها وسائل الإعلام المختلفة عما جرى خلال حديث السيسي للأهالي.

الإعلامي أحمد موسى، قال خلال حلقة من برنامجه، إن السيسي استمع لشكاوى الأهالي وتخوفاتهم، ثم تحدث إليهم وطمأنهم، مؤكدًا أن المكالمة طمأنت الجميع "وأخمدت الفتنة التي حاول البعض إشعالها للنيل من الدولة".

"موسى" أكد أن السيسي تعهد للأهالي بحل جميع مشاكلهم، ووعدهم بعدم مصادرة أراضيهم أو مغادرتهم للجزيرة، بل أن الدولة "مهتمة بتنمية وتطوير هذه المنطقة وستقوم بإنشاء مساكن تليق بهم".

كما أشار إلى أن "كامل الوزير" عرض على أهالي الجزيرة عددًا من الحلول والاقتراحات من بينها الحصول على مساحة معينة من الجزيرة لإنشاء محور روض الفرج الجديد، إضافة إلى الاتفاق على عدم إنشاء أي مبانٍ على مساحة الـ30 مترًا على شاطئ النيل نهائيًا.

مضمونًا آخر لتفاصيل المكالمة نقله يحيى الشحات رئيس المجلس المحلي السابق لجزيرة الوراق، حيث قال في تصريحات متلفزة، إن الكلمة التي وجهها السيسي للأهالي هي: "متخافوش وانتم أهلي ومفيش مواطن هيتضرر"، دون مزيد من التفاصيل.

الجزئية الأكثر خطورة وأهمية لم تكن في المكالمة، بل في المفاوضات التي أجراها الوزير مع الأهالي.

"الشحات" قال إن الوزير عرض على الأهالي 200 ألف جنيه تعويضًا عن المباني المُزالة لكنهم طلبوا المزيد، فاتفق على أن تعين لجنة لتقييم سعر الأراضي وتحديد قيمة التعويض بناء على تقريرها.

بعدها طلب الأهالي من "الوزير" أن "تُبنى مساكن لهم قبل الخروج من الجزيرة حتى يطمئنوا"، الأمر الذي يعني ضمنيًا موافقة الأهالي على الخروج مقابل مساكن بديلة.

الرواية الثالثة نقلها "سيد محمد إبراهيم" محامي أهالي الجزيرة، حيث حضر اللقاء مع الوزير، وقال إن السيسي أبلغ المواطنين بأنه "لا إزالة لمنازل الجزيرة، ولكن الإزالة ستكون للمنازل المُخالفة فقط".

وفي هاتفية لبرنامج تليفزيوني، نقل "إبراهيم" عن السيسي قوله للأهالي: "يا جماعة إحنا عمرنا ما هنيجي على أهلنا في التطوير، وده التزام دولة".

هذا التضارب الواضح في الروايات التي تنقل ما جرى، يزيد من حالة الغموض التي تغلف الأزمة، منذ تراجع أجهزة الأمن عن تنفيذ الإزالات عقب الاشتباكات الدامية التي جرت صباح 16 يوليو الماضي.

فهل وافق الأهالي فعلًا على الخروج من الجزيرة مقابل تسكينهم خارجها، أم أنهم صمموا على البقاء، وهل طلبت السلطة منهم الخروج أن تعهدت لهم بالبقاء فيها؟.

ثمة إجابة يمكنها أن تحسم موقف الأهالي تكشفها قائمة المطالب التي سلموها للواء كامل الوزير خلال اللقاء، والتي تضمنت العديد من الحلول المقترحة من جانبهم لحل الأمة، وفيها تأكيد على قبول أي طرح إلا خروجهم من الجزيرة.

لماذا كامل الوزير؟

وبعيدًا عن مكالمة السيسي، فإن الأمر الذي يلفت الأنظار للوهلة الأولى هو اجتماع رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالأهالي، فبأي صفة يلتقيهم لبحث مطالبهم وإنهاء الأزمة، رغم أن الأرض ملك للدولة، وفق تأكيدات السيسي قبل ذلك بفترة؟.

الإعلامي المقرب من دوائر السلطة أحمد موسى، قال إن اللقاء جرى بعد تكليف مباشر من الرئيس عبدالفتاح السيسي، الأمر الذي يثير التساؤلات حول اختياره هذه الشخصية بعينها، والاعتبارات التي دفعته لذلك.

ربما لا تخرج محاولة تفسير الأمر عن عدة احتمالات:

أولها :ما يمكن أن تحظى به القوات المسلحة من احترام وتقدير وثقة لدى قطاعات شعبية واسعة، خاصة بعد الاشتباكات الدامية التي تورطت فيها الشرطة، وعدم الثقة بين المواطنين من جهة والأجهزة المحلية والتنفيذية من جهة أخرى كالمحافظة والحي والمجلس المحلي وغيرها.

الاحتمال الثاني: يقود إلى أن الهيئة الهندسية هي المسؤولة عن عملية التطوير التي تنوي الدولة تنفيذها في الجزيرة، سواء بالشراكة مع جهات أجنبية أو غيره، وهو ما يأتي امتدادًا لتغول الهيئة كغيرها من الإدارات التابعة للجيش في المشروعات المدنية الكبرى على مدار السنوات الماضية.

أما الاحتمال الثالث: فيرجع إلى السيسي نفسه الذي ربما لا يثق في أحد من خارج المؤسسة العسكرية، التي ينتمي إليها، فيتجه إلى تكليف قادتها بتولي بعض الملفات ذات الحساسية، كقضية جزيرة الوراق.

الرئيس يشعر بالخطر!

ويبدو اتصال السيسي في حد ذاته مليئًا بالدلالات، وفي الوقت نفسه يخضع لاحتمالات تحمل في طياتها تفسيرات عدة لهذا الموقف، لكنه إجمالًا يعبر عن محاولة من قبل السلطة للتهدئة.

الاحتمال الأول أن تعهدات السيسي لأهالي الوراق بعدم إخراجهم من الجزيرة، كما سبق التوضيح، تشكل تراجعًا عن موقفه السابق بشأن الرؤية التطويرية لها.

ففي 7 يونيو الماضي، ألمح السيسي إلى الجزيرة في خضم حديثه" width="100%" height="315"> عن ضرورة إخلاء جزر نهر النيل طبقًا للقانون، قائلًا: "في جزيرة موجودة وسط النيل مساحتها أكتر من 1250 فدان مش هقول اسمها وابتدت العشوائيات تبقى وسطها..".

بعدها بأيام كشفت مصادر حكومية أن السيسي كلف وزارة الإسكان وهيئة التخطيط العمراني بإعادة إحياء مخطط تطوير الجزر النيلية الذى تم إعداده عام 2010، على أن تكون البداية جزيرة الوراق بالجيزة، بحيث تصبح مركزًا كبيرًا للمال والأعمال.

تلك التوجيهات قالت تقارير إعلامية إنها بداية مشروع حكومي لإخلاء بعض الجزر ذات المواقع المميزة من سكانها ومنح الأراضي لمستثمرين مصريين وعرب بعد توحيد ولاية التصرف في هذه الأراضي لصالح وزارة الإسكان أو الجيش.

التراجع المحتمل هنا مبعثه ربما شعور السيسي بالخطر الذي يمكن أن تكون أحداث الوراق مجرد بداية له، خاصة مع نوايا حكومية لسلك النهج ذاته مع جزر نيلية أخرى مثل جزر: الدهب، القرصاية، محمد، وبين البحرين.

مكمن الخطورة هنا يبدو في الربط بين ما تريده الدولة من الجزيرة، وما حدث في أزمة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، الأمر الذي من شأنه مراكمة مشاعر الغضب التي تتسرب في أوساط مؤيدي السيسي، مدفوعة بأزمة اقتصادية لم تشهد لها مصر مثيلًا.

تسكين مؤقت أم قلب للموازين؟

السيناريو الثاني الذي قد يفسر الاتصال الذي أجراه السيسي بأهالي الوراق، هو سعي دوائر مختلفة في السلطة إلى تسكين الأزمة ولو بشكل مؤقت، تجنبًا لإثارة غضب الأهالي أكثر وحالة التضامن الشعبي الواسعة مع مطالبهم.

يعزز من هذا التوجه أن تسكين الأزمات من خلال التصريحات والكلمات العاطفية والوعود، تبدو صفة ملازمة وربما نهج ثابت للسيسي على مدار أعوام حكمه الثلاثة، في ظل غياب تام للحلول.

ولم تكن دعوات الصبر والتقشف وحملات جمع التبرعات المتتالية التي طالب بها وتزعمها السيسي خلال الفترة الماضية، سوى مسكنات لتجنب آلام الأزمات التي حاصرت المصريين في عهده.

أما الاحتمال الثالث فيشير إلى محاولة من السيسي لاستغلال الأزمة لصالحه وتحويلها من مصدر قلق إلى نقطة قوة، يوحي من خلالها أنه ينحاز إلى المواطن ويرفض التنكيل به، ويسعى جاهدًا لحل أزماته.

هذا السيناريو الرائج، ربما تزيد منطقيته مع تكاثر الحديث خلال الأيام الماضية عن اتجاه مثير للجدل لإجراء تعديل دستوري يزيد مدة ولاية رئيس الجمهورية إلى 6 سنوات بدلًا من 4، وما يشوبه من معضلة دستورية.

وليس بعيدًا عن ذلك، كثرة الحديث أيضًا عن قرب انتخابات رئاسة المهورية في 2018، ونية السيسي الترشح لفترة ثانية وما أثير عن وجود منافسين أقوياء له أمثال الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء الأسبق، والفريق سامي عنان رئيس أركان الجيش الأسبق.

هنا تكون المحاولة بمثابة تقرب من الشعب لزيادة رصيد يتآكل بشكل مستمر، وسط تفاقم الأزمة الاقتصادية وانكشاف زيف الوعود البراقة بتحسن الأحوال المعيشية.