هل تُحيي تغريدات «ابن فهد» الخلافات المكتومة بين السعودية والإمارات؟

هل تُحيي تغريدات «ابن فهد» الخلافات المكتومة بين السعودية والإمارات؟

08:00 ص

11-أغسطس-2017

هجوم ضاري يقوده أحد أفراد الأسرة المالكة السعودية، في أوج علاقات منسجمة مع الإمارات، ربما تهدد بإشعال خلافات مكتومة.

في البداية ظن كثيرون أن حسابه الرسمي على تويتر قد تم اختراقه، إلا أن استمراره في التغريد بنبرة هجومية متصاعدة وبتصريح بعد أن كان تلميحًا أثار جدلًا متزايدًا.

الأمير عبد العزيز نجل العاهل السعودي الراحل الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود، نشر الأربعاء مجموعة تغريدات شديدة اللهجة بحق ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد لم تكن الأولى من نوعها لكنها كانت الأكثر قساوة.

التغريدات تضمنت انتقادات لاذعة لابن زايد، على خلفية هاشتاج (#شيخ_الفخر_محمد_بن_زايد) الذي دشنه إماراتيون بعد الفيلم الوثائقي الذي عرضته فضائية الجزيرة قبل يومين بعنوان "إمارات الخوف"، والذي سلط الضوء على الانتهاكات التي تمارَس بحق المعتقلين في الإمارات بأمر من محمد بن زايد، بحسب الفيلم.

هذا الهجوم الضاري الذي يأتي عبر أحد أفراد الأسرة المالكة السعودية رغم أنه من خارج منظومة الحكم، لكنه يثير التساؤلات بشأن موقف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان منه، كما يعيد إلى الأذهان سجلًا من الخلافات المكتومة بين البلدين الخليجيين.

خارج سرب «ابن سلمان»

مواقف "ابن فهد" التي وصلت إلى حد توجيه السباب والشتائم بألفاظ نابية، تعد تغريدًا خارج السرب السعودي الرسمي الذي يتناغم بشكل كبير مع الإمارات، باعتبار قيادة البلدين لمعسكر دول حصار قطر.

موقف "ابن سلمان" من تغريدات ابن عمه، قد يتأرجح بين احتمالين لا ثالث لهما، أولهما أنه لا يعترض عليها ولا تمثل له أزمة تُذكر، لكنه احتمال مستبعد إلى حد كبير في ظل الانسجام بين قيادتي البلدين.

كما يتمتع "ابن فهد" بحضور قوي وفعال داخل المجتمع السعودي خاصة على صعيد العمل الخيري، بعد فترة من الاختفاء خارج البلاد، ثم عودة مختلفة تمامًا عن حياته السابقة التي قيل إنها كانت مرفهة للغاية.

ورغم عدم وجوده داخل منظومة الحكم بالمملكة، فإن نجل الملك الراحل يحظى بتواجد لا بأس به وسط العائلة المالكة، اعتبارًا لمكانة والده.

تلك الاعتبارات مجتمعة ترجح الاحتمال الثاني، الذي يقود إلى علم ولي العهد السعودي بمواقف ابن عمه، واعتراضه عليها لكنه لا يستطيع إيقافه أو إثناءه عنها ربما لعدم رغبته في فتح جبهة أخرى معارضة له في العائلة بعد الجبهة التي فتحها عزل الأمير محمد بن نايف، ويتزعمها عمه الأمير أحمد بن عبدالعزيز الذي يوصف بأنه الأقوى من بين أبناء الملك المؤسس والأكثر اعتراضًا على ما يجرى في اروقة الحكم لصالح الملك ونجله.

أما السبب الثاني فقد يرجع إلى عدم قدرة حقيقية على مواجهة تغريدات ابن عمه أو حتى إجباره على الصمت، لكن الأمر لا يخل من طلب ما بشكل أو بآخر بالتوقف عن الهجوم الذي قد يضر العلاقات بين البلدين كثيرًا.

هل تحيا الخلافات؟

تأسيسًا على ما تقدم، فإن استمرار الأمير السعودي في نشر تغردياته الهجومية من شأنه أن يُحيي الخلافات المكتومة بين البلدين، والتي تظهر بين الحين والآخر.

المستنقع اليمني يبدو في مقدمة تلك الخلافات، حيث تواجه الإمارات اتهامات بأنها أصبحت مجرد أداة تملكها إيران في اليمن، رغم كونها ضمن التحالف الذي تقوده السعودية لحرب المتمردين الحوثيين المدعومين إيرانيًا، فضلًا عن سعي أبو ظبي المتنامي لزيادة النفوذ هناك.

ولعل الدعم الإماراتي لانفصال جنوب اليمن مؤخرًا، أثار الشكوك المتزايدة في الآونة الأخيرة حول دور دولة الإمارات في التحالف.

الموقف الإماراتي الرسمي لم يعلن بطبيعة الحال دعمه الصريح للانفصال، لكن تغريدة لوزير الدولة للشؤون الخارجية هناك أنور قرقاش كشفت الكثير، حين علق على "إعلان عدن" بقوله: "لكل فعل رّد فعل، وإذا كان الفعل متهور فمن الطبيعي أن ردة الفعل تحرّر المشاعر المكبوتة وتعرّي ما كان مُسلّمًا وتنقل المشهد إلى مستوى آخر".

اللافت أن تلك التطورات جاءت بعد أقل من شهرين على قصف الإمارات قوات الحماية الرئاسية التابعة للرئيس اليمني، وكذلك منع طائرته من الهبوط في مطار عدن الدولي، ورف تنفيذ قرارات رئاسية له في تغيير مدير مطار عدن الدولي ومناصب حكومية في المحافظة الجنوبية.

مصادر يمنية كشفت أنه مقابل الإسناد الجوي الإماراتي تحركت "ميليشيا الحزام الأمني" على الأرض باتجاه (خور مكسر) حيث مقر المطار، لفك الطوق الذي فرضته قوات الحرس الرئاسي على العناصر التابعة للمقدم العميري بداخل مقر المطار، ثم اعترضت ميليشيا الحزام الأمني قوات من الجيش الوطني التابع للمنطقة العسكرية الرابعة أثناء توجهها نحو المطار، واشتبك الطرفان.

وقبلها بأشهر كانت حادثة قصف اللواء 23 في منطقة العبر بمحافظة حضرموت، جنوبي اليمن، في يوليو الماضي من الحوادث التي عززت الشكوك في حقيقة الدور الإماراتي هناك، حيث تعرض هذا اللواء، الذي كان يضم قوات موالية للرئيس "هادي"، إلى قصف من طائرات إماراتية قيل إنه "عن طريق الخطأ"؛ ما أدى إلى مقتل 53 جنديًا وجرح العشرات.

كما تلاحق الإمارات اتهامات بالسعي للسيطرة على موانئ عدن، على اعتبار أن مضيق باب المندب هو امتداد طبيعي لأمنها القومي.

أطماع الإمارات الاقتصادية لم تتوقف، فبعد النجاح الذي حققته عسكريًا في عدن والشريط الساحلي، سعت إلى توقيع عقد لمدة 99 عامًا من خلاله يتم تحويل جزيرة سقطرى اليمنية إلى قاعدة عسكرية إماراتية وإدارة الموانئ البحرية اليمنية لنفس المدة، وهو ما رفضته السعودية وحثت هادي على عدم قبوله.

ولا يمكن فهم طبيعة الدور الإماراتي في اليمن دون النظر إلى إيوائها "أحمد" نجل المخلوع صالح وقائد قوات الحرس الجمهوي سابقًا، والذي يلعب دورًا كبيرًا في إدارة الصراع السياسي والعسكري في اليمن بالتعاون مع الحوثيين.

الباحث الأمريكي والصحفي الاستقصائي، "نفيز أحمد"، كشف عبر تقرير نشره موقع "ميدل إيست آي"، أن دولة الإمارات دعمت ميليشيات الحوثيين في اليمن بمبلغ مليار دولار، عن طريق نجل الرئيس المخلوع.

"صراع الحدود" يعد الملف الأكثر تسببًا في الخلافات بين البلدين، فبعد ضغوط سعودية، خشية اتساع النفوذ الإماراتي بالخليج، اضطرت الإمارات إلى التنازل عن "خور العديد" في اتفاقية جدة عام 1974.

بعد وفاة الشيخ زايد بن سلطان مؤسس الدولة، أثار ابنه الشيخ خليفة القضية، في أول زيارة له إلى الرياض عام 2004، ووصلت العلاقات إلى مرحلة سيئة عام 2009، وتصاعدت إلى مرحلة صعبة للغاية عام 2010 عندما أطلق زورقان تابعان للإمارات النار على زورق سعودي في الخور، ولا تزال الحدود البحرية بين البلدين أزمة معلقة وغير متفق عليها حتى الآن.

سر «المحمدين»!

وعلى الرغم من جاهزية الملفات الخلافية لإشعال أزمة كبيرة بين البلدين، إلا أن صخرة قوية ربما تتحطم عليها آمال تجدد هذه الخلافات، إثر التغريدات الهجومية لابن فهد.

"ابن سلمان" لعب الدور الأبرز في تنازل المملكة عن دور الشقيق الأكبر لدول الخليج طواعية لصالح "ابن زايد"، الذي شب عن طوق أبيه وأخيه وأراد أن يقحم بلاده في أدوار لم تعهدها، من معاداة تيار الإسلام السياسي إلى استخدام المال في وأد ثورات الربيع العربي ودعم الثورات المضادة، وصولًا إلى فضائح أخرى كشفها تسريب البريد الإلكتروني لسفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة.

"ابن سلمان" خالف المثل الشعبي "أنا وابن عمي على الغريب"، فتعاون مع هذا الغريب وهو "ابن زايد" لإقصاء ابن عمه "ابن نايف"، على خلفية ما قالت تقارير إعلامية عن خلافات متجذرة بين الأخيرين.

"معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى"، نشر تقريرًا للكاتب سيمون هندرسون، قبل تعيين "ابن سلمان"، تحدث فيه عن نفور بين "ابن نايف" وولي عهد أبو ظبي الذي يُعرف أن لديه تأثيرًا كبيراً على محمد بن سلمان، وقد أتت أزمة قطر لتزيدهما قربًا.

وفي التقرير، الذي حمل عنوان "تعرف على الأميرين اللذين يعيدان تشكيل الشرق الأوسط"، تحدث هندرسون عن "الثنائي الديناميكي" الذي يضم "ابن سلمان" الثلاثيني، و"ابن زايد" الخمسيني.

الباحث المتخصص بشؤون الخليج، قال: "هما لا يتشاركان الرغبة في شن معارك مزدوجة على إيران والتطرف الإسلامي فحسب، بل أيضًا في التقدير العميق لاعتماد دولتيهما المحافظتين في الخليج على الولايات المتحدة، وقام كلاهما بذكاء بتقريب الرئيس الأمريكي، المتلهف لأن يظهر بأن لديه استراتيجية جديدة لهزيمة الإرهاب ومواجهة طهران".

كما يصف العلاقة بينهما والتي تعاظمت في الأزمة الأخيرة، بـ"الأستاذية"، فابن زايد ينظر لابن سلمان باعتباره تلميذًا معجبًا به وبتدرجه في السلطة، ويرى فيه النموذج الممكن، والقابل للتحقيق، فمحمد بن زايد هو الآخر جاء من بعيد؛ فابن زايد يقوم بإدارة أبوظبي التي تحتوي على معظم احتياطات النفط في الإمارات، منذ تعيينه نائبًا لولي العهد عام 2003 ثم إلى ولاية العهد عام 2004، بعد وفاة الوالد المؤسس للدولة، ليكون الحاكم الفعلي للبلاد مع اشتداد المرض على أخيه "خليفة"، وهو الوضع المشابه كثيرًا للملك سلمان ونجله.

هذه العلاقة الخاصة انسحبت على تبعية معكوسة، انقلبت فيها الموازين وتجلت في حصار قطر، الذي اعتبره كثيرون قد أصبح عبئًا على البلدين.