السنغال وغينيا يُعينان سفيران لهما بـ«تل أبيب».. كيف استطاع الكيان الصهيوني توسيع نفوذه بالقارة السمراء؟ (تحليل)

السنغال وغينيا يُعينان سفيران لهما بـ«تل أبيب».. كيف استطاع الكيان الصهيوني توسيع نفوذه بالقارة السمراء؟ (تحليل)

02:07 ص

12-أغسطس-2017

استطاعت "إسرائيل" أن تتوغّل بعمق القارة الأفريقية في ظل تراجع الاهتمام العربي بتلك المنطقة من العالم، حتى وصل الأمر إلى التطبيع العلني معها، فما الآليات التي اعتمدتها في هذا المسار؟ وماذا هدفت من وراءها؟.

"السنغال وغينيا تُطبّعان العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل".. هكذا توالت الأنباء قبل أيام لتبرز محطة جديدة من محطات النجاح "الإسرائيلي" في التوغل بالقارة السمراء، حيث أرسلت هاتان الدولتان أول سفراء لهما إلى الكيان الصهيوني يوم الثلاثاء الماضي، ليُقدّمان أوراق اعتمادهما لدى رئيس الكيان "الإسرائيلي" "رؤوفين ريفلين" ويتولّيان بذلك بشكلٍ رسمي منصبهما كسفراء غير مقيمين إلى "تل أبيب".

وبهذه الخطوة استطاعت "إسرائيل" رفع وتطوير مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع الدولتين، فبينما كان لدى كلتيهما علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية قبل ذلك، إلا أن أي منهما لم يُعيِّن سفيراً إليها.

كما استطاعت من خلالها أيضًا التغلُّب على أزمتها مع السنغال والتي نشأت في أعقاب مشاركتها في تقديم مشروع قرار يدين الاستيطان "الإسرائيلي" في الأراضي الفلسطينية والقدس الشرقية في ديسمبر الماضي، والذي على خلفيته أوقفت "تل أبيب" جميع مساعداتها إلى السنغال.

وبقدر ما يُشير هذا الحدث إلى أن دولة الاحتلال أصبحت قادرةً بشكلٍ كبيرٍ على تطوير علاقاتها الدبلوماسية مع القارة السمراء، بقدر ما يُثير من مخاوف بشأن تداعيات هذا التغلغل "الإسرائيلي" في ظل التراجع العربي، ويطرح العديد من التساؤلات حول الأهداف وراءه آلياتها المعتمدة في هذا الإطار.

ما وراء التوغل

"إسرائيل تعود إلى أفريقيا.. وأفريقيا تأتي إلى إسرائيل"، هكذا أعلن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" "بنيامين نتنياهو" أهمية التواصل مع أفريقيا كأحد الأهداف الرئيسية في السياسة الخارجية لـ "تل أبيب".

وبدأت "إسرائيل" من خلال هذا الهدف تقديم نفسها على أنها الحليف الأنسب للقارة بدلاً من الدول العربية؛ وذلك كوسيلة لتوسيع علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية معها، ما يترتّب عليه تعزيز وضعها الدولي، وضمان مساندة القارة لها في المحافل الدولية عبر الاستفادة منهم في التصويت ضد مشروعات القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة وتلك التي تُدين توسعها الاستيطاني بالأراضي الفلسطينية.

وبالفعل بدأ هذا المسار يُؤتي ثماره، حيث كانت نيجيريا ورواندا قد رفضتا قبل نحو عامين مشروع قرار بمجلس الأمن لإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" في مدة لا تزيد على 3 سنوات، كما سبق أن صوَّتت "توغو" مع "إسرائيل" بشأن مشروع قرار يُعارض فرض السيادة "الإسرائيلية" على القدس، وامتنعت الكاميرون، وساحل العاج، وغانا، وغينيا عن التصويت.

ولا يتوقّف الأمر عند المحافل الدولية فقط بل يمتد إلى المحافل الإقليمية، وذلك في ظل ترحيب عدد من الدول الأفريقية بضمّها كعضو مراقب في "الاتحاد الأفريقي"، حيث سيُحقّق قبولها عدداً من المكاسب السياسية أبرزها ضمان تواصلها المباشر مع دول القارة بما يُعزِّز من إمكانية عرض وجهة نظرها في العديد من القضايا السياسية لا سيما المتعلقة بالصراع العربي "الإسرائيلي".

كذلك هدفت "إسرائيل" من وراء هذا التوسع محاصرة "حزب الله" اللبناني ومصادر تمويله، إذ تَعتبر أن غرب أفريقيا هي الجانب الأهم في القارة الذي يضمّ الأنشطة الاقتصادية والمالية للجالية اللبنانية المتهمة بدعم الحزب مالياً؛ وبالتالي كان عليها التوغُّل بهذه المنطقة؛ لحرمان الحزب من مصادر تمويله.

وإذا كان هذا على الجانب السياسي فإنها على الجانب الاقتصادي تستهدف الاستفادة من القارة؛ لرفع حجم التبادل التجاري معها الذي لا يزال ضعيفًا، إذ تُمثّل صادراتها نحو دول القارة نحو 6% فقط من إجمالي الصادرات "الإسرائيلية"، هذا في ظل ما تُواجهه من تضييق من الدول الأوروبية عليها لوقف الاستيطان، إذ تُلزمها بوضع علامة على صادراتها إليها والتي يكون مصدرها المستوطنات، ويمتنع بعضها عن استيراد منتجات تلك المستوطنات؛ وبالتالي كان لابد من التوجّه إلى السوق الأفريقية؛ لتعويض الفقدان في نظيرتها الأوروبية.

الآليات المعتمدة

في إطار هذه الأهداف اعتمدت "إسرائيل" على عدد من الآليات التي من خلالها استطاعت إيجاد مساحة من النفوذ لها بالقارة، الأمر الذي تظهر ملامحه بشكل جليّ يومًا بعد الآخر، من خلال مشاركتها في عدد من الفعاليات الهامة بالقارة كان أبرزها زيارة "نتياهو" لعدد من دول شرق القارة خلال يوليو 2016 والتي شملت أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا، حيث عزَّزت من خلالها من فرصها الاقتصادية وقفزت بمستوى التبادل التجاري معها إلى 1.2 مليار دولار ونجحت في فتح فروع لحوالي 50 شركة "إسرائيلية" بهذه الدول.

وفي السياق ذاته جاءت مشاركة "نتياهو" في القمة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا "إيكواس" في يونيو الماضي والتي كانت بمثابة قفزة جديدة هامة نحو اختراق القارة عزَّزَتْ من خلالها تواجدها الاستراتيجي والأمني بها حيث قدّمت من خلالها مساعدات وخبرات أمنية لبعض دولها في مجال مكافحة الإرهاب، وقريبًا في أكتوبر المقبل سيلتقي مع قادة دول القارة، في محاولة أخرى لتعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الجانبين.

وإلى جانب المشاركة في الفعاليات السياسية بالقارة، قامت "تل أبيب" بتقديم مُساعدات استخبارية وتدريبات عسكرية مُستفيدة من وجود مُستوى من الثقة في قدراتها في هذا المجال، حيث ساعدت في مجال تدريب قوات الشرطة وقوات الحرس الرئاسي لعدد من الدول الأفريقية مثل: الكونغو الديمقراطية والكاميرون بالإضافة إلى إثيوبيا ودول القرن الأفريقي.

وفيما رأت "إسرائيل" أن أدواتها الاقتصادية هي أهم وسائلها لجذب دول القارة إليها والتفافهم حولها، فقد بدأت السير في هذا المسار عبر وضع العديد من الخطط لتعزيز علاقاتها الاقتصادية معها، تمثَّلت أبرز معالمها تلك في التعاون مع البنك الدولي من أجل إنشاء صناديق "إسرائيلية" للاستثمار في القارة، فضلاً عن تطوير آليات تعاون بين المؤسسات المالية الدولية والحكومة "الإسرائيلية" لتمويل عدد من المشروعات في أفريقيا، كما افتتحت عددًا من الملحقات التجارية الجديدة في العديد من دول القارة؛ لمواجهة أي عقبات قد تُعرقل نشاطها في هذا المسار.

في هذا الإطار ونتيجة لما سبق، استطاعت المبيعات "الإسرائيلية" لأفريقيا أن تُسجِّل ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغت قيمة صادراتها نحو 318 مليون دولار، عام 2014، وذلك بزيادة نسبتها 40% عن صادرات عام 2013.

كما ارتفع حجم تصديرها الأمني بنسبة 70% عام 2016 مقارنة بعام 2015، هذا وقد ازدهر التعاون التجاري "الإسرائيلي" بشكل أساسي في ست دول إفريقية هي: جنوب أفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأوغندا، حيث تستوعب هذه الأسواق ما يُقارب 75% من مجموع الصادرات "الإسرائيلية" إلى القارة.

هكذا، يُمكن القول إن "إسرائيل" استطاعت استغلال تراجع الدور العربي وغيابه عن الساحة الأفريقية؛ لكي تُعزّز نفوذها بها مستفيدةً من انشغال الدول العربية بأزماتها المشتعلة وحروبها ضد الإرهاب، وصراعاتها الداخلية فيما بينها، ما سيرتب عليه تنامي هذا النفوذ حتى يصبح الالتفاف والتأييد الإفريقي لها أمرًا معتادًا لا يُثير أي ردود أفعال عربية أو إجراءات ملموسة للحد من هذا التوسع، الأمر الذي يُحقّق لها بالنهاية أهدافها وتحكمها بتلك المنطقة من العالم.