جورج فريدمان- جيوبوليتيكال فيوتشرز: المخاطر الجيوسياسية والأعمال التجارية والاستثمار

جورج فريدمان- جيوبوليتيكال فيوتشرز: المخاطر الجيوسياسية والأعمال التجارية والاستثمار

04:00 ص

12-أغسطس-2017

صحيحٌ أن الزمن تغير، لكن الأساسيات لا تزال باقية لم تتبدَّل. ويظل أمن الثروة الآن معتمدًا على قدرة الدولة على حمايته

عندما يفكر الناس في الجغرافيا السياسية فإنهم يميلون إلى التفكير في الحرب؛ كما لو كانت القضيتان هما الشيء ذاته. لكن هذا صحيح فقط في أحد الجوانب.

الجغرافيا السياسية هي دراسة قوة الدول القومية، والحرب هي بالتأكيد محدد هذه القوة، لكنها فقط إحدى عوامل كثيرة.

أشياء مثل الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا والتكنولوجيا تعمل معا لتشكيل القوة الوطنية، ومهما بلغت فائدة التعرُّف على أي عنصر من هذه العناصر على حِدَه، فإن فصلها عن أخواتها أمر مُتَعَذّر.

لهذا السبب، يعتبر الوضع في كوريا الشمالية مشكلة جيوسياسية، بينما الأزمة المصرفية الإيطالية ليست كذلك.

جذور جغرافية

مهما كانت الجغرافيا السياسية متعددة الجوانب، إلا أنها مع ذلك متجذرة في الجغرافيا.

تملي الجغرافيا ما هو ممكن وما هو مستحيل. على سبيل المثال: لا يمكن لـ أيسلندا أبدا أن تغزو أوروبا، ولن تصبح قوة صناعية كبرى.

صحيحٌ أن الزمن تغير، لكن الأساسيات لا تزال باقية لم تتبدَّل. ويظل أمن الثروة الآن معتمدًا على قدرة الدولة على حمايته.

ربما تُبنى الثروة في بعض الأحيان، وقد تُمنَح في أحيان أخرى، لكنها تظل دائمًا محل حسدٍ ورغبة (ما يتطلب حماية).

السوق الحرة تتطلب سيادة القانون. وسيادة القانون هي الاعتراف بالحق في الملكية، والقدرة على إعمال هذا الحق والرغبة في ذلك. وإلا، فإن رجال الأعمال سيدفعون ثمنًا باهظًا فقط لمعرفة إلى أي مدى حراس أمنهم جديرين بالثقة.

الاستثمار في الخارج أكثر خطورة

هذه الديناميكية أكثر أهمية عند الاستثمار في دولة أجنبية؛ لأن الاستثمار في الخارج أكثر خطورة بطبيعته: هل سيحترم البلد المضيف الملكية الأجنبية أم سيستولي على الأصول؟

يمتلئ التاريخ بأمثلة على نزع الملكية: استولت كوبا على الكازينوهات الأجنبية، وأممت مصر قناة السويس، وصادرت الولايات المتحدة الأصول الإيرانية. وأيا كان سبب القيام بذلك، فإن الحقيقة لا تزال هي أن هذا ليس مجرد استثناء (لا ينفي القاعدة الآمنة)، بل هو خطر دائم.

مخاطر خفية للاستثمار في الوطن

ينطوي الاستثمار في الوطن على مخاطر مختلفة وإن لم تكن ملحوظة. حيث يمكن لحكومة الدولة إعادة صياغة قوانين الضرائب، وفرض لوائح جديدة على الممتلكات المملوكة بالفعل للأفراد. 

بعد كل شيء، أليست الدولة هي التي اخترعت السوق الحرة، وأنشأت الشركة ذات المسؤولية المحدودة؟ ألم تكن هذه القرارات السياسية هي التي جعلت الرأسمالية الحديثة ممكنة؟

ظلت الدولة- مخترع هذه المؤسسات- تمتلك الحق في تحديد حدود المسؤولية والالتزامات والحدود المفروضة على الشركة في مقابل هذه الحماية.

والبديل، في السوق الحرة الحقيقية، هو أن يكون المالك هو المسؤول الوحيد عن هذه الأصول (بعيدًا عن حماية الدولة).

مخاطر وفرص معقدة

بعبارة أخرى، هناك مخاطر وفرص في مجال الأعمال التجارية أكثر مما يمكن أن يُظهره جدول البيانات.

من الناحية المثالية، ستعمل الشركة في بلدٍ قوي بما يكفي لحمايتها، ومستقر بما يكفي لتحديد القوانين التي تحكم الأعمال التجارية، وقادر على إنفاذ تلك القوانين.

بهذا المنطق، كان الاستثمار في الولايات المتحدة بعد عام 1865 أو في الصين بعد عام 1977 ضربًا من الجنون.

لكن بحلول عام 1900، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مُصَنّع في العالم. وبعد قرابة 30 عاما من 1977، أصبحت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

إرهاصات التحوُّل الحتميّ

حساب المخاطر والفرص في بلدٍ ما على ذات الدرجة من التعقيد على الأقل مثل قراءة جدول البيانات، بل يكون في بعض الحالات أكثر أهمية. ذلك أن الميزانية العمومية يمكن أن توضح ما إذا كانت الأعمال التجارية سوف تزدهر أو ستُصادَر.

من المهم معرفة هذا الفرق، والأمثلة التي استعرضتها السطور السابقة هي مجرد جزء صغير من المتغيرات التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

وعندما تكون هذه العوامل غير التجارية مستقرة لفترة طويلة من الزمن، كما كان الحال بالنسبة للجيل الأخير؛ تصبح الشركات والمستثمرون أكثر عرضة للخطر.

وكما في الأعمال التجارية، فإن استمرار أي شيء لفترة طويلة يشير في كثير من الأحيان إلى قرب حدوث تحول، وهو ما يتطلب فهمًا وخفة في الحركة.