الأزمة الخليجية ومثلث «حلايب» و«شلاتين»..قراءة في التداعيات والمسارات (تحليل)

الأزمة الخليجية ومثلث «حلايب» و«شلاتين»..قراءة في التداعيات والمسارات (تحليل)

06:00 ص

12-أغسطس-2017

تطرح الأزمةُ الخليجيةُ العديدَ من التساؤلات بشأن تأثيرها على العلاقات السودانية المصرية وخاصة مثلث "حلايب" و"شلاتين"، فإلى مَن سيتجه الدعم الخليجي؟ نحو السودان أم مصر؟.

لم تتوقّف تداعيات الأزمة الخليجية عند حَدّ أطرافها فقط، بل امتدت إلى العديد من قضايا المنطقة كما هو الحال مع ملف العلاقات المصرية السودانية والتوترات بين الجانبين فيما يخُصّ مثلث "حلايب" و"شلاتين"، والذي ترفض الخرطومُ الاعترافَ بتبعيته إلى القاهرة، وتُثير بشأنه العديد من التوترات والاحتجاجات المُتكرّرة لدى مجلس الأمن.

فقد أثار الحياد السوداني بالأزمة العديدَ من التكهنات بشأن أن يكون لهذا الموقف تأثير سلبي على الدعم الخليجي لها بالقضية، وذلك في ظل التوافق بين القاهرة ودول المقاطعة الخليجية، إلا أن إعلان الخرطوم مؤخراً إرسالها مزيداً من القوات لمساندة التحالف العربي في اليمن تحت قيادة السعودية أثار من ناحيةٍ أخرى العديدَ من التساؤلات حول الموقف الخليجي من القضية، وما إذا كان سيُؤدّي ذلك إلى انحيازه إلى الجانب السوداني أم سينحاز إلى الجانب المصري، فإلى أي الجانبين يُمكن أن يتوجّه الدعم الخليجي في هذا المسار؟.

السودان واللعب على وتر الخلافات

دائما ما تحصّن السودان بعلاقاته مع دول الخليج، لا سيما بعد إعلانه قطع علاقاته مع إيران عقب الاعتداء على المقار الدبلوماسية السعودية بالداخل الإيراني في يناير 2016، وانخراطه العسكري والسياسي في التحالف العربي في اليمن، الأمر الذي انعكس عليه إيجابياً عبر مزيد من الاستثمارات السعودية بالداخل السوداني، إذ ارتفعت تلك الاستثمارات والتي تركّزت في المجال الزراعي من 7% في عام 2013 إلى 50% عام 2016، ووصلت لنحو الـ 26 مليار دولار في ديسمبر الماضي، كما سَبَق أن تدخّلت المملكة لرفع العقوبات الأمريكية عنها، فضلًا عن تزايد الاستثمارات بها وبصفة خاصة الزراعية.

كما زاد من التوافق بينهما الخلافات التي ثارت في العلاقات المصرية السعودية بشأن التعامل المصري مع جزيرتي "تيران" و"صنافير" والمماطلة في تسليمها إلى الجانب السعودي، فضلاً عن الخلافات بشأن الموقف من الأزمة السورية، وثارت بعض الأنباء في هذا الإطار عن أن المملكة هي التي تقف وراء المطالبات السودانية بحقها في "حلايب" و"شلاتين".

وبتتبع اللهجة السودانية في ظل تلك الخلافات بين القاهرة والرياض، يُلاحَظ أن الخرطوم كانت تتعمّد أن تزيد من حدّتها ضد القاهرة حيث اتهمتها بدعم متمردي إقليم "دارفور" بالسلاح، وجاء الرد المصري حينئذٍ بالتأكيد على عدم تدخّلها في شؤون دول الجوار، وهو ما أكّدته الخارجية المصرية في بيان لها.

ظلَّ الأمرُ هكذا إلى أن جاءت نقطة التحوُّل استطاعت القاهرة والرياض تجاوز خلافاتها بشأن الجزيرتين عقب موافقة البرلمان المصري في يونيو الماضي على اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين التي تم بموجبها الإقرار بسعودية الجزيرتين، وعاد التقارب بين البلدين مرةً أخرى، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس سلبياً على موقف الخرطوم أمام القاهرة.

كما جاءت الأزمة الخليجية لتسير على نفس المنوال وتزيد من الموقف المصري أمام السودان خاصة بعد إعلان الخرطوم حيادها بالأزمة وتأكيد استعدادها للوساطة بين طرفيها، الأمر الذي لم تقبله دول المقاطعة، بل أكّدت مصادر إعلامية سودانية وجود محاولة للانقلاب على نظام "البشير" تدعمها دول المقاطعة؛ لدعمه للموقف القطري واستضافته لقيادات من جماعة "الإخوان المسلمين" ودعم الجماعات المسلحة الموالية لقطر في ليبيا، والتي كانت من ضمن الأسباب الرئيسية التي أدَّت إلى قطع العلاقات مع الدوحة.

ونظراً لإدراك "البشير" هذه المحاولة فقد أقال نائبه "علي عثمان طه"، وتم منعه من السفر إلى المملكة السعودية، وبعدها بفترة قامت حكومة المملكة بتعيينه ضمن مستشاريها فيما بعد، فقد كان يُوصَف برجل السعودية والإمارات في أفريقيا.

السعودية إلى السودان أم مصر

على الرغم من محاولة الخرطوم استعادة الدعم الخليجي لها مرة أخرى عبر زيارة قام بها "البشير" إلى السعودية والإمارات، وإعلانها إرسالها مزيداً من القوات لدعم المملكة في حربها في اليمن إلا أن ذلك لا يعني مزيداً من الدعم لها في خلافاتها مع القاهرة، إذ التحالف والشراكة بين القاهرة وكل من الرياض وأبو ظبي أهم بالنسبة إلى دول الخليج من التعاون مع السودان، تلك الدولة التي يستضيف نظامها قيادات من "الإخوان المسلمين" سبب الخلاف الرئيسي بالأزمة الخليجية المشتعلة.

هذا وقد بدأت عددٌ من المؤشرات التي تُشير إلى ذلك، حيث تداولت وسائل الإعلام السودانية مؤخراً أنباء عن تصعيد مصري في "حلايب" و"شلاتين" الأسبوع الماضي، عبر تحركات مُكثَّفة لقوات الجيش تم على إثرها اعتقال نحو 222 شخصًا، وتقديمهم للنيابة بدعوى عدم حمل البطاقة المصرية.

فيما لم تكن هذه التصرفات هي الأولى، فقد سبقها نقل التليفزيون المصري - للمرة الأولى - شعائر صلاة الجمعة من "حلايب"، كما أن محافظ البحر الأحمر الذي يقع المثلث في إطاره أعلن، أخيراً، عن خطة للاهتمام بتطوير المثلث وتحديثه بقيمة 60 مليون دولار، ومن المتوقع في هذا الإطار استمرار التصعيد المصري بالمنطقة.

وأخيرًا، يُمكن القول: إنه من غير المتوقع أن تُقدِم مصر على أن تُورِّط نفسها بهذا الخلاف على الأقل على المدى القريب، وذلك في ظل انشغالها بالتعنُّت القطري وعدم قدرتها على إخضاع الدوحة لشروطها ومتطلباتها، بل والحديث حالياً عن تحوُّلها من موقع الدفاع إلى الهجوم؛ وبالتالي سيستمر الخلاف السوداني المصري دون أن يكون للخرطوم ظهير خليجي يُساندها، هذا إلى جانب انشغالها بالتراجع الأمريكي عن رفع العقوبات عليها، الأمر الذي يُفسح المجال لمزيد من التصعيد المصري.