السودان و«النجم الساطع».. هل تحمل واشنطن هدية الوئام مع مصر؟ (تحليل)

السودان و«النجم الساطع».. هل تحمل واشنطن هدية الوئام مع مصر؟ (تحليل)

08:30 ص

14-أغسطس-2017

أثارت دعوةُ القوات المسلحة السودانية إلى المشاركة في استئناف مناورات "النجم الساطع"، التي تستضيفها مصر تاريخياً بمشاركة الولايات المتحدة، العديد من علامات الاستفهام حول المغزى والتوقيت والمآلات.

لأول مرة منذ ثلاثة عقود تلقّت وزارةُ الدفاع السودانية دعوةً لحضور مناورات "النجم الساطع" العسكرية، التي تستضيفها القوات المسلحة المصرية تاريخياً وتتشارك فيها التدريب مع نظيرتها الأمريكية.

المناورات، التي تجري كل عامين، بدأت عام 1980 طبقاً لبنود اتفاقات "كامب ديفيد"؛ بهدف تعزيز العلاقات بين القوات المسلحة المصرية والقيادة المركزية للولايات المتحدة، واستمرت بشكل دوري حتى عام 2009، ثم توقّفت بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وما تمخّضت عنه من تداعيات، أسفر بعضها عن تشظّي الجيوش الوطنية (كما جرى في سوريا واليمن وليبيا)، والبعض الآخر عن انكباب لترميم الجبهة الداخلية، كما جرى في مصر.

عودة التدريبات (المصرية, الأمريكية) بعد انقطاع 8 سنوات يحمل دلالةً صريحةً بأن عهد الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" قد ولَّى بسياساته وظرفه التاريخي، وأن إدارة الرئيس الحالي "دونالد ترامب" تنتوي استئناف العلاقات مع الجيش المصري كما كانت في عهد الرئيس الأسبق "حسني مبارك".

لكن ما علاقة ذلك بالسودان؟ ولماذا تلقّت دعوةً بالمشاركة في استئناف "النجم الساطع" مرة أخرى؟ وما هي دلالة ذلك؟.

صاحب الدعوة هو مفتاح الإجابة على الأسئلة الثلاثة، إذ لم تُقدّمها مصر (البلد المستضيف) إلى السودان، بل تلقَّاها الفريق أول ركن بوزارة الدفاع السودانية "عماد الدين مصطفى عدوي" بعد لقائه مسئولاً من وزارة الخارجية الأمريكية، الأسبوع الماضي.

أجندة أمريكية

واشنطن إذن هي الراغبة في الحضور السوداني بالمناورات، المزمع إجراؤها في "أكتوبر" المقبل، بما يحمله الشهر من دلالات تتعلّق برمزية تاريخية خاصة لدى الجيش المصري، وتطلُّع سوداني نحو موافقة "ترامب" على رفع ما تبقّى من عقوبات على الخرطوم.

فالعلاقة الثنائية بين القاهرة والخرطوم تتأرجح بين مَدٍّ وجَزرٍ على خلفية تباين المواقف بين البلدين إزاء سد النهضة الإثيوبي، إضافة إلى تجدُّد التوتر الإعلامي بشأن النزاع السيادي على مثلث "حلايب" و"شلاتين" الحدودي بين البلدين.

وبَدَا الطرفان المصري والسوداني، في حالة ترقبٍ حَذرٍ إزاء العلاقة الثنائية بينهما، خاصة منذ تولّي الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم بالقاهرة، وكلما اشتعلت أزمة الحدود والمياه عادت أدراجها إلى السكون من جديد عبر "لقاءات الغرف الدبلوماسية المغلقة".

لكن النار تظلّ تحت الرماد، خاصة في ظل عدم طرح حلول مقبولة من الطرفين بشأن قضايا النزاع السيادي والتناقض المصلحي بينهما، وهو ما تعيه إدارة "ترامب" جيداً، ومن هنا جاءت دعوة السودان تحديداً إلى مناورات "النجم الساطع" في إطار "أجندة أهداف أمريكية".

تفاهمات دائمة

ويتوقّع المراقبون انصراف بنك أهداف الدعوة الأمريكية إلى أحد اتجاهين، الأول يتمثّل في تقديم المساعدة للطرف المصري من أجل الوصول إلى تفاهمات دائمة مع الخرطوم، بعيداً عن استمرار حالة المد والجزر بينهما.

وفي حال صحة هذا السيناريو فإن الخرطوم ستكون على موعد مع تقديم "ثمن لصالح مصر" مقابل غض الطرف الأمريكي عن العقوبات ضدها، بما يصُبّ في النهاية باتجاه مزيد من التبعية المصرية لواشنطن عبر تقديم القاهرة لمزيد من الخدمات في الجهود الدولية ضد "الإرهاب".

وإزاء ذلك ستكون الخرطوم مطالبة بقبول ترسيم للحدود، شبيه بذلك الذي قبلت به مصر مع جارتها السعودية، إذ أعلنت القاهرة اعترافها بسيادة المملكة على جزيرتي "تيران" و"صنافير"، رغم خضوع كل منهما للسيادة المصرية منذ ما قبل تأسيس الدولة السعودية في ثلاثينيات القرن الماضي.

كما سيكون على الخرطوم، وفق هذا السيناريو، تليين موقفها إزاء سد النهضة الإثيوبي بما يمكن القاهرة من الوصول إلى أفضل صيغة تفاوض ممكنة للحفاظ على أقصى ما يمكن الإبقاء عليه من حصتها الحالية في مياه النيل.

إدارة الصراع

وفي المقابل، ثمَّة مراقبون يستبعدون السيناريو السابق تماماً، ليس فقط لأسباب تتعلّق بتصلُّب الموقف السوداني تجاه قضية "حلايب" و"شلاتين"؛ بل لاعتبارات خاصة بالبراجماتية المعهودة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية، والتي تقوم على مبدأ "إدارة الصراعات.. لا حلها"، بما يعني أن واشنطن مهتمة بالاستفادة من حالة المد والجزر بين مصر والسودان عبر تحقيق أهدافها بابتزاز كلا الطرفين بالآخر.

ويستند مَن يُرجّحون هذا التوجه إلى اتباع إدارة ترامب لسياسة "العصا والجزرة" مع أغلب دول الإقليم، خاصة السودان، حيث أجّلت إدارة ترامب، في يوليو الماضي، اتخاذ قرار بشأن إمكانية رفع العقوبات تماماً عن السودان لمدة 3 أشهر؛ بدعوى السجل السلبي لحكومة الخرطوم في مجال حقوق الإنسان.

وكان الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" قد رفع العقوبات التي فُرضت ضد الخرطوم منذ 20 عاماً لمدة 6 أشهر في يناير الماضي (قبل تنصيب ترامب بأيام)، ما علَّق حظراً على التجارة وحرَّر أصولاً سودانية كانت مُجمَّدة وألغى عقوبات مالية.

هذا يعني أن "أكتوبر" المقبل هو شهر "ظهور الرؤية" فيما يتعلّق بالموقف الأمريكي من استمرار العقوبات على السودان، وهو ذات الشهر الذي دعت فيه واشنطن الخرطوم إلى المشاركة بمناورات "النجم الساطع".

مصالح عسكرية

ومن شأن المشاركة السودانية بالمناورات إعادة العلاقة، المنقطعة تاريخياً، بين قيادات الجيش السوداني ونظيرتها الأمريكية، وما تُمثّله من "شبكة مصالح" يمكن أن تكون شبيهة بتلك القائمة بالفعل مع قيادات الجيش المصري.

وفي حال تحقّق ذلك ستكون المنطقة مستقبلاً على موعد مع "دولة اعتدال جديد"، تُساهم بشكلٍ فعّالٍ عبر الوكالة في معارك "الحرب على الإرهاب"، بل ربما يكون الداخل السوداني على موعد مع تغيُّر في خارطة الحكم بدعم عسكري، كما جرى في مصر أيضاً منذ 3 يوليو 2013، بما يعني امتلاك واشنطن لزمام الأمور إقليمياً وداخلياً على السواء، بحسب مؤيدي السيناريو الثاني.

هل يصبّ لقاء قائد القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) "ألكسندر م. لاسكاريس" مع وزير الدفاع السوداني الفريق أول "عوض بن عوف"، الأربعاء (9 أغسطس)، في هذا الاتجاه؟ هكذا يرى مؤيدو السيناريو الثاني، خاصة بعد إعلان بحث اللقاء لدور الخرطوم ضمن الجهود الإقليمية والدولية في ليبيا، وكيفية استئناف تعاونها العسكري مع واشنطن.

ولعل في بيئة الانسداد السياسي بالسودان والفشل الذريع لحكومتها في الحفاظ على وحدة أراضيها التاريخية، والدور التاريخي للجيش هناك في دعم تحولات نظام الحكم، عوامل تجعل من هذا السيناريو ممكناً.

وفي حال تحقَّق ذلك فإن "جزرة النجم الساطع" للسودان لا تعني بالضرورة أخرى مماثلة للقاهرة، بل تعني "خطوة" ضمن سلسلة خطوات في إطار استراتيجية واشنطن لاستمالة السودان وإبقائها في حالة المد والجزر مع جارتها، بما يخدم استمرار الدور الأمريكي كمرجعية نهائية لاستراتيجية "إدارة الصراعات" سالفة الذكر.

الشواهد لا تجعل من أي من السيناريوهين صحيحاً أو خاطئاً بشكلٍ مُطلَقٍ، فمآل ما جرَى من انفصال لجنوب السودان يَشِي بأن حكومة الخرطوم يُمكنها تقديم "تنازلات مؤلمة" من أجل عودتها كعضو طبيعي في المجتمع الدولي مجدداً، وفي المقابل تظل أمريكا هي أمريكا، حيث لا مجال لسياسة إقليمية لا تُفضي في النهاية إلى تحقيق مصالحها الخاصة وما يدور في فلكها من مصالح فقط، بما يفضي غالباً إلى خسارة جميع توابعها بنسبٍ متفاوتةٍ.