مليارات «الكهرباء».. المستهدف التالي لعسكرة الاقتصاد المصري (تحليل)

مليارات «الكهرباء».. المستهدف التالي لعسكرة الاقتصاد المصري (تحليل)

02:10 ص

26-أغسطس-2017

الإحصاءات الرسمية تكشف حصول ملايين الوحدات السكنية على خدمة التيار الكهربائي دون عدادات لقراءة الاستهلاك، لكن ذلك يقابل بـ "تشجيع" ضمني من جانب الدولة، التي لا تريد معالجة هذا الوضع قبل ضمان جني الأرباح عبر شركاتها "السيادية".

مفارقة مريبة تلك التي تكشفها الإحصاءات الرسمية بحصول ملايين الوحدات السكنية على خدمة التيار الكهربائي دون عدادات لقراءة الاستهلاك بتشجيع من جانب الدولة !

هكذا كشف مصدر مسؤول بالشركة القابضة للكهرباء أن الطلبات المقدمة لتركيب العدادات الكودية، مسبقة الدفع، للمباني المخالفة تشهد تزايدا طفيفا، حيث بلغ عدد الطلبات المقدمة، حتى مارس الماضي، لشركات توزيع الكهرباء التسعة على مستوى الجمهورية نحو 295 ألف طلب فقط.

ورغم إصدار مجلس الوزراء قرارا، في مطلع عام 2016، باستهداف تركيب مليون عداد لسد فجوة التمويل الكبيرة، الناتجة عن "سرقة التيار"، إلا أن الإحصاء الرسمي لشركة الكهرباء سجل تركيب 120 ألف عداد فقط.

فكثير من المواطنين باتوا يفضلون سرقة التيار أو دفع "الممارسة" (دفع المشترك لمبلغ ثابت نظير حصوله على الكهرباء لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، سواء كان استهلاكه أقل أو أكبر من القيمة التي يدفعها) كبديل عن تركيب العدادات الجديدة، مسبقة الدفع، حلا لمواجهة غلاء أسعارها، إذ يبلغ سعر الواحد منها أكثر من ألفي جنيه، فضلا عن زيادة أسعار الخدمة نفسها، الأمر الذي يهدر مليارات الجنيهات، هي تقدير قيمة خسائر الدولة، وفق الإحصاءات الرسمية.

"التأميم" الأول في حملة "التحفظ" على شركات خاصة لصالح الدولة، فإن قطاع الكهرباء هو المستهدف رقم 2، وبأرباح خيالية، ربما تفوق القطاع الأول.

الخسائر المؤقتة، وفق هذا الحساب، مقبولة من جانب السلطة الحاكمة، في إطار خطتها لعسكرة الاقتصاد، والتي يبدو أنها مستمرة على قدم وساق.

تشجيع الدولة

لكن كيف يتم ذلك بتشجيع من الدولة نفسها؟ الإجابة تتلخص في محورين:

الأول: يتمثل في توقف الشركة القابضة للكهرباء عند الرقم 10 آلاف كحد أقصى لأعداد قارئي العدادات ومحصلي الفواتير، وهو رقم غير كاف بالطبع لتغطية كافة أنحاء الجمهورية.

فتجربة الشبكة كثيفة العمالة من قارئي العدادات والمحصلين سجلت فشلا ذريعا على مدى العقود الماضية، خاصة مع الزيادة الكبيرة في التعداد السكاني والتوسع العقاري، حتى باتت العديد من المناطق السكنية بلا تحصيل لفواتير الاستهلاك رغم تركيب عدادات قراءة الاستهلاك بها، فضلا عن تشكيل العدد المحدود من قارئي العدادات لـ "لوبيات فساد" تحصل على أموال نظير خدمات غير مشروعة، منها تسجيل قراءات مغلوطة لصالح من يدفع.

الثاني: أما المحور الثاني فيتمثل في تكرار صدور قرارات من جانب مجلس الوزراء، ووزارة الكهرباء، بوقف تركيب العدادات مسبقة الدفع، بحجج شتى، منها تنفيذ تعليمات التأمين الاحترازي، التي طلبتها وزارة الطيران المدني، قبل إمداد الأدوار العليا بالتيار الكهربائي، ومن ثم التراجع عنها والعودة إلى إعلان استئناف تركيب العدادات من جديد.

هذا التردد أشاع بين كثير من المواطنين معلومات مغلوطة بشأن إمكانية الحصول على العدادات الجديدة من حيث المبدأ، فضلا عن تحديد مدى قدرتهم على تحمل تكلفة التوصيل الرسمي للتيار الكهربائي.

وبإضافة تضاعف قيمة حساب مقايسة هذا التوصيل، يمكن استنتاج المدى الذي وصلت إليه خسائر قطاع الكهرباء جراء عزوف ملايين المواطنين عن تركيب العدادات مسبقة الدفع.

وإزاء ذلك، ربما قال المتابع إن "تشجيع الدولة" لما يجري ليس سوى تعبير مجازي عن حالة الاهتراء والترهل الإداري الذي وصل إليها قطاع الكهرباء، حتى بات أحد أكبر معاقل الفساد المالي في مصر، لكن ذلك غير صحيح في الواقع، إذ أن تشجيع الدولة مقصود على الحقيقة بتعمد تعطيل الاعتماد على أسلوب التحصيل القديم بالتوازي مع تعزيز ركود الطلب على تركيب العدادات مسبقة الدفع.

بيزنس سيادي

وربما تساءل البعض: ما هي مصلحة السلطة الحاكمة في سياسة تكبدها خسائر بالمليارات؟ وهو ما تمثل حملة "التأميمات" الأخيرة لعدد من شركات القطاع الخاص، مفتاحا للإجابة عليه.

تحوَّل إجراءُ التحفظ على أموال وشركات مَن تتهمهم الدولة بالانتماء إلى جماعة "الإخوان" من إجراء قانوني يُراد به مواجهة بنية الجماعة الاقتصادية بتهمة استغلالها في تمويل أعمال العنف، إلى أداة لتأميم قطاعات جديدة من الاستثمارات الخاصة؛ لمصلحة مقربين من النظام، أو مؤسسات من داخله، خاصة القوات المسلحة.

وفي هذا السياق، وتحت لافتة لجنة حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان، قررت السلطات التحفظ على 19 شركة تمثل 80% من إجمالي تجارة التجزئة بمجال الاتصالات والإلكترونيات، بينها مجموعة "دلتا" المالكة للاسم التجاري المعروف "راديو شاك"، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

وبإسقاط مضمون التجربة على قطاع الكهرباء يمكن قراءة استفادة السلطة الحاكمة من بقاء الأوضاع الحالية مادام أن تعويض "محوري النقص"، المتسببين في أزمة الخسائر الكبيرة، سيكون من نصيب شركات تابعة لمؤسسات الدولة السيادية.

ومن هنا جاء إعلان وزير الكهرباء، محمد شاكر، أن الوزارة تدرس التعاقد مع "جهة سيادية" للاستعانة بها في قراءة العدادات، بحجة أن الحفاظ على المعلومات الخاصة بقواعد البيانات في وزارة الكهرباء باعتبارها "أمناً قومياً"، وما تلاه من تصريح للمتحدث باسم الوزارة، أيمن حمزة، بأن "الكهرباء" بصدد إعلان التعاقد مع شركة "فالكون جروب"؛ لأداء هذه المهمة.

وغني عن البيان علاقة "فالكون" الوطيدة بالأجهزة السيادية، حيث بدأت كشركة حراسات خاصة، تولت تأمين المقرات الانتخابية لحملة الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2014، واستقر بها المآل كمجموعة "بيزنس شامل" تشمل الاستثمار في إنشاء إذاعة (DRN) والاستعداد لتأسيس  قناة فضائية، بإدارة اللواء "خالد شريف", الوكيل السابق لجهاز الاستخبارات الحربية.

هذا عن علاج محور القصور الأول، فماذا عن الثاني؟ جاءت الإجابة واضحة، الأربعاء (23 أغسطس) في لقاء جمع السيسي بوزير الإنتاج الحربي، محمد العصار، الذي قدم تقريرا عن نتائج أعمال الشركات التابعة للوزارة خلال عام 2016 و2017، متضمنا "تصنيع العدادات الذكية مسبقة الدفع".

وتشير هذه الخطوة، التي أشاد بها السيسي خلال الاجتماع، إلى أن السلطة الحاكم تتجه إلى تغطية الطلب المتوقع بكثافة على العدادات مسبقة الدفع بعد تشديد "فالكون" لعملها بالمحور الأول، عبر توفير عدادات مصنعة بمصانع الإنتاج الحربي، وبسعر أرخص من تلك المستوردة حاليا، بما يضمن أرباحا بمليارات الجنيهات، قياسا على تكلفة العداد الواحد.

من هنا كانت تهيئة الأوضاع لتثبيت ركود الطلب على العدادات المستوردة، بالتوازي مع تدشين بيزنس "فالكون" الجديد.

تلخيصا لما سبق، إذا كانت "الاتصالات والإلكترونيات" هي قطاع "التأميم" الأول في حملة "التحفظ" على شركات خاصة لصالح الدولة، فإن قطاع الكهرباء هو المستهدف رقم 2، وبأرباح خيالية، ربما تفوق القطاع الأول.

الخسائر المؤقتة، وفق هذا الحساب، مقبولة من جانب السلطة الحاكمة، في إطار خطتها لعسكرة الاقتصاد، والتي يبدو أنها مستمرة على قدم وساق.