قراءة في أحداث قد تكتب شهادة وفاتها.. هل تنهار تفاهمات مصر وحماس؟ «تحليل»

قراءة في أحداث قد تكتب شهادة وفاتها.. هل تنهار تفاهمات مصر وحماس؟ «تحليل»

08:40 ص

30-أغسطس-2017

شواهد ودلالات ربما تحمل في طياتها شهادة وفاة التفاهمات الوليدة التي اتفقت عليها مصر وحركة حماس.

هل باتت الترتيبات الأمنية بين مصر وحركة حماس من جهة، والتفاهمات التي رعتها القاهرة بين الحركة والقيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان من جهة أخرى، على المحك أم أنها ماضية قدمًا في طريقها مع التزام الأطراف كافة بما اتفق عليه؟

التساؤل أثارته مجموعة من الأحداث شهدتها الأيام الماضية، تدفع باتجاه ربما ينذر بانهيار تلك التفاهمات، وانتهاء شهر العسل بين أطرافها، إلا أن شواهد أخرى تقود إلى اتجاه معاكس يفضي إلى استمرار التفاهمات.

وعلى الرغم من الجدل الذي أُثير حول هذه الملابسات، إلا أن حركة حماس واصلت تنفيذ تعهداتها ضمن الترتيبات الأمنية بالمنطقة الحدودية مع مصر، وشرعت وزارة الداخلية في القطاع الذي تحكمه حماس في استكمال إقامة المنطقة الأمنية العازلة من خلال وضع أسلاك شائكة على طول الشريط الحدودي، تمهيدًا لتوفير الإنارة، وتركيب الكاميرات.

ضربتان لتحالف دحلان

لكن، وبينما تستكمل حماس ترتيباتها الأمنية مع مصر فإنها في الوقت نفسه تضرب تفاهماتها مع دحلان في مقتل، حيث كشفت تقارير إعلامية، أن الحركة قررت وقف التواصل واللقاءات مع عضو المجلس التشريعي والرجل القوي في فتح رغم فصله.

مصدر مطلع قال إن حماس اتخذت قرارًا بوقف التواصل واللقاء مع دحلان، مع بقاء التواصل واللقاءات مع اللجنة الوطنية الإسلامية للتنمية والتكافل الاجتماعي (تكافل)، التي تضم قيادات فتحاوية تمثل "التيار الإصلاحي" في حركة فتح والمدعومة والممولة من قبل دحلان.

وعلى الرغم من عدم الثبت من صحة هذه الأنباء، وفي الوقت نفسه عدم توضيح المصدر ما إذا كان قرار وقف التواصل واللقاءات بالقيادي دحلان مؤقت أم نهائي لا رجعة فيه، إلا أن عدم نفي الطرفين لها حتى الآن يزيد من صحتها.

في المقابل، أبدت حماس موافقة مبدئية على عرض قدمه رئيس السلطة الفلسطينية وغريم دحلان الأقوى محمود عباس، نظير إلغاء تفاهماتها معه.

مصادر فلسطينية كشفت، أن عباس اقترح وقف وتجميد كل الإجراءات العقابية التي اتخذها ضد قطاع غزة بما فيها التراجع عن قطع الكهرباء والسماح بدخول مادة الديزل وسحب قرار البنك المركزي الفلسطيني بمنع تحويل الدولار أو العملة الأجنبية لفروع البنوك العاملة في القطاع، مقابل حل اللجنة الإدارية في القطاع والإعلان عن إنهاء الترتيبات التي جرت مع دحلان فورًا.

خطة عباس، اعتبرتها المصادر مقدمة قبل الانتقال للمرحلة التالية وهي العودة لطاولة المصالحة وإنهاء الانقسام ثم حل المجلس التشريعي وإجراء انتخابات والمبادرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية بالشراكة مع حماس.

الحركة، رغم موافقتها المبدئية إلا أنها اشترطت أن يعلن عباس وقف كل الإجراءات العقابية أولًا وقبل التفاوض على بقية التفاصيل، وألا تعلن حماس إسقاط كل ترتيباتها مع أي طرف، لتضمن التنفيذ.

وهكذا شكل نبأ وقف اتصالات حماس مع دحلان من ناحية، وتوافقها المبدئي مع خطة عباس المضادة لترتيباتها مع الرجل برعاية مصرية، ضربتان قويتان لمجمل الترتيبات والتفاهمات التي أجرتها مصر مع الحركة ورعت أخرى بينها وبين دحلان، وربما يعد هذان المتغيران، إن ثبتت صحتهما أكبر شاهدين على احتمالية انهيار الأمر برمته.

المتغيران يجددان الجدل الذي أثير في بداية الإعلان عن التفاهمات والترتيبات التي رعتها مصر، واتفق بموجبها على عودة دحلان لقطاع غزة وتوليه السلطة فيه، تمهيدًا لانتخابات رئاسية جديدة.

هذا الجدل انطوى على مجموعة من المخاوف بشأن جدية الطرفين في تنفيذ تعهدات الوحدة بينهما، فضلًا عن مخاطر يمكن أن تهدد القضية الفلسطينية برمتها.

صفقة التقارب يبدو أنها ستقضي تمامًا على فرص استعادة الوحدة السياسية والجغرافية الفلسطينية، وترسخ لكون قطاع غزة كيانًا مستقلًا، فيندفع حكامه نحو الانشغال بمعالجة الأزمات المتفاقمة بعيدًا عن جوهر القضية مثل القدس وحق عودة اللاجئين.

"أبو مازن" يشكل بعدًا محتملًا آخر للمخاطر، حيث يتوقع أن يضع العراقيل أمام اتفاق يبعده عن المشهد الغزاوي، ومن ثم الفلسطيني شيئًا فشيئًا، فضلًا عن علاقته الوثيقة بالنظام المصري واحتمالية أن تعكر الصفقة من صفو هذه العلاقة التي ستنعكس حتمًا على القضية الفلسطينية، وها هو بالفعل بدأ في تخريب العلاقة الوليدة بين حماس ودحلان.

ولعل المفاجأة التي شكلتها موافقة دحلان على الصفقة، وعلاقات الرجل المتشعبة بأطراف إقليمية ودولية من بينها الاحتلال الإسرائيلي ذاته، تثير الشبهات حول استمراره في تنفيذ ما يُتفق عليه، بل يمكن فهمها في إطار سعيه لتصفية حسابات مع خصوم الأمس.

ففي الوقت الذي اتهم فيه دحلان وجماعته حماس بممارسة أعمال القتل بحقهم إبان أحداث الانقسام عام 2006، فإن حماس تتهمه وجماعته بالشروع في تنفيذ انقلاب عسكري ضد شرعيتها الدستورية، وتشكيل فرق ومجموعات خاصة لقتل وتصفية كوادر حماس، تمهيدًا لإقصائها عن المشهد السياسي الفلسطيني، وهكذا تصبح صفحة الماضي عصية على الطي.

اختطاف "قشطة" وسوابقه

وكما كان الأمر على أرض الواقع إيجابي من قبل حماس في استمرار إقامة المنطقة الحدودية العازلة، فإنها كانت سلبية من جانب مصر التي أوقفت حافلة حجاج غزة المتجهة إلى الأراضي المقدسة قبل أيام.

فبعد مرورها من معبر رفح البري وقبيل وصولها إلى مدينة الشيخ زويد بسيناء، أوقفت قوة من الجيش الحافلة وأنزلت فلسطينيًا يُدعى "عبدالقادر قشطة"، واقتادته لمكان مجهول بعد أن سمحت لتلك الحافلة وباقي الحافلات التي كانت تقل 500 حاج من غزة باستمرار الرحلة.

ورغم اتفاق المواقع الإخبارية الفلسطينية في نقل تفاصيل ما جرى في عملية القبض، إلا أنها اختلفت في تقرير مصير الرجل.

ففي حين أكد مصدر خاص لوكالة "فلسطين اليوم" الإخبارية، أن الأمن المصري أفرج صباح الإثنين، عن "قشطة" بعد استجوابه وأنه لحق بركب الحجاج، نفت عائلة الرجل الأربعيني ما تردد من أنباء بشأن الإفراج عنه، مؤكدة أنه لا يزال محتجزًا لدى أجهزة الأمن المصرية في موقع الكتيبة 101 داخل معسكر حي الزهور بالشيخ زويد.

وعلى الرغم من تأكيد عائلة الفلسطيني أنه لا ينتمي لأي فصيل سياسي أو عسكري في غزة، إلا أن عملية الاعتقال ألقت بظلالها على العلاقات بين مصر وحماس وعكرت صفوا نادرا استمر لأشهر.

يعزز من هذا أن هؤلاء الحجاج تابعون لمكرمة خادم الحرمين الشريفين لأهالي شهداء غزة، وأن أسماءهم مرت بالعديد من مرحل البحث والتحري المشتركة مصريًا وفلسطينيًا، ومن ثم سُمح لهم بالخروج من معبر رفح.

وبالتالي فإن "قشطة" ليس مطلوبًا لدى أجهزة الأمن المصرية، أو متهمًا في أية قضية من القضايا المتهم فيها فلسطينيين منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013، الأمر الذي يحيط الخطوة المصرية بالمزيد من الغموض وعلامات الاستفهام.

كما أعاد الحادث للأذهان حادثًا مماثلًا وقع في المنطقة ذاتها قبل عامين، واتهمت فيه حماس أجهزة الأمن المصرية باختطاف 4 من كوادرها كانوا في طريقهم إلى تركيا للعلاج والدراسة بعد الحصول على التصاريح الأمنية المصرية اللازمة، ولم يُعرف مصيرهم إلى الآن.

إلا أنه في أغسطس الماضي، أي بعد الحادث بعام، نشرت فضائية "الجزيرة مباشر"، صورة أظهرت ما قالت إنهما فلسطينيَيْن اثنين، تحتجزهما السلطات المصرية، في مقر أمني بلاظوغلي، وسط القاهرة.

ووفق ما نشرته القناة، يظهر في الصورة كل من: "ياسر زنون" مُمَددًا على الأرض، يقابله "عبدالدايم أبو لبدة" جالسًا القرفصاء، وبرفقتهما نحو 10 محتجزين، المعلومة المعلنة، جاءت في طيات تقرير "الجزيرة"، التي قالت إنها تلقت الصورة من أسرتي المختطَفْين، اللتين رفضتا الإفصاح عن مصدرها.

حادث "قشطة" رغم أنه يمكن اعتباره عرضيًا، إلا أنه قد ينطوي على دلالات هامة تصيب التفاهمات بين مصر وحماس إصابة بليغة ربما تهدد وجودها من الأساس.

حماس وإيران "حبايب"

الإثنين 28 أغسطس الجاري، شهد لقاءً هو الأول من نوعه بين رئيس حركة حماس في قطاع غزة "يحيى السنوار" والصحفيين، أكد خلاله أن إيران هي "الداعم الأكبر" للجناح العسكري للحركة (كتائب القسام).

"السنوار" أوضح أن إيران هي الداعم الأكبر بالسلاح والمال والتدريب للكتائب وأن الدعم الإيراني العسكري لحماس "استراتيجي"، مؤكدًا أن علاقة الحركة مع طهران أصبحت "ممتازة جدًا وترجع لسابق عهدها" خصوصا بعد زيارة وفد حماس لإيران الأخيرة.

تصريحات الرجل الأول في حماس داخل فلسطين، ربما تعبر عن اتجاه جديد داخل الحركة يعني بالتقارب مع إيران، بعد سنوات من التوتر إثر اندلاع الثورة السورية.

لكن في الوقت ذاته يأتي هذا التقارب وسط متغيرات إقليمية شديدة الارتباط، أبرزها ما يتعلق بالأزمة الخليجية وتداعياتها وقرار قطر الأسبوع الماضي عودة سفيرها في طهران لممارسة مهامه، الأمر الذي يعكس تماهيًا ما بين الدوحة وحماس والضلع الثالث إيران ورابعهم تركيا.

هذ الأمر لم ينفه السنوار، الذي وصف في حديثه علاقات حماس مع كل من تركيا وقطر بأنها "ممتازة".

ولعل هذا التقارب الحمساوي مع إيران وكذا العلاقات الممتازة مع قطر يضعان مصر في موقف حرج أمام حليفيها الخليجيين السعودية والإمارات اللتين تقودان رباعي حصار الدوحة، حرج ربما يقود التفاهمات بين القاهرة والحركة إلى طريق مسدود.

حماس ربما قد تكون اضطرت إلى اتخاذ هذا الموقف، تحت ضغوط إيرانية قوية باعتبار طهران هي المزود الوحيد للحركة بالسلاح والدعم المالي، أو وسط وضع إقليمي يزيد من عزلة الحركة ويخنق موارد تمويلها.

كما يمكن قراءة الموقف الحمساوي في ظل التقارب الذي يتمتع به مثلث داعميها الأكبر وربما الأوحد (قطر، تركيا، إيران) على وقع الأزمة الخليجية، الأمر الذي يجبرها على اتخاذ المواقف التي لا تعارض توجهات تلك الدول.

ومرة أخرى تبرهن إيران على أنها الرابح الوحيد من أزمات المنطقة، حتى تلك التي ليس لها بها علاقة مباشرة، وخير مثال هي قدرتها على إدارة الأزمة الخليجية لصالحها. (تحليل سابق للقصة يبين كيف حدث ذلك)

المياه تعود لمجاريها!

"المياه تعود لمجاريها" تعبير يطلق على تغيرات إيجابية في العلاقات الإنسانية والسياسية بالعودة إلى وضعها الطبيعي الجيد الذي كانت عليه قبل أن تنغصها الأحداث والمتغيرات، لكن يبدو أنه في حالة مصر وحماس ستكون له دلالة معاكسة.

ففي حال انهارت التفاهمات الحالية بين الطرفين وبين الحركة ودحلان، فإن مستقبل العلاقة ربما يعود كما كان في السابق بل يتجه إلى مزيد من التوتر والنفور، الذي بلغ مداه في أعقاب عزل مرسي.

ولطالما اتسمت العلاقة بين حماس والأنظمة الحاكمة في مصر بالتذبذب، لكنها لم تصل أبدًا إلى العداء كما لم ترتقي إلى مرحلة الوئام.

وكان الحسم العسكري الذي استولت بموجبه الحركة على الحكم في قطاع غزة من غريمتها فتح، نذير تغير لافت في علاقات الطرفين، مالت بموجبه مصر في حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك إلى كفة فتح وناصبت حماس العداء، وأنشأت الجدار الفولاذي على الحدود وأغلقت معبر رفح المتنفس الوحيد لأهالي القطاع، وبلغ الأمر ذروته بوقوف القاهرة متفرجة على العوان الإسرائيلي الغاشم على غزة أواخر 2008 أوائل 2009.

بعد ثورة 25 يناير 2011 تبدلت الأحوال، واعترفت مصر بالحركة بل والتقى رئيسها المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين قادتها بشكل رسمي كقادة الدول، لكن الأمر لم يدم طويلًا ليرجع الوضع إلى أسوأ مما كان عليه.

حيث تعرضت غزة لعدوان جديد عام 2014، ودمرت مصر آلاف الأنفاق التي كانت شريان حياة لأهالي القطاع، وأغرقتها بمياه البحر المتوسط، ووطدت علاقتها مع الاحتلال بشكل غير مسبوق.

لكن الشهور الأخيرة شهدت حلحلة في الموقف المصري، انعكست على اتفاق التفاهمات الأمنية على الحدود ورعاية القاهرة لترتيبات حماس ودحلان في غزة، لكن يبدو أن الأمر لن يدم طويلًا أيضًا.

اللافت أن الحديث عن المخاطر التي تهدد التفاهمات يأتي بعد أسابيع من تسريب الخطة رباعية البنود التي قدمتها كتائب القسام للقيادة السياسية في حماس للتعامل مع الأوضاع اللا إنسانية في قطاع غزة.

مصدر فلسطيني قال في تصريحات خاصة نقلتها وكالة أنباء "الأناضول" الخميس الماضي، إن الخطة "تتلخص في إحداث حالة فراغ سياسي وأمني بغزة، قد يفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات بما في ذلك حدوث مواجهة عسكرية مع الاحتلال".

وبموجب الخطة تتخلى حركة "حماس" عن أي دور في إدارة القطاع، وتكلّف الشرطة المدنية بدورها في تقديم الخدمات المنوطة بها، وتقوم بعض المؤسسات المحلية بتسيير الشؤون الخدماتية للمواطنين.

كما ستكلف كتائب القسام والأجنحة العسكرية التابعة للفصائل الفلسطينية، بملف السيطرة الميدانية الأمنية، وتتابع الأجهزة الأمنية في وزارة الداخلية التي تديرها "حماس"، الأمور الميدانية المدنية فقط.

الخطة، تردد كثيرًا أنها تأتي في إطار الضغط على أطراف دولية وإقليمية وعلى رأسها مصر، من أجل حل الأزمات المعيشية والإنساية الحرجة التي يعاني منها قطاع غزة بسبب استمرار الحصار عليها من جهات ثلاث.

فإسرائيل تغلق معابرها الحدودية، ومصر لا تفتح معبر رفح بشكل دائم يسمح بمرور المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء وغيرها، كما اتخذ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، مؤخرًا، قرارات وُصفت بالانتقامية ومنها فرض ضرائب على وقود محطة الكهرباء، والطلب من إسرائيل تقليص إمداداتها من الطاقة للقطاع، بالإضافة إلى تقليص رواتب موظفي الحكومة، وإحالة الآلاف منهم للتقاعد المبكر.

كما تردد أنها تأتي استشعارًا من الحركة بأنها وقعت فريسة لتحالف مصر ودحلان، وأنها أُجبرت على قبول التافهمات الأمنية والإدارية معهما رغمًا عنها، الأمر الذي يجعلها في سياق التهديد المباشر لمصر بما تحمله خطورة الأوضاع في غزة من انعكاسات على الأوضاع الأمنية المتردية أصلًا في سيناء.

يضاعف هذا السيناريو من احتمالية فرار المقاتلين من القطاع إلى غزة للانضمام إلى المجموعات والتنظيمات المسلحة التي تنشط هناك وتصوب أسلحتها ضد السلطة المصرية، أو حتى تشكيل مجموعات أخرى تستطيع الحصول على السلاح وتوفير الترتيبات اللوجيستية اللازمة لانطلاق عملياتها.