بعد قراراتها الأخيرة.. ماذا يمكن أن تخسر حماس؟ (تحليل)

بعد قراراتها الأخيرة.. ماذا يمكن أن تخسر حماس؟ (تحليل)

08:12 ص

20-سبتمبر-2017

كثيرون من المتعاطفين مع حماس برروا لقرارات الحركة التي أتت بعد أعوام من الضغط والحصار، وراحوا يعددون مكاسب الحركة المحتملة بعد هذه القرارات، وهونوا كثيرا من شأن ما يمكن أن تخسره حماس؛ لكن هل حقا كل ما يمكن أن تخسره الحركة من وراء ذلك هين؟

بعد ميلها للقاهرة واستجابتها لجهود وساطتها، أعلنت حركة حماس حل لجنتها الإدارية لقطاع غزة واستعدادها لإجراء الانتخابات والمضي قدما في إتمام المصالحة وسط ترحيب وتصفيق عالمي للقرارات التي اتخذتها حماس؛ وبينما رحب الجميع بقرارات حماس واعتبروها نصرا للقضية الفلسطينية وأن الجميع رابح من ورائها.. كان من الواجب الوقوف لمراجعة الموقف بدقة ومعرفة ماذا خسرت حماس.. أو ماذا يمكن أن تخسر؟

كثيرون من المتعاطفين مع حماس برروا لقرارات الحركة التي أتت بعد أعوام من الضغط والحصار، وراحوا يعددون مكاسب الحركة المحتملة بعد هذه القرارات، وهونوا كثيرا من شأن ما يمكن أن تخسره حماس؛ لكن هل حقا كل ما يمكن أن تخسره الحركة من وراء ذلك هين؟

محور المقاومة يتفرق

واقعيا.. لا يمكن اعتبار ما يمكن أن تخسره حماس هينا، فالحركة التي سبق أن فقدت من أبرز داعميها العسكريين سوريا إلى الأبد تقريبا ما لم يرحل بشار الذي يتهمها بدعم معارضيه عسكريا، وبالتالي خسرت المحور الإيراني تقريبا وحزب الله.. باتت اليوم بميلها إلى القاهرة مهددة بخسران بقية داعميها السياسيين من محور المقاومة، فانصياع الحركة للقاهرة أو الغريم التقليدي لكل من قطر وتركيا قد يترك في النفس تجاه الحركة شيئا، خاصة أن حماس انصاعت للقاهرة وأثنت على جهودها في الوقت ذاته الذي تشارك فيه في حصار الدوحة.

كما أن الانصياع إلى القاهرة لم يكن أول ضربة على رأس قطر وتركيا، فحماس سبق أن التقت بـ«محمد دحلان» رجل الإمارات العسكري ومفوضها لشئون الترتيبات الخلفية أو المؤامرات كما يصفه بعض المقربين من الدوحة..، فهل كان ميل حماس القاهري هو الضربة الثانية في رأس قطر وتركيا.. أم أن الحركة نسقت معهما ذلك سلفا وتفهما أوضاع الحركة الصعبة.؟

موسى أبو مرزوق في تصريحاته لـ«القدس للأنباء» لم ينف أن حرجا وقع بين حماس وقطر وتركيا بسبب دحلان، إذ اعترف بذلك قائلا «العلاقة مع تيار دحلان تسببت لنا في بعض الحرج مع القطريين والأتراك ولكننا نناقش هذه القضية معهم لحلها»، لكنه لم يأت على ذكر ما إذا كان الميل إلى مصر قد سبب حرجا آخر أم إنهما تفهما ذلك.

يمكن القول الآن إن حماس «خارجيا» بعدما خسرت سوريا - وإيران نسبيا - وحزب الله أبرز داعميها العسكريين، باتت مهددة بفقد قطر وتركيا أبرز داعميها السياسيين والماليين؛ وهي خسارة ليست بالهينة، كما أنه لا يمكن تبرير ذلك بأنها كسبت مصر داعما، فالقاهرة لن تمد حماس بالسلاح، كما أن فتحها معبر رفح مرهون بعدم وجود فيتو أمريكي وإسرائيلي على ذلك، فحماس تدرك إذن أنها إن خسرت دول المقاومة.. لن تكسب أحدا في المقابل، ببساطة لأن الرؤية والإستراتيجية مختلفة، حتى وإن تلاقت المصالح في بعض الأشياء، لكن ذلك ليس كل ما يمكن أن تخسره حماس فما يمكن أن تخسره على الصعيد الداخلي ليس أقل من ذلك.

الظهير الشعبي

حرج آخر وخطر جديد بالخسارة تواجهه حماس، هذه المرة ليس خارجيا، فعلى الصعيد الداخلي لا تبدو حماس مستعدة بعد لتشرح لظهيرها الشعبي سبب لقاءاتها مع دحلان، وذهابها للقاهرة، رغم كل الكلام الذي قالته فيه سابقا والاتهامات التي وجهتها إليه، وكذلك الاتهامات التي وجهتها هذه الأطراف إليها..

لذلك تبدو حماس متكتمة على ما يجري نسبيا، فلم تخرج لتشرح الأمر برمته وأسباب ذلك، فالمسألة بالنسبة لها حساسة جدا وخاصة ما يتعلق منها بالعلاقة مع دحلان، وربما هي تنتظر لحظة مناسبة لتبوح بما جرى ويجري.

حتى الآن لا تفضي حماس بالمعلومات الكافية حول اتصالاتها مع الآخرين وخاصة محمد دحلان، ولا تتحدث عن اتفاقيات قد تكون عقدتها مع بعض الدول؛ فهي تحسب حساب المواقف السلبية سواء من داخل الحركة أو خارجها، وهناك معارضون للتقارب مع دحلان من داخل الحركة، وهناك مِنْ خارج الحركة مَنْ ينتظرون تقاربا لشحذ سكاكينهم ضد حماس، ولهذا اختارت الحركة التكتم النسبي على هذا الأمر.

واضح أن حماس تركت ظهيرها يعيش حالة من الضبابية بسبب البون الواسع بين مواقفها المبدئية ومواقفها تحت الاضطرار؛ فالاضطرار وقسوة الحصار دفعا الحركة إلى الانحناء، والمبدأ المعلن وسقف الصمود الذي طالما تغنت به الحركة لا يوافق تحركاتها السياسية الأخيرة.

في النهاية ستجد حماس نفسها أمام السؤال المطروح من ظهيرها الشعبي قبل أعدائها الشامتين: هل هي متمسكة بالمبدأ ولو كان على حساب المصلحة، أم أن للمصلحة أولوية؟ وستجد نفسها أيضا أمام حتمية الاختيار في التعاون مع الدول: هل ستحسن علاقاتها مع طهران وحزب الله ومن ثم مع سوريا، أم ستعزز علاقاتها مع دول الخليج ومصر؟

وتجدر الإشارة إلى أنه لا شيء تتكئ عليه الحركة في صراعاتها أهم من ظهيرها الشعبي الذي تحمل حصارا خانقا وأوضاعا معيشية مزرية وخسائر في الأموال والأرواح.. حماس الآن مهددة ربما إذا لم تحسن استمالة ظهيرها المتحمس بفقدان ذلك، سيسائلها كثيرون: «لماذا انتظرنا كل ذلك مادمنا سننحني في النهاية؟».

القطاع.. بؤرة الحركة

وإذا كان الحديث دائرا حول الظهير الشعبي للحركة، فإنه كذلك لابد من الإشارة إلى الظهير الجغرافي لها، فحماس التي اعتادت طيلة 10 سنوات ألا يكون هناك يد فوقها في قطاع غزة، سيكون عليها وفقا للاتفاق أن تسلم إدارة غزة إلى حكومة الوفاق الوطني، أي إن الإدارة والحماية والتصرف المطلق في القطاع لن يكونا كما اعتادت عليه حماس لحقبة كاملة.

سيكون التفوق الذي بنته حماس عبر تطهير القطاع من الجواسيس والخونة دون أن يسائلها أحد، وعبر حفر مدن من الأنفاق تحت القطاع بكامله مهددا، فهي الآن لا تدير القطاع مطلقة اليدين كما دأبت في الفترة الماضية، وستكون التدخلات في إدارة القطاع من الحكومة الوافدة التي تريد فرض سيطرتها والتأكد من أنها ليس مجرد واجهة كثيرة.

آلاف الموظفين والمواطنين الذين اعتادوا أن يمالئوا حماس ويتوددوا إليها باعتبارها المتصرف الأوحد في أمورهم سيجدون الآن متكئا آخر، وربما يفضلون الهرولة إليه بعد طول حصار ومعاناة، وقد يكون التودد إلى السلطة الجديدة في القطاع بمعاداة القديمة، خاصة إذا أمنوا أن عقاب القسام لن يكون مشرعا بنفس الحرية التي كان ينزل بها في السابق على كل من تسول له نفسه التقارب مع «الخونة أو الجواسيس».

البؤرة الجغرافية التي استخلصتها الحركة لصالح مشروع المقاومة لن تعود خالصة دون شوائب كما اعتادت في السنوات العشر الماضية.. خسارة أخرى قد تواجهها حماس، ليست خسارة سهلة أيضا، صحيح أن حماس هي الأقوى عسكريا في القطاع بتفوق كبير وواضح، لكن يدها لن تكون حرة تماما كالسابق.

الفصائل الفلسطينية

إلى جانب الظهير الشعبي، فإن حماس التي اختارت ألا تخسر أحدا من الفصائل سيكون عليها بناء الثقة المتبادلة بينها وبين الفصائل من جديد، فحركة فتح التقليدية بقيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن لم تنس بعد أن حماس تفاوضت مع غريمها المنشق عنها والمتربص لإزاحة عباس والانقضاض على السلطة «محمد دحلان»، وهو التفاوض الذي كانت تظنه فتح رابع المستحيلات لموقف حماس ودحلان كلا من الآخر، واختلاف الإستراتيجيات والمبادئ.

وربما كان لقاء حماس بدحلان سببا في هرولة وفد فتح للقاهرة بعد أن خشي أن يصبح خارج الدائرة فعليا، لكن دحلان هو الآخر رغم ربحه بلقاء حماس أنه قد تم تثبيته كطرف فاعل في الشأن الفلسطيني، فإنه قد يحمل على حماس أنها باعته عند أول منعطف وصالحت حركة فتح برئاسة أبي مازن.

ومن ناحية أخرى، فإن موقف فصائل المقاومة الفلسطينية -وخاصة حركة الجهاد الإسلامي ولجان المقاومة الشعبية- من هذا الأمر غير مسجل علنا حتى الآن، فهذه الفصائل لن تقبل بدور كبير لدحلان في غزة خاصة أنها لا تزال تذكر ما صنعته القوة 17 التابعة له في أبنائها قبل حسم حماس العسكري في القطاع، كما أن لقاء حماس مع مسئولي القاهرة الذي أعقب لقاء دحلان قد يثير في تلك الفصائل علامات استفهام حول موقف حماس من خيار المقاومة.

وإذا كان من المستبعد وغير المتخيل تخلي حماس عن خيار المقاومة، فإن حركة كحركة الجهاد ستضع في حسبانها أن تحل محل حماس إذا ما أصبح الأمر المستبعد واقعا، خاصة أن حركة الجهاد تتمتع بعلاقات تاريخية مع طهران أقوى من تلك التي تتمتع بها حماس.

معركة مهمة

معركة حماس الدبلوماسية والسياسية خارجيا وداخليا؛ شعبيا وفصائليا خلال الفترة المقبلة ربما لن تقل ضراوة عن تلك المعارك العسكرية التي خاضتها ضد الكيان الصهيوني، حيث إن كل خسارة من هذه الاحتمالات تمثل ركنا لا يعوض للحركة التي بات قطاعها يئن تحت وطأة الحصار الطويل.

وإذا كان لا يمكن القول إن حماس خسرت بالفعل أيا من ذلك، فإنه كذلك لا يمكن القول إنها في مأمن من خسارة أي شيء من هذا، وإذا كان صحيحا أنها قد تتفرغ لتلك المعركة خاصة في ظل استبعاد مواجهة عسكرية قريبة مع الكيان الصهيوني، فإنه من الصحيح أيضا أن المواجهة العسكرية ليست مستحيلة في أي وقت؛ خاصة إذا استشعر العدو الصهيوني أنه قد يكسر حماس أخيرا إذا هاجمها في أضعف حالاتها.