السيسي في غزة.. هل تناور حماس أم تسير على خُطى فتح؟ (تحليل)

السيسي في غزة.. هل تناور حماس أم تسير على خُطى فتح؟ (تحليل)

04:39 ص

03-أكتوبر-2017

بين من يراها مواءمات سياسية ومن يعتبرها تفريطا في الثوابت، يبدو أن الفترة المقبلة سوف تشهد المزيد من التحولات الدراماتيكية لحركة حماس.

لافتات ضخمة تحمل صور الرئيس عبد الفتاح السيسي تملأ شوارع قطاع غزة، بالتزامن مع وصول وفد الحكومة الفسلطينية من رام الله إلى القطاع، بالتنسيق مع مصر التي ترعى المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس التي تحكم القطاع.

وعلى الرغم من إزالة بعض اللافتات في وقت لاحق، بحسب ناشطين، وأيًا كان سبب إزالتها فإنها تحمل العديد من الدلالات الهامة، التي تؤشر لمستقبل العلاقة بين مصر وحماس، وما يرتبط بذلك من مستقبل القضية الفلسطينية ككل.

فهل تلجأ حماس إلى المناورات السياسية بهدف تحقيق أكبر قدر من المكاسب، أم أنها وضعت قدميها على أول طريق السير على خطى حركة فتح؟.

لافتات السيسي ولقاء نادر

اللافتات التي شغلت عدة مناطق في قطاع غزة، يبدو أنها شكلت مفاجئة ليس لأهالي القطاع فحسب، بل للمصريين أيضًا، عندما فوجئوا بالصور والأخبار المتداولة على مواقع فلسطينية وحسابات نشطاء بمنصات التواصل الاجتماعي تنقل الصور، ثم سرعان ما فوجئوا بمتابعات أخرى تفيد بإزالتها.

إحدى اللافتات حملت صورة السيسي وكتب بجانبها: "مصر لن تكل ولن تمل من أجل أن يكون الشعب الفلسطيني بأفضل حال.. تحيا مصر".

تقارير إعلامية نقلت عن نشطاء، أن الصورة رفعها أعضاء الجالية المصرية بقطاع غزة، إشادة بجهود جهاز المخابرات العامة المصرية في رعاية المصالحة الفلسطينية.

بينما حملت إحدى اللافتات التي ضمت صورة للسيسي ونظيره الفلسطيني محمود عباس شعار "جمعية الأعمال الفلسطينيين" في الجهة المقابلة لمقر مجلس الوزراء الفلسطيني وسط مدينة غزة، تقديرًا لدور مصر في عقد أول جلسة لحكومة الوفاق بالقطاع.

لكن ثمة احتمالات أخرى لمن علّق الصور، أبرزها أن من فعلها بعض عناصر حركة فتح داخل غزة، بغية إحراج حماس من ناحية أو محاولة عباس التقرب للسيسي بعد التوتر الذي شاب علاقتهما، في أعقاب رعاية مصر لتفاهمات بين حماس والقيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان خصم عباس العنيد.

كما يمكن أن تكون عناصر حماس هي من علقت اللافتات استمرارًا لحالة التوافق غير لمسبوقة مع مصر، إلا أنها الغضب الذي اجتاح قطاعًا من الفلسطينيين والمصريين على حد سواء عبر مواقع التواصل، أجبرها على الإزالة.

ويبدو من غير المنطقي البحث في تداعيات وأبعاد مثل هذا الموقف، بمعزل عن حدث آخر جرى قبله بيوم واحد في غزة أيضًا، فللمرة الأولى بشكل معلن يلتقي وفد دبلوماسي وأمني رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية داخل قطاع غزة.

الصورة أيضًا كانت لافتة للغاية ومثار جدل كبير، في اللقاء الذي جمع هنية وقائد حماس في غزة يحيى السنوار، بكل من: اللواء همام أبو زيد، واللواء سامح كامل، من جهاز المخابرات العامة المصرية، والسفير المصري لدى إسرائيل حازم خيرت.

حيث ظهر في خلفية الصورة البروتوكولية للقاء، علما مصر وفلسطين يتوسطهما علم حماس، في دلالة شديدة الرمزية على مستوى العلاقات بين الطرفين.

مناورة أم تفريط في الثوابت؟

محاولة ربط هذين المشهدين بالتطورات السابقة والخاصة بالتقارب بين مصر وحماس، تقود إلى سيناريوهين يفسران إلى حد كبير موقف الحركة.

السيناريو الأول يشير إلى أن الحركة تتعامل مع الوضع الحالي بطريقة واقعية أو إن صح التعبير "براجماتية" نفعية، حيث تبحث عن مصالحها أينما كانت حتى لو تعرضت لانتقادات وهجوم.

حماس تدرك جيدًا أنها تحيا في محيط ينبذها باعتبارها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين المصنفة إرهابيًا والمعزولة عن الحكم والملاحقة أمنيًا في معظم الدول العربية وعلى رأسها مصر.

كما أن التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، ربما لا تعطي للحركة فرصة إلا أن تتعامل وفق هذه النظرية، فهي عمليًا محاصرة من جميع الجهات للعام الحادي عشر على التوالي، وأصبح تمويلها المالي في خطر شديد في ظل الأزمة الخليجية ومحاولة إعادة ترميم العلاقات مع إيران.

هذا المحيط العربي يسارع الخطى في تطبيع العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، بشكل يجعل حماس مخنوقة داخل قطاع غزة.

وتعلم حماس أيضًا أن الاحتلال يتربص بها وبالقطاع الذي تحكمه منذ عام 2007، وينتظر أية فرصة للانقضاض عليه كما فعل في حروب سابقة أعوام 2008، و2012، و2014، فضلًا عن غضب شعبي مكتوم بسبب فشلها في إدارة بعض شؤون القطاع المتعلقة بمتطلبات الحياة اليومية للمواطنين مثل الكهرباء والروتب.

إذن تريد حماس أن تخرج من العزلة التي تهددها وتوجد لنفسها فرصة للحياة وسط هذا الإقليم المضطرب، فتلجأ إلى مناورات سياسية أو محاولة تأقلم وتكيف مع أوضاع طارئة لهدف واحد وهو البقاء على قيد الحياة.

"ناجي شراب" أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة وصف أن ما يحدث على صعيد العلاقات بين مصر وحماس بالنقلة النوعية الناتجة عن "براجماتية" الحركة وانتقال قرارها السياسي لغزة.

ولعل الخطأ الاستراتيجي الذي تنبهت إليه الحركة متأخرًا، تمثل في محاولتها الجمع بين السلطة وسلاح المقاومة دون مواءمات لا تجعل هذا السلاح مرفوضًا أو تحد من استمرار تدفقه عليها.

ومن بين الأخطاء التي وقعت فيها حماس، بتقدير بعض المراقبين، أن تعاملها في البداية مع نظام ما بعد 3 يوليو 2013 في مصر، جاء من منطلق أيديولوجي وعاطفي، على اعتبار ما وقع للإخوان حينها وما تلاها.

ويبدو في الأفق، بحسب بعض التحليلات السياسية، نموذج حزب الله في لبنان ماثلًا أمام حماس، بحيث تحاول إعادة استنساخه في فلسطين بالجمع بين ممارسة السياسة والمشاركة في الحكم، وفق التصورات المطروحة بالتفاهمات المصرية، وبين بقاء سلاحها لا يمسه أحد.

في المقابل يرى آخرون أن الحركة تقدم المزيد من التنازلات والتفريط في ثوابتها الدينية والأخلاقية والوطنية، بالتماهي مع نظام السيسي الذي كان يتهم على فضائيات الحركة بعيد الإطاحة بمرسي بأنه انقلب عليه، وقتل مؤيديه وغيرها من الاتهامات المشينة.

كما تُتهم حماس بالتقارب مع دحلان، الذي يوصف بأنه العميل الأول للاحتلال، وقائد عمليات القمع والتعذيب بحق المقاومة إبان رئاسته لقطاع الأمن الوقائي في غزة قبل سيطرة الحركة عليه.

أصحاب هذه الرؤية يقولون إن مجرد رفع لافتة تحمل صورة السيسي في قطاع غزة هزيمة لثورة 25 يناير التي حققت للقطاع الكثير، على اعتبار أن السيسي يمثل ما يقال إنها الثورة المضادة.

كما يرون أن مسألة هروب حماس من الحصار الخانق المفروض عليها والمواءمة السياسية التي تدفعم للتحالف مع أعداء وخصوم الأمس، ما هي إلا مبررات يسوقها المؤيدين لتلك الخطوات، وتمثل تراجعًا من قبل حماس عن مبادئها، ورهن لمستقبلها بيد الاحتلال ومعاونيه وصفقة القرن التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية.

محطات بين المواءمة والتفريط

وبين أحاديث المواءمات السياسية والتفريط، شهدت الفترة الوجيزة الماضية عددًا من المحطات لخطوات مصيرية أقدمت عليها حماس وأثارت جدلًا واسعًا، لكنها كانت فقط المقدمة لما يحدث الآن، أو حتى تمهيد لمستقبل أكثر إثارة.

ففي أول مايو الماضي أعلنت حماس عن الوثيقة السياسية الجديدة للحركة، والتي حفلت بمتغيرات عدة في فكرة وسياسة الحركة منذ تأسيسها.

القبول بدولة فلسطينية على حدود 1967، والتنصل من الارتباط التنظيمي بجماعة الإخوان المسلمين الأم، والفصل بين اليهود والمحتلين، ربما كانت أبرز الاختلافات التي تضمنتها الوثيقة، عن سابقتها.

وفي يونيو الماضي، توصل وفد يمثل الحركة ووفد أمني مصري إلى تفاهمات عقب مجموعة من اللقاءات التي عقدت في القاهرة، بشأن تشديد القبضة الأمنية لحماس على الحدود لمنع المتسللين من دخول سيناء، مقابل المرونة المصرية في فتح معبر رفح وحل أزمة الكهرباء بالقطاع.

كما رعت مصر تفاهمات أخرى بين الحركة ودحلان، تم بموجبها الاتفاق على أن يعود الرجل إلى المشهد من خلال صيغة تشاركية للحكم في غزة، تمهيدًا ربما لترشحه في انتخابات الرئاسة الفلسطينية التي قد تعقب تحقيق المصالحة بين فتح وحماس.

ثم كانت مبادرة حماس في سبتمبر الماضي، باستعدادها لتلبية الدعوة المصرية للحوار مع فتح حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته، وتشكيل حكومة وحدة وطنية في إطار حوار تشارك فيه كافة الفصائل الفلسطينية الموقعة على الاتفاق.

كما أعلنت الحركة حل اللجنة الإدارية في قطاع غزة، ودعت حكومة الوفاق للقدوم إلى القطاع لممارسة مهامها والقيام بواجباتها، وأيضًا أعلنت موافقتها على إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة.

على خُطى فتح!

وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر في توصيف الحالة الواقعية لحماس بين محاولة التكيف في وسط مضطرب، وبين التفريط في الثوابت والمبادئ، إلا أن الجميع يبدو متفقًا أن ما يحدث ليس نهاية المطاف على الصعيدين، بل مجرد مقدمات تمهد لنتائج.

كثيرون يرون أن حماس لن تغامر بخطوات تصعيدية أخرى في هذا الملف بشكل يمثل تحولات دراماتيكية، أي أن مستقبل هذا الملف سيكون مثل حاضره، بخطوات تكتيكية متحسسة ومحدودة، لا تأتي على ما تبقى لها من رصيد في الشارع العربي والإسلامي.

ويبدو في هذا الإطار أن الشيء الوحيد الذي سوف تستميت حماس في الدفاع وعدم التنازل عنه هو سلاح المقاومة، وما تمتلكه كتائب عزالدين القسام جناحها العسكري من عدة وعتاد.

لكن آخرين ذهبوا إلى أن حماس تسير بخطى ثابتة ومتسارعة نحو تكرار تجربة حركة فتح بكل تفاصيلها، حيث تحولت من حركة تقاوم الاحتلال إلى شريك سياسي وأمني له.

الاعتراف بإسرائيل كدولة، يأتي في مقدمات ما يروج له هؤلاء من خطوات جانحة لحماس، ربما تليها خطوات أخطر على خطى فتح، أبرزها الاعتراف باتفاقية أوسلو الموقعة بين السلطة وإسرائيل عام 1993، أو حتى الدخول في مفاوضات مباشرة مع الاحتلال تمهد لتوقيع اتفاقية جديدة، ومن ثم التعاون أو التنسيق الأمني مع الاحتلال.

فهل يأتي اليوم الذي نرى فيه لقاء معلنًا بين حماس وقادة الاحتلال، أو الذي نرى فيه السيسي ضيفًا على الحركة في غزة، أو يستقبل قادتها بالقاهرة؟.