السيسي والمنظمات اليهودية العالمية.. ما أسباب اللقاءات الكثيرة يينهما؟!

السيسي والمنظمات اليهودية العالمية.. ما أسباب اللقاءات الكثيرة يينهما؟!

01:00 ص

20-أكتوبر-2017

منذ اللحظات الأولى لاستلام الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي، وينسج علاقة متشابكة و"سرية" مع إسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية لتحقيق مصالح خاصة، فما هى القصة؟ وإلى ماذا يطمح؟

يبدو أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "يعرف من أين تؤكل الكتف" في محاولة لتثبيت دعائم حكمه والاستمرار لفترة رئاسية ثانية في الانتخابات المقرر لها 2018.

السيسي الذي خلع البدلة العسكرية للترشح للرئاسة عام 2014، بدا أكثر قربا من إسرائيل لعلمه، إذ حاول التودد عبر طرق مختلفة إلى إسرائيل، ومنها إلى علاقات متشابكة وخفية مع اللوبي اليهودي في أمريكا و"الصهيونية العالمية"، إذ نال عبارات المدح والثناء من اليهود داخل وخارج الأراضي المحتلة.

كيف نسج السيسي خيوط هذه العلاقات؟، وإلى ما يرغب من هذه التحركات؟، وهل نجح في حصد مكاسب سياساته؟.

السيسي والصهيونية

الرئيس المصري فتح الباب على مصراعيه لاستقبال وفود صهيونية داعمة لإسرائيل في أمريكا في الفترة الأولى من نظامه، في خطوة أثارت استهجان قطاعات واسعة من الشعب المصري.

تعددت اللقاءات بين السيسي وهذه الوفود وكان آخرها استقبال رئيس المؤتمر اليهودي العالمي رونالد لاودر في القاهرة، قبل يومين.

اللقاء تطرق إلى قضيتين رئيسيتين وكانت بمثابة رسائل من السيسي إلى لاودر، الذي يمثل أداة ضغط على صانع القرار الأمريكي وجزء من اللوبي الصهيوني في أمريكا.

أولا: مسألة المصالحة الفلسطينية بين حركتي "حماس وفتح" برعاية مصرية، مع التأكيد أن هذه الخطوة مهمة لدفع مساعي إحياء مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين خلال الفترة المقبلة...

ومن المتوقع أن يكون السيسي قد قدم نفسه باعتباره الراعي للمصالحة الإسرائيلية في ضوء العلاقات القوية مع إسرائيل، وهى رسالة اعتاد السيسي تأكيدها على خلال لقاءات سابقة مع رؤساء منظمات يهودية وصهيونية وصلت إلى حد امتداح بنيامين نتانياهو.

ثانيا: العلاقات المصرية الأمريكية، وهنا تطرق السيسي إلى حرص مصر على تطوير وتعزيز المواقف المشتركة مع أطياف المجتمع الأمريكي حول سبل التصدي للتحديات التي تواجه المنطقة، فضلا عن ضرورة تكثيف التنسيق مع أمريكا لحل أزمات الشرق الأوسط.

ويرغب السيسي أن يحقق اللقاء تقدما لناحية رفع الحجب الأمريكي عن المعونة لمصر خلال الفترة القريبة الممكنة وإحداث مزيد من التقارب مع الإدارة الأمريكية.

ولكن هل يمتلك رئيس المؤتمر اليهودي العالمي أي وسائل ضغط على أمريكا لتحقيق هدف السيسي من عودة العلاقات قوية وعدم اقتطاع أموال من المعونة؟.

الإجابة على هذا السؤال جاءت عبر الموقع الإليكتروني لهذا المؤتمر، إذ أن هدفه الرئيسي " تعزيز التضامن لدى الجاليات اليهودية حول العالم, ولاعترافنا بالمكانة المركزية لدولة إسرائيل وبموضوع الهوية اليهودية المعاصرة، فجعل المؤتمر اليهودي العالمي هدفا له تقوية علاقات الجاليات اليهودية واليهود المشتتون في العالم مع إسرائيل".

إذن يعتبر هذا المؤتمر ذراعا للدبلوماسية العالمية لليهود منذ تأسيسه في عام 1936، وبالتالي فإنه من ضمن جماعات الضغط الصهيونية التي يمكنها التأثير على دوائر في الكونجرس وترامب لحل أزمة المعونة.

وبدا أن السيسي حول القبلة المصرية من الدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية وإسلامية، إلى الحركة الصهيونية العالمية لأهداف سياسية خاصة ومصالح شخصية، تحت شعار معاهدة السلام وهى مبرر كان قويا لدى مؤيديه للدفاع عنه.

الغريب أن لقاءات السيسي مع رؤساء منظمات يهودية صهيونية يقدر بـ 8 لقاءات، خمسة اجتماعات منها كانت بين فبراير 2015 إلى فبراير 2017.

واللقاءات الثلاثة الأخرى كانت خلال شهر إبريل الماضي في زيارته إلى البيت الأبيض، ولقاءات على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضية، وأخيرا الاجتماع مع رئيس المؤتمر اليهودي العالمي.

صـفقة القرن

السيسي تحدث عن ما أسماه "صفقة القرن" خلال لقائه بنظيره الأمريكي في البيت الأبيض، ولكن لا أحد يعلم تفاصيلها أو أهدافها حتى الآن، ولكن التكهنات اتجهت إلى أن الحديث كان حول تسوية القضية الفلسطينية.

ولكن لو أن هذه الصفقة تتعلق بإسرائيل، فهل تقبل المنظمات اليهودية الصهيونية التي التقى بها السيسي وأخيرا رئيس المؤتمر اليهودي العالمي بحل الدولتين؟.

هذا الأمر لا يمكن تخيله في ضوء أن المؤتمر اليهودي العالمي عبارة عن جهة تدافع عن حقوق اليهود حول العالم وتحاول جمع الشتات، و دعم تأسيس مأوى وطني يهودي في فلسطين، بحسب ما جاء في موقعه، أي أن الأساس لديهم عدم التفريط في فلسطين أو الاتجاه نحو حل يقوض من حلمهم.

الغريب أن المنظمات التي التقاها السيسي منذ عام 2015 لم تشر إلى إمكانية الاعتماد على حل الدولتين في تسوية الأزمة الفلسطينية.

رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية، مالكولم هونلاين، قال عقب زيارته لمصر في فبراير الماضي، إن السيسي لم يذكر حل الدولتين خلال اللقاء الذي جمعهما.

وبدا أن المنظمات الصهيونية غير راغبة في حل الدولتين، وكان هذا الموقف قبل حديث السيسي عن "صفقة القرن"، فماذا يخطط الرئيس المصري؟.

وهذا يشير إلى احتمالين الأول أن السيسي "يتلاعب" بهذه المنظمات اليهودية الأمريكية وهذا مستبعد ليس فقط لاحتياجه إليهم في التأثير على دوائر صنع القرار في أمريكا ولكن أيضا لإمكانية العمل ضده.

أما الاحتمال الثاني وهو الأسوأ أن تكون صفقة القرن متعلقة بالقضية الفلسطينية ولا تشمل حل الدولتين، وتعتمد فقط على إبقاء الوضع كما هو عليه مع إخضاع المقاومة للسلطة الفلسطينية تمهيدا لنزع سلاحها مع الوقت.

يتسق مع الاحتمال الثاني حديث وزير الاستخبارات الإسرائيلية يسرائيل كاتس، بقوله إن الخلاف مع الفلسطينيين لا يدور حول طبيعة الحدود ولكنهم لا يريدون الاعتراف بحق اليهود في دولة لهم، مضيفا أنه لا وجود لدولة ثنائية القومية ولا معنى لحل الدولتين.

التودد لإسرائيل

السيسي أدرك أن الوصول إلى اللوبي الصهيوني وأمريكا لن يكون إلا عن طريق إسرائيل، والأخيرة ستسهم في إرساء دعائم حكمه وإصلاح العلاقة مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

أوباما كان له موقف من انتهاكات النظام العسكري ما بعد الإطاحة بمرسي في 3 يوليو 2013، وبحلول أكتوبر من نفس العام قررت واشنطن تعليق المعونة العسكرية.

وشهدت العلاقات بين السيسي وأوباما حتى بعد انتخاب الأول حالة من الفتور الشديد، لرفض الأخير تدخلات الجيش في السياسة المصرية والإطاحة بمرسي.

إذن فالسيسي دخل إلى "حظيرة الصهيونية" بإرادته التامة، معتمدا على تقوية العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي بداية من الوصول إلى الحكم.

إسرائيل هى الأخرى وجدت أن السيسي يحقق أهدافها في المنطقة، خاصة وأن سلفه مرسي اتخذ موقفا شديدا تجاه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وتضمنت الإجراءات سحب السفير المصري واستدعاء سفير الكيان الصهيوني في القاهرة لتوصيل رسالة، فضلا عن إيفاد رئيس الوزراء هشام قنديل لفك الحصار عن غزة.

إذن فهناك مصلحة مشتركة بين النظام الحالي وإسرائيل، مفادها التخلص من مرسي مقابل دعم السيسي في أمريكا، وظهر فارق الأخير الذي لم يتدخل بنفس القوة في حرب غزة 2014.

هذا الدعم الإسرائيل كشف عنه عضو مجلس النواب عماد جاد، وقال: مارست الوفود التي أرسلها بنيامين نتنياهو ضغوطا كبيرة على أعضاء في الكونجرس من أجل تبني رؤى موضوعية تجاه الأحداث في مصر بعد 3 يوليو".

العلاقات تطورت للغاية وبدا أن السيسي يبذل كل جهده في سبيل تحقيق رغبات إسرائيل، والتي برزت حيال تعامله مع سيناء ووقف أي عمليات إطلاق صواريخ تجاه الأراضي المحتلة، وهو ما دفعه إلى تهجير فح وإقامة منطقة عازلة ومحاصرة قطاع غزة للضغط على حماس بشدة.

ويبرز أن إقامة المنطقة العازلة التي تم الترويج لها خلاف حكم مرسي باعتباره سيبيع سيناء وفقا لمخطط أمريكا إسرائيلي سينفذه على الجانب المصري، إلا أنه تبين أن هذا المخطط نفذه السيسي بداية من عام 2014 أي بعد أشهر قليلة من وصوله للحكم.

التعاون بين النظام الحالي وإسرائيل وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وهو ما دفع الكثيرين إلى اعتبار أن القاهرة عدلت من استراتيجيتها باستبدال العدو الأصلي وهو الكيان الصهيوني، فضلا عن اعتبار محللين إسرائيليين أن التعاون "استراتيجي" بين الجانبين.

وكشفت صحيفة عبرية عن حجم العلاقات بين الطرفين والتي أغلبها سرية غير معروفة، إذ قام نتانياهو بزيارة سرية إلى مصر في أبريل 2016 والتقى السيسي في القصر الرئاسي.

توسيع التطبيع

ولأن إسرائيل لا تقدم خدمات مجانية للسيسي، فإن الأخير بدا أقرب إلى تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني بشكل كبير، ولكن ربما هذا لم يكن جزء من الصفقة بين الطرفين.

ولكن بدا أن الاتفاق يشمل تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول المنطقة بشكل أساسي لإنهاء عزلة استمرت لسنوات طويلة، وهنا أطلق السيسي دعوات "السلام الدافئ" في المنطقة، قبل يكرر نفس العبارة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2016.

والتقط نتانياهو تصريحات السيسي بترحيب لأنه تنقذ إسرائيل من العزلة وتحظى باعتراف إقليمي عربي وإسلامي، وقالت صحيفة "هآرتس" إن خطاب السيسي حظي بمباركة رئيس الحكومة الإسرائيلية، وأبدى ترحيبه بأي جهد يبذله السيسي للتقدم في عملية السلام لتعزيز الأمن بين الإسرائيليين والفلسطينيين وشعوب المنطقة.

التطبيع توسع بالفعل وكانت أول خطواته إشراك السعودية في اتفاقية كامب ديفيد، من خلال تنازل السيسي عن جزيرتي "تيران وصنافير" والتي تدخل في إطار الاتفاقية، بما يعني أنه لا بد من وجود اتصالات رسمية بين السعودية وإسرائيل.

إسرائيل بدت حريصة بشدة على استمرار السيسي في الحكم باعتباره هدية الشعب المصري لإسرائيل وفقا لبعض الخبراء الإسرائيليين، والسبب جاء في ورقة بحثية إسرائيلية.

وقالت الورقة البحثية، إن مصلحة تل أبيب تكمن في أن يبقى السيسي في منصبه رئيسا لمصر، لعدم وجود أي أحد أفضل منه لهذا المنصب بالنسبة لمصالح إسرائيل.

وأضافت الدراسة -التي نشرها المعهد الأورشليمي للشؤون العامة والدولة- أن الحافز الذي يدفع إسرائيل لتفضيل بقاء السيسي يكمن في أن مصر هي أكبر دولة عربية، ترتبط معها بمعاهدة سلام، ولدى إسرائيل منظومة تعاون أمني ممتازة معه، بجانب التنسيق معه في المجال السياسي.

4 أهداف للسيسي

وترتبط تحركات السيسي والتودد لإسرائيل والمنظمات اليهودية الصهيونية بعدة أهداف أساسية لديه:

أولا: علاقات قوية في أمريكا:                                     

يرغب السيسي في بقاء العلاقات مع أمريكا قوية وفي أفضل صورة، وحرص اللوبي الصهيوني على عدم وجود ما يعكر صفوها، خاصة بعد أن مرت بمنعطفات وقلائل خلال فترة الرئيس السابق باراك أوباما.

وقوة العلاقات لا بد أن تنعكس على أمرين أساسيين، أولا: إنهاء الضغط على مصر بمسألة المعونة الأمريكية خاصة وأن دونالد ترامب الذي تجمعه "كيمياء" مع السيسي وافق أو على الأقل لم يتمكن من وقف قرار تعليق المعونة.

أما الأمر الثاني يتعلق بضرورة تقريب وجهات النظر بين الطرفين حيال التعامل مع بعض القضايا الإقليمية وخاصة في ليبيا، وإشراك مصر في جهود مكافحة الإرهاب بما يحقق مصالح الطرفين المشتركة.

ثانيا: تحقيق زعامة:

وربما يرغب السيسي من خلال اللعب على وتر حل القضية الفلسطينية والتودد من إسرائيل تحقيق زعامة شخصية له دوليا وإقليميا لكي يظهر بأنه الرجل الذي يسعى لإنهاء أزمة أكبر قضية للعرب والمسلمين.

وهنا يبرز  تصريح داني دانون، سفير إسرائيل الدائم بالأمم المتحدة، إن بلاده على استعداد لاستقبال عبد الفتاح السيسي في تل أبيب، كما حدث من قبل مع الرئيس الراحل أنور السادات، الذي وقعت مصر في عهده اتفاقية سلام مع إسرائيل.

 وأضاف دانون "السيسي تكلم في خطابه بالأمم المتحدة عن عملية السلام من القلب، وعلى الرغم من أن الإسرائيليين لم يحبوا كل ما قاله إلا أن قادة إسرائيل الآن مستعدون للتحدث معه، كما فعل مناحم بيجن، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، مع السادات".

ثالثا: انتخابات الرئاسة:

وربما أحد أهم الأسباب في دخول السيسي إلى "حظيرة الصهيونية" هو الرغبة في الاستمرار بالحكم لفترة طويلة ربما تمتد لأكثر من الفترتين الرئاسيتين، من خلال تعديل الدستور بما يتوافق مع هذه الرؤية، خاصة أن الأمر مطروح حاليا ولكنه لا يزال معلقا.

ويتردد في الأوساط السياسية أن أمريكا اعترضت على مدة فترة الرئاسة من 4 سنوات إلى 6 سنوات أو حتى جعل فترات الترشح مفتوحة مثلما كان في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

وخرجت تحذيرات إسرائيلية من سقوط السيسي خلال الفترة المقبلة، لأن البديل سيكون جماعة الإخوان المسلمين.

رابعا: حقوق الإنسان:

 أحد الملفات الهامة التي يرغب السيسي في إغلاقها بشدة والتي تسبب له حرجا دوليا وداخليا هو الانتقادات التي تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان المتردية والاتهامات لمصر بقمع المعارضة والتعذيب، خاصة بعد تصريحات الخارجية الأمريكية وتقرير منظمة "هيومن رايتش ووتش".

وهو ما ينتظر فيه السيسي جهدا مضاعفا من حلفائه داخل اللوبي اليهودي من خلال نفوذهم ببعض تلك المنظمات الدولية او من خلال ملكيتهم لشركات العلاقات العامة التي يمكنها العمل على تحسين صورة النظام المصري في الخارج.