السلمانية العلمانية ونموذج دبي.. «إيكاروس» تأسيس الدولة السعودية الرابعة (تحليل)

السلمانية العلمانية ونموذج دبي.. «إيكاروس» تأسيس الدولة السعودية الرابعة (تحليل)

02:40 ص

10-نوفمبر-2017

ترسيخ مشروع ابن سلمان يروق لكثير من دوائر صناعة القرار الغربي، إلا أن الخطر يكمن في أنه لا أحد بهذه الدوائر يعلم حقاً كيف ستكون "السلمانية العلمانية"، وهل باستطاعة ابن سلمان تحويلها إلى دبي الثانية فعلا أم لا؟

"ليلة الأحد لن ينجو أحد".... بهذه الكلمات، وعبر حسابه على تويتر، لعب رئيس الهيئة العامة للرياضة بالمملكة العربية السعودية، تركي آل الشيخ، دور "المبشر" بمستقبل حملة التطهير التي بدأها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، بعد منتصف ليل السبت (4 نوفمبر).

الليلة التي شهدت إلقاء القبض على العشرات من الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال، قدمت عدة مؤشرات، أحدها يتعلق باقتراب المرحلة الأخيرة لتثبيت سلطة فريق الحكم الجديد بالمملكة من نهايتها، وصولا إلى إعلان ابن سلمان ملكا في حياة أبيه، وفق سيناريو تم الإعداد له مسبقا، وفقا لما نقلته وكالة رويترز عن مصادرها.

المصادر تشير إلى أن خطاب تنازل الملك سلمان عن العرش تم تسجيله بالفعل، ولا ينتظر سوى "الوقت المناسب" لبثه عبر شاشة التليفزيون السعودي الرسمي، وهو ما سبق لـ "القصة" تناوله في تحليل سابق.

تغريدة كاشفة

لكن مؤشرا آخر تكشفه تغريدة "آل الشيخ" ولم يلتفت له أغلب المراقبين، فالرجل يتحدث بصيغة المستقبل (لن) قبل الكشف عن تفاصيل اعتقال الأمراء والوزراء ورجال الأعمال على خلفية الحملة، بما يعني مشاركته في "معرفة" ما سيجري من أحداث على الأقل، إن لم يكن مشاركا في "التخطيط" لها و"تنفيذها".

وتفتح هذه الملاحظة الباب أمام سؤال جوهري، هو: ما هي علاقة رئيس هيئة الرياضة بحملة ضد الفساد يقودها ولي العهد؟

تكمن الإجابة في ارتباط عدد من المسئولين الشباب، الذين تولوا إدارة عدد من المؤسسات بالمملكة مؤخرا، بابن سلمان شخصيا، وتشكيلهم لـ "فريق حكم" يمثل "جهازا" لصناعة القرار بالدولة السعودية من خارج إطارها المتعارف عليه تاريخيا، والمتمثل في أسرة آل سعود.

فقد جرى العرف بالمملكة على توزيع السلطات وإدارة مؤسسات صناعة القرار على أبناء عبد العزيز آل سعود وأبنائهم تحت مظلة الملك وولي العهد (من أبناء عبد العزيز أيضا)، ما أعطى طابعا تاريخيا بـ "عائلية ولامركزية" الحكم السعودي داخليا، حتى وإن كان يعبر عن ملكية مطلقة، خاصة على المستوى الخارجي.

ولعل ذلك ما يفسر حالة "التلميع" الإعلامي التي يحظى بها تركي آل الشيخ وعدد من المسئولين دون غيرهم، بأوامر مباشرة من وزارة الثقافة والإعلام السعودية، التي تتلخص صلتها بالصحف ووسائل الإعلام في علاقة المتبوع بتابعه وفق صيغتها الأولية المباشرة.

هيكل هرمي

فالرجل ليس مجرد رئيس لهيئة الرياضة، بل صديق شخصي لابن سلمان، ونموذج لـ "مسؤول العهد الجديد" الذي يبشر به ولي العهد، جامعا بين صفات: الشاعر والفنان والرياضي والسياسي، إضافة إلى كونه مستشار بالديوان الملكي بمرتبة وزير.

ولذا فإن مواقف آل الشيخ لا تقتصر على الشأن الرياضي، بل تمتد إلى كل ما يتعلق بالشأن العام، بما في ذلك تعزيز النفوذ السعودي خارجيا عبر مشاركته في مبادرات إنسانية أو خيرية ترتبط بترسيخ "صورة سعودية جديدة" تدعم الفن والفنانين، وتناهض تيارات الإسلام السياسي وتصمها جميعا بالتطرف والإرهاب.

ولا يمكن فصل ذلك عن استلهام سلطة الحكم الجديد بالمملكة لإمارة دبي كنموذج يحتذى به لمستقبل السعودية، خاصة في ظل وصول العلاقة بين ابن سلمان ونظيره الإماراتي، محمد بن زايد، إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، وهو ما تمت ترجمته مؤخرا في شكل "مشاريع استثمارية" يطمح ولي العهد السعودي تغيير وجه الحياة السعودية من خلالها، ومنها مشروع نيوم، الذي أعلن صراحة أنه يمثل استكمالا لنموذج "دبي"، سالف الذكر.

المملكة يحكمها إذن "هيكل هرمي" يشكل "إدارة مركزية" من خارج التوزيع التقليدي للسلطة والنفوذ بين الأمراء في الداخل لأول مرة، بل إن كثيرا من هؤلاء الأمراء كانوا ضحية تأسيس هذا النموذج، وهو ما بشر به "آل الشيخ" في تغريدته الكاشفة.

محاولات العلمنة

وتعود هذه الزاوية في قراءة حملة اعتقالات الأمراء بالسعودية إلى تاريخ محاولات "العلمنة" التي تزعمها ملوك السعودية في مواجهة شرعية السلطة الدينية المتمثلة في مشايخ التيار الوهابي، وهيئة كبار العلماء، والتي مثلت الطرف الثاني في تأسيس الدولة السعودية بثلاثينيات القرن المنصرم.

أبرز هذه المحاولات تزعمها الملك الراحل، عبدالله بن عبد العزيز، الذي شهدت علاقته بالمؤسسة الدينية سجالات عديدة، مستفيدا من مناخ عام مغاير صنعته أحداث 11 سبتمبر، إذ قام بتعيين "نورا الفايز" كنائبة لوزير التربية لشؤون الإناث، كأول امرأة سعودية في منصب وزاري، كما أصدر قانونا عام 2006 (بعد عام واحد من توليه العرش رسميا) يسمح للنساء بالعمل في منافذ بيع الملابس ومستحضرات التجميل، بما يخالف "ثوابت" المشايخ في هذا الوقت.

غير أن التوزيع الداخلي السلطة والنفوذ على أمراء آل سعود من إخوان الملك عبدالله وأولادهم (نموذج الحكم سالف الذكر) جعل من صناعة القرار في هذا الاتجاه بطيئا ومترددا، إلى حد اضطرار الملك عبدالله لإرجاء تنفيذ "تأنيث منافذ البيع الملابس النسائية ومستحضرات التجميل، إلى ستة أعوام كاملة بسبب ضغوط المشايخ.

وإزاء ذلك، كان اتجاه ابن سلمان نحو نموذج "دبي" عبر عملية تقليم شاملة لسلطة ونفوذ المؤسسة الدينية، بدأها بنزع سلطان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يمثل قرار السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة آخر إجراءاتها.

لكن تبقى أمام خطة العلمنة عقبة كؤود تتمثل في طبيعة توزيع السلطة في "بنية الدولة السعودية" ذاتها، والتي تجعلها "غير مركزية" داخليا، وغير قادرة على اتخاذ خطوات "جريئة" باتجاه التحديث، كما جرى في عهد الملك عبدالله.

مناهضة الأمراء

من هنا يمكن قراءة زاوية أخرى لحملة اعتقال الأمراء الأخيرة، إذ يسير توريث السلطة السعودية حصرا في الفرع "السلماني" لآل سعود بالتوازي مع تشكيل "هيكل هرمي" لصناعة وتنفيذ القرار بمعزل عن صيغة توزيع السلطات المتعارف عليها تاريخيا في المملكة.

وبإضافة أن طريقة الصعود الصاروخي لابن سلمان على سلم السلطة السعودية جاءت أصلا بالمخالفة للعرف التاريخي، المتمثل في توريث الملك لأكبر أبناء عبدالعزيز آل سعود سنا، يمكن القول بأن "مناهضة الأمراء المتنفذين"، خاصة أولئك المحسوبين على فريق حكم الملك عبدالله، أحد أهم عقبات مشروع ابن سلمان نحو تأسيس رابع للدولة، وفق صيغة ثلاثية: "ملكية - سلمانية - علمانية".

فالملكية السلمانية تضمن استتباب السلطة لابن سلمان، وذريته من بعده، لعشرات السنوات مستقبلا، أما العلمانية فلا يمكن فرضها إلا "بإدارة مركزية" من خارج آل سعود، باعتبار أن توجهات الأمراء الفكرية والثقافية مختلفة، ولا يمكن التعويل عليها لصياغة مشروع حكم مستقبلي للمملكة.

ولذا لخص الباحث الأمريكي المتخصص في الشؤون الخليجية، جوزيف كيشيشيان، تحليله لتطوير ولي العهد السعودي حملة "مكافحة الفساد" لتشمل ولي العهد السابق، الأمير محمد بن نايف، وعددا من أقاربه، في أنه "مصمم على تحديث مؤسسة الحكم، ليس فقط لـ2030، ولكن لما بعد ذلك بكثير"

وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مصادرها أن ما تعرف بـ"اللجنة العليا لمكافحة الفساد"، قررت تجميد الحسابات البنكية لابن نايف وعددا من أفراد أسرته.

وبذلك يضرب ابن سلمان عصفورين بحجر واحد، إذ يمرر مشروعه لتأسيس رابع للدولة، بالتوازي مع تخلصه من كل منافسيه، وهو ما عبر عنه الباحث بكلية "إس راجاراتنام" للدراسات الدولية في سنغافورة، جيمس دورسي، بقوله إن "ابن سلمان يرد على تنامي المعارضة داخل العائلة الحاكمة".

العقد الاجتماعي

لكن دورسي هنا يشير إلى اختلاف مهم قد يطيح بمحاولة ابن سلمان استلهام نموذج دبي في مشروعه، وهو أن عملية الإصلاح التي يتبناها تعتمد على "إعادة صياغة للعقد الاجتماعي في المملكة من جانب واحد، وليس بالتراضي" كما جرى بدولة الإمارات.

الأمر ذاته أشار إليه السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، دانيال شابيرو، الذي ضرب المثل بأسطورة إيكاروس "الذي طار بالقرب من الشمس بعد هروبه من السجن هو ووالده، بعد استعانتهما بأجنحة، متجاهلا نصيحة والده، فهوى صريعا بعد ان أذابت أشعة الشمس الشمع المثبِّت لجناحيه" في إشارة إلى أن مشروع ابن سلمان سيجعل المملكة أضعف، وأكثر انقساما.

وفي الاتجاه ذاته، يشير الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ريتشارد سبنسر، إلى أن "إصلاحات ولي العهد محفوفة بالمخاطر؛ لأنها تمحي الجيل القديم"، بما ينطوي عليه ذلك من "عداوات" و"صراعات" داخل كواليس أعرق وأكبر عائلات الملك بالعالم العربي.

صحيح أن ترسيخ مشروع ابن سلمان يروق لكثير من دوائر صناعة القرار الغربي، إلا أن الخطر يكمن في أنه لا أحد بهذه الدوائر يعلم حقاً كيف ستكون "السلمانية العلمانية"، وهل باستطاعة ابن سلمان تحويلها إلى دبي الثانية فعلا أم لا؟