«صفقة القرن».. هل هي كلمة السر وراء إغلاق مكتب «منظمة التحرير» في واشنطن؟ (تحليل)

«صفقة القرن».. هل هي كلمة السر وراء إغلاق مكتب «منظمة التحرير» في واشنطن؟ (تحليل)

12:55 ص

21-نوفمبر-2017

رفضت الإدارة الأمريكية تجديد تصريح عمل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.. فهل لذلك علاقة بما تردد عن صفقة القرن التي يتم إعدادها، وماذا عن دلالات هذه الخطوة وانعكاساتها؟

"السلطة الفلسطينية تسلمت رسالة من الخارجية الأمريكية قبل يومين تقول إن وزير الخارجية لم يتمكن من إيجاد ما يكفي من الأسباب للإبقاء على المكتب مفتوحًا"..

بهذه الكلمات أعلن وزير الخارجية الفلسطيني "رياض المالكي" عن رفض الإدارة الأمريكية تجديد تصريح عمل مكتب "منظمة التحرير الفلسطينية" في واشنطن في الوقت المحدد، في خطوة جديدة أثارت التوتر بين المنظمة والولايات المتحدة، حيث دفعت بالفلسطينيين إلى التهديد بتجميد العلاقات مع الولايات المتحدة في حال إغلاق المكتب.

فهذه هي المرة الأولى منذ ثمانينات القرن الماضي التي تتأخر فيها واشنطن في تجديد أوراق عمل مكتب المنظمة، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة عن أهداف هذه الخطوة ودلالاتها، في ظل ما تردد عن أنها تأتي في سياق السياسات الانحيازية التي تتبعها الإدارة الأمريكية برئاسة "دونالد ترامب".

منظمة التحرير والسياسة الأمريكية

يعود تاريخ افتتاح مكتب منظمة التحرير في واشنطن إلى عام 1994 حين ألغى الرئيس الأمريكي الأسبق "بيل كلينتون" قانونًا كان يمنع الفلسطينيين من الحصول على مكاتب، وقد تولى المكتب مهمة تمثيل الفلسطينيين، وتسهيل التفاعل بين السلطات الفلسطينية والحكومة الأمريكية، باعتبار أن الولايات المتحدة لا تعترف بدولة فلسطين.

شهدت علاقة المنظمة بالولايات المتحدة مراحل متفاوتة من التصعيد والتهدئة، ففي ديسمبر 2002 قرر الرئيس الأسبق "جورج بوش" خفض تمثيل مكتب المنظمة بحجة عدم احترامها لبعض تعهداتها، ولكن بمجيئ إدارة الرئيس السابق "باراك أوباما" وبالتحديد في يوليو 2010 تم رفع مستوى تمثيل بعثة المنظمة ليصبح "المفوضية العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية"، وهو مستوى بروتوكولي أعلى من وضعها السابق غير الرسمي.

كما سمحت إدارة "أوباما" للفلسطينيين برفع علمهم فوق مبنى البعثة الفلسطينية في واشنطن، وكانت هذه "خطوة إيجابية نحو اعتراف واشنطن بالدولة الفلسطينية المستقلة"، كما ذكرت المنظمة في تلك الفترة، حيث أصبح المكتب شبه رسمي، وإن ظل دون صلاحيات دبلوماسية.

 بقيت المنظمة خاضعة لقرار الكونجرس الذي أقر قانوناً في عام 1988 يضع فيه المنظمة على لائحة المنظمات الإرهابية، وفي ذات الوقت يحق للرئيس الأميركي أن يوقع على تجميد العمل بقرار الكونجرس ويمدد وجود مكتب منظمة التحرير كل ستة شهور.

في ديسمبر 2015 تقدم عدد من أعضاء الكونجرس بطلب يقضي بإغلاق مكتب المنظمة في واشنطن بحجة أن السماح ببقاء المكتب مفتوحًا في واشنطن لا يقدم أي فائدة للولايات المتحدة أو عملية السلام، ألا أن وزير الخارجية حين ذاك "جون كيندي" رفض هذا الطلب، ووضحت الخارجية الأمريكية وقتها أن الإغلاق سيلحق الضرر بالجهود الأميركية لتهدئة التوتر بين الإسرائيليين والفلسطينيين ودعم حل الدولتين.

إغلاق مكتب المنظمة

وهكذا بينما رفضت الخارجية الأمريكية في عهد "أوباما" إغلاق المكتب وحالت دون تنفيذ الأمر، إلا أنه في عهد الإدارة الجديدة برئاسة "ترامب" قد عمدت إلى هذا الإغلاق، حيث رفضت تجديد تصريح عمل المنظمة الذي يجدد كل ستة أشهر من قبل وزير الخارجية كما سبق الإشارة.

وفي محاولة لتفسير أسباب تلك الخطوة، أشار مسؤول في الخارجية الأميركية إلى أن عدم تجديد أوراق عمل المكتب مرتبط بسعي الفلسطينيين لمحاكمة قادة إسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية، وتصريحات أدلى بها الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، لوح خلالها بإمكانية اللجوء إلى المحكمة الدولية للتحقيق مع مسئولين إسرائيليين بسبب الممارسات الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وهو الأمر الذي أكدته الخارجية الأمريكية ذاتها حيث قالت إنها رفضت تجديد الترخيص لمكتب المنظمة ردًا على "اعتزام الفلسطينيين رفع قضية المستوطنات إلى المحكمة الجنائية الدولية".

فهذه التصريحات وفقًا للقانون الأمريكي هي مخالفة فلسطينية، حيث كان الكونجرس قد أدخل عام 2015 بندًا ينص على أنه "لا يجب على الفلسطينيين محاولة التأثير على المحكمة الجنائية الدولية بشأن تحقيقات تتعلق بمواطنين إسرائيليين".

في هذا السياق، أشارت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية سابقًا إلى أن الإدارة الأمريكية قد حذرت القيادة الفلسطينية من التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاة إسرائيل على نشاطها الاستيطاني.

ووضحت الصحيفة أن القنصل الأمريكي في القدس نقل رسالة خلال الأيام الأخيرة إلى القيادة الفلسطينية حذرت فيها الإدارة الأمريكية من أنها ستتخذ إجراءات عقابية شديدة ضد السلطة الفلسطينية ومن بينها إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن ووقف كافة المساعدات المالية التي تقدمها للجانب الفلسطيني.

دلالات وانعكاسات

طبقًا لهذه التصريحات، يبدو واضحًا أن خطوة إغلاق مكتب المنظمة هذه تعكس الوجه الانحيازي للإدارة الأمريكية في تعاملها مع القضية الفلسطينية، فهذه الخطوة غير المسبوقة، تظهر الالتزام الصارم لهذه الإدارة تجاه حماية مصالح إسرائيل ومواطنيها، ومنع أي إجراء يمس هذه المصالح.

ولم تكن هذه هي الخطوة الأولى في هذا المسار، فمنذ قدوم الرئيس "ترامب" توالت بشكل متسارع خطوات تصعيدية ضد الفلسطينيين، كانت في مجملها منحازة بشكل جلي إلى الطرف الإسرائيلي، ومن هذه الخطوات إعلان "ترامب" التخلي عن خيار حل الدولتين، وتعهده قبل ذلك بنقل السفارة الأمريكية إلى "القدس"، ثم تجميد حزمة مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية بقيمة 221 مليون دولار، أقرها الرئيس السابق "أوباما" أواخر فترته الرئاسية.

كذلك أشار عدد من المحللين إلى أنها بمثابة اعتراف صريح بعدم الاعتراف بالممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وأنها وسيلة للضغط على المنظمة، كي تنصاع بالكامل للسياسة الأمريكية، والقبول بأي إملاءات إسرائيلية.

في هذا الصدد وضحت "حنان عشراوي" عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة إن محاولة الولايات المتحدة ربط السماح بعمل بعثة المنظمة في واشنطن بإجراء مفاوضات جادة مع إسرائيل، هي خطوة تهدف للضغط على القيادة الفلسطينية من أجل تهيئة الظروف لتحقيق الرؤية الأمريكية الداعمة لإسرائيل في المنطقة.

كذلك أكدت "عشراوي" أن هذه الخطوة تؤكد السياسة الانحيازية والاستعلائية الأمريكية تجاه الفلسطينيين، حيث تسعى واشنطن من خلالها إلى جعل إسرائيل دولة فوق القانون ولديها حصانة.

كما أنه بموجب القرار الأمريكي يبقى هناك 90 يوما لمتابعة هذا الإغلاق من قبل الإدارة الأمريكية، وإما أن يسفر الأمر عن إغلاق مكتب المنظمة بشكل تام، أو تجديد الترخيص واستئناف العمل، وهذا بمثابة وضع القيادة الفلسطينية تحت الاختبار؛ لإثبات الجدارة في خطوة تؤكد على الانحيازية الأمريكية.

صفقة القرن

في حين بررت واشنطن هذه الخطوة بأنها تهدف إلى حث الجانب الفلسطيني على المشاركة في مفاوضات مباشرة وهادفة من أجل التوصل لاتفاق سلام مع إسرائيل، فإن مفاوضات السلام المجمدة منذ عام 2014 بسبب التعنت الإسرائيلي، وإصرار الحكومة الحالية على مواصلة سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة ورفضها الاعتراف بمبدأ حل الدولتين، تؤكد عدم صحة هذا المبرر.

في هذا الصدد، وضحت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على لسان القيادي "هاني الثوابتة"، أن القرار الأمريكي يأتي في إطار الضغط على قيادة المنظمة والسلطة الفلسطينية، كي تكون جزءً من المشروع السياسي الذي يجري العمل عليه في المنطقة والذي تحضر له الإدارة الأمريكية، ويطلقون عليه "صفقة القرن".

وطبقًا لما تردد عن تلك الصفقة، فإنها تستهدف وجود حلف لدول عربية سنية ضد إيران، تكون إسرائيل حليفة به، ويكون العدو هو إيران، والمطلوب من القيادة الفلسطينية في هذه الصفقة أن توافق على حل القضية الفلسطينية ضمن هذا الإطار مقابل مساعدات مالية عربية كبيرة وتسهيلات اقتصادية إسرائيلية أمريكية، لكن من دون إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967 وإنهاء الاستيطان.

في هذا السياق، تردت الأنباء عن أن ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" أخبر الرئيس الفلسطيني بهذا الحل الإقليمي، وأن دولًا مثل الإمارات ستكون السباقة في عمليات التطبيع ودعم الفلسطينيين ماليًا، مقابل القبول بالحل الإقليمي.