حوار «بن سلمان – فريدمان».. مفاتيح كاشفة لكواليس تأسيس «السلمانية العلمانية»

حوار «بن سلمان – فريدمان».. مفاتيح كاشفة لكواليس تأسيس «السلمانية العلمانية»

04:15 ص

26-نوفمبر-2017

فالرجل الذي يؤمن بأن «فساد الرأس» هو السبب الأول لهدر مئات المليارات من الدولارات، هو نفسه الذي يتبنى مشروعًا سياسيًا لدولة شديدة المركزية، لا تخضع رأسها لأي مساءلة أو محاسبة من أي نوع.

"أحمق من لا يساند بن سلمان"..

هكذا عبر الكاتب الصحفي الأمريكي، "توماس فريدمان"، عن فرط إعجابه بولي العهد السعودي، وانحيازه لسياساته، بعد ثلاثة أيام قضاها في الرياض تحضيرًا لحوار مباشر معه.

وبقدر ما كشف الحوار عن الكثير من المعلومات المتعلقة بحملة مكافحة الفساد، التي يقودها "بن سلمان" داخل المملكة، ونهجه في تغيير وجه السعودية عالميًا، بقدر ما انطوى على دلالات كاشفة بشأن ما وراء الحملة وما يُعدّ له "بن سلمان" مستقبلًا.

ثمة عبارات ومواقف مفتاحية قدمت العديد من هذه الدلالات، وهو ما يبدو أن "فريدمان" تعمد تجاهله، مكتفيًا بالتعبير عن حالة من الانبهار بالأمير الشاب، في محاولة لصبغ الحوار بالطابع الدعائي.

ولذا يرى العديد من المراقبين أن "فريدمان" مثّل الحلقة الأضعف في حوار "بن سلمان"، حيث أفقده انحيازه الظاهر قدرًا كبيرًا من مهنيته، رغم ما احتواه الحوار من معلوماتٍ مهمة وإشارات دالة.

عبارات مفتاحية

وبعيدًا عن حالة الانبهار تلك، تتبعت "القصة" العبارات والمواقف المفتاحية، سالفة الذكر، على النحو التالي:

  • "غالبية العائلة المالكة تقف ورائي".. تنطوي هذه العبارة على اعتراف ضمني من "بن سلمان" بوجود معارضة حقيقية لصعوده على سلم السلطة من داخل "آل سعود"، وهو الاعتراف الأول من نوعه في تصريحات الأمير الذي اعتاد تجاهل الحديث في هذا الملف الشائك لأي من وسائل الإعلام الغربية (طالع تحليل القصة).

 "قامت الدولة وعبر السنين بشن أكثر من حرب على الفساد وكلها فشلت؛ لأنها بدأت من الأسفل للأعلى".. يعبر ولي العهد السعودي هنا عن مفارقة صارخة بين ما يؤمن به على المستوى الاقتصادي وبين ما يفرضه نهجه السياسي.

فالرجل الذي يؤمن بأن "فساد الرأس" هو السبب الأول لهدر مئات المليارات من الدولارات، هو نفسه الذي يتبنى مشروعًا سياسيًا لدولة شديدة المركزية، لا تخضع رأسها لأي مساءلة أو محاسبة من أي نوع.

وإزاء ذلك، اكتفى "فريدمان" بإبراز إجابة ولي العهد والثناء عليها، ما قدم مفتاحًا للإجابة على التساؤل بشأن اختيار "بن سلمان" له تحديدًا لإجراء حوار بدا أنه موجه بالأساس للعقل الغربي.

  • "عمل هذا الفريق (مجموعة عمل الملك "سلمان بن عبد العزيز آل سعود") مدة عامين حتى جمع المعلومات الدقيقة، وجاء بـ 200 اسم".. تؤكد هذه العبارة أن الحملة التي يقودها "بن سلمان" حاليًا ليست وليدة اللحظة، إذ تعود جذورها إلى المنطلق الذي بدأ منه الأمير الشاب صعوده الصاروخي على سلم السلطة السعودية، وتحديدًا منذ عام 2015.

وبربط الدال بالمدلول، يمكن القول بأن مشروع "السلمانية العلمانية"، أو التأسيس الرابع للدولة السعودية، والذي تناولته "القصة" بالتحليل سابقًا، هو ثمرة تخطيط مشترك بين الملك "سلمان" ونجله بعيدًا عن باقي أمراء الأسرة الملكية، في إطار السعي لتأسيس دولة تتمحور السلطات فيها حول مركز واحد بشكل رأسي، ولا تتوزع فيها على الأمراء من أبناء الملك "عبد العزيز" وأحفاده بشكل أفقي، كما كان الحال تاريخيًا.

  • "المعلومات جاهزة قام النائب العام سعود المعجب بالتحرك".. هذا يعني أن القرار الملكي بـ"إنشاء" اللجنة العليا لمكافحة الفساد، التي يرأسها "بن سلمان"، واتخاذها قرارات بشأن التحقيق مع الأمراء والوزراء ورجال الأعمال الموقوفين لم يكن سوى "ديكور" لعملية ممنهجة بدأت فعلًا منذ عامين

فساد التسوية

 

  • أما ذكر "بن سلمان" لنسبة الموافقين على التسوية المالية من الأمراء المحتجزين(95%) مقابل من رفضوها(4%) ومن أثبتوا براءتهم(1%) فيؤشر إلى أن الهدف الرئيس هو جمع مبلغ مالي تم تحديده سلفًا (100 مليار دولار) ، وهو ما تناولته "القصة" في تحليل سابق.

ثمة إشارة أخرى هنا بشأن الطريقة التي تتم بها عملية "التسوية"، فالأمراء والوزراء ورجال الأعمال محتجزون في أحد أفخم فنادق العالم دون غيرهم، ويمكنهم العودة إلى حياتهم الطبيعية فقط في حال تنازلهم عن أجزاء معتبرة من ثرواتهم لصالح أهداف "بن سلمان" الخاصة لسد عجز الموازنة وتسديد فاتورة استمرار نزيف الحرب في اليمن، ما يعني أن "التسوية" تعبر عن فساد بحد ذاتها.

ولعل ذلك ما يفسر حرص فريق الحكم السعودي الجديد على استثناء الشركات من تعليق الحسابات المصرفية للموقوفين والتأكيد على عدم تأثر أنشطتهم التجارية بما يجري في فندق "ريتز كارلتون" (طالع تحليل القصة).

ومن هنا جاء تأكيد "فريدمان" نفسه أن الغالبية السعودية الصامتة طفح بها الكيل من "ظلم الأمراء والمليارديرات الذين يسرقون بلدهم"، حسب تعبيره، ما يؤكد أن الظاهرة استفحلت إلى حد رصدها خلال الأيام الثلاثة التي قضاها الكاتب الأمريكي بالرياض.

الإسلام المعتدل

 

  • أما حديث "بن سلمان" عن محاولة لإرجاع السعودية للإسلام المعتدل المنفتح، الذي تم حرفه عن مساره عام 1979، فينطوي على تناقض بين الاعتراف بتبني المملكة لنهج غير وسطي خلال العقود الماضية وبين إلقاء المسؤولية في ذلك على إيران وتصديرها للثورة، الأمر الذي لم يحدث بالمملكة البتة (طالع تحليل القصة بشأنه).

هي إذن محاولة استثمار سياسي، يكسب فيها "بن سلمان" نقطة لدى الرأي العام الغربي في ذات الوقت الذي تخسر فيه إيران نقطة موازية، وهو التكتيك الذي دأب ولي العهد على تبنيه في تعامله مع وسائل الإعلام الغربية.

وفي هذا السياق يمكن قراءة وصف "بن سلمان" لمرشد الثورة الإيرانية، "علي خامنئي"، بأنه "هتلر الشرق الأوسط"، وهو الوصف الذي بدا مخاطبًا لعقلية الرأي العام الغربي بامتياز.

لكن تعبير "فريدمان" عن تأييده لرواية "بن سلمان"، بل ودفاعه عنها يعيدنا إلى طرح سؤال جوهري: لماذا اختار "بن سلمان" "فريدمان" تحديدًا لإجراء الحوار في هذا التوقيت؟

سفير كفء

علاقة الكاتب الأمريكي بدوائر صناعة القرار بالولايات المتحدة وتمثيله لشبكة علاقات مرتبطة بأفكار اللوبي الصهيوني، وترويجه لضرورة التوسع على حساب العالم الثالث في كتابيه "العربة لكزس" و"شجرة الزيتون" تقدم مقاربة للإجابة على السؤال.

وفي ظل مؤشرات التسابق المحموم على تمهيد الأرض لتطبيع علني وواسع النطاق مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، يمكن القول بأن إجراء "فريدمان" للحوار جاء بمثابة "اختيار سفير كفء" لرسالة "بن سلمان" إلى الغرب.

  • إشارة أخرى لـ"فريدمان" في تعليقه على الحوار، تعبر عن ملامح رؤية "بن سلمان" لمشروع "الإسلام الوسطي"، الذي يروج له، وهو أن ولي العهد طلب منه أن ينتقي تعبيراته قبل نشر الحوار، ليقل إن "بن سلمان" يحاول "إعادة الإسلام إلى جذوره بالمملكة" وليس "إعادة تفسير الإسلام" بها.

تتلخص هذه الملامح في نشر الفنون، خاصة الموسيقى والغناء والتمثيل، والسماح بالاختلاط، ودخول السينما إلى المملكة، وصولًا إلى تعيين نساء بالسلك القضائي، ضاربًا المثل بالعهد النبوي وعهد الخليفة "عمر بن الخطاب" للاستدلال على مشروعية ذلك دينيًا، بما يؤشر إلى وضع "بن سلمان" لمعارضة التيار الوهابي، السائد اجتماعيًا، في الحسبان، واتخاذه قرارًا بمواجهته فكريًا.

حتى التفاصيل الدقيقية، كأنواع الأزياء النسائية، تحدث عنها "بن سلمان" ليبشر بالسماح للمرأة السعودية بارتداء التنورة وغيرها من أنواع الملابس الممنوعة حاليًا.

شتاء قاسي

 

  • ثمة دلالة أخرى يحملها رفض "بن سلمان" الحديث عن إعلان "الحريري" لاستقالته من الرياض ثم تراجعه عنها بعد وصوله إلى بيروت، بما يؤشر إلى ضعف موقفه بعد إخفاق إحدى مغامراته الإقليمية مجددًا (طالع تحليل القصة بشأنه).

لكن "بن سلمان" حدد المطلوب من "الحريري" مستقبلًا بشكل صريح، عندما أكد أن رئيس الوزراء اللبناني لن يستمر في منح غطاء سياسي للحكومة اللبنانية، التي يسيطر عليها حزب الله وتدار من طهران، حسب قوله.

الحديث عن المستقبل بصيغة "الإخبار" أعطى انطباعًا بتحول صيغة الطلب إلى "أمر".. وهو ما يراه مراقبون مجافيًا للواقع، خاصة مع ظهور مؤشرات على انسلاخ "الحريري" من الخضوع التام للرغبة السعودية، إذ أن تراجعه عن الاستقالة لم يكن وفق الهوى السعودي على الأرجح.

هذه "المكابرة" في قراءة الواقع يوازيها حديث "بن سلمان" عن ميل الحرب التي تدور في اليمن لصالح الحكومة المدعومة من السعودية، بزعم أنها تسيطر على 85% من أراضي البلد، دون أدنى إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها مناطق الشمال، خاصة العاصمة صنعاء.

وإزاء ذلك يمكن القول بأن الحوار الذي أراد له طرفاه اكتساءه بالطابع الترويجي كشف الكثير مما وراء كواليس الشتاء القاسي بالسعودية، الذي يراه "فريدمان" "ربيعًا عربيًا في صورة معدلة وناجحة"، في إشارة إلى منهج التغيير الفوقي الذي يفرضه "بن سلمان" على عموم المملكة.