اتحاد قبائل سيناء.. هل هو مسعر حربٍ بالإنابة أم صاحب حق بالأصالة؟!

اتحاد قبائل سيناء.. هل هو مسعر حربٍ بالإنابة أم صاحب حق بالأصالة؟!

03:34 ص

02-ديسمبر-2017

محاولاتٌ حثيثةٌ للإيحاء بوجود دعمٍ قبليٍ واسعٍ لتحركات الجيش وعملياته ضد تنظيم ولاية سيناء بعد هجوم مسجد الروضة، من خلال مجموعة اتحاد قبائل سيناء التي تحدثت عن الاستعداد لساعة الصفر، هل تشارك القبائل أم تظلُّ على موقفها الرافض الزجَّ بها في الصراع؟.

محاولاتٌ حثيثةٌ يعكف عليها الجيش المصري بالدفع بقبائل سيناء في الصراع المسلَّح مع تنظيم "ولاية سيناء"، خلال الفترة المقبلة، للإسراع في إحكام السيطرة على الأوضاع.

هذه المحاولات تزايدت خلال الأسبوع الماضي، وتحديدًا عقب مجزرة مسجد الروضة، والتي سقط خلالها نحو 309 قتلى وعشرات الإصابات.

وبقدر ما أظهر الهجوم ما وصلت إليه الأوضاع في سيناء خاصةً أن أصابع الاتهام تشير إلى تنظيم "ولاية سيناء"، يُظهر أيضًا الأزمة التي تُلاحق قوات الجيش والشرطة بسبب عدم القدرة وعلى مدار ما يزيد على 4 سنوات على القضاء على المجموعات المسلحة.

أخبارٌ انتشرت هنا وهناك عن اجتماعاتٍ واتصالاتٍ من قياداتٍ بالجيش والمخابرات الحربية مع شيوخ قبائل، من أجل التعاون في القضاء على المجموعات المسلحة، من خلال استغلال حالة الغضب التي تنتشر في سيناء عقب هجوم "الروضة".

فهل ينجح الجيش المصري في هذا المخطط؟ وما هي الأطراف الداعمة للجيش بسيناء وآليات المواجهة؟ وهل يُدرك نتائج ما يدفع إليه هناك؟.

تمهيد هام

السؤال الهام لماذا يحتاج الجيش إلى القبائل في الصراع المسلح مع "ولاية سيناء"؟.

في أي مواجهاتٍ مع جماعاتٍ مسلحة، فإن أساس تفكيكها والتعامل معها لا يتوقف فقط على العمل العسكري المباشر، ولكن أيضًا محاولة فكِّ أي ارتباطٍ بين هذه المجموعات والبيئة التي تنشط فيها.

بما يعني رفع أي غطاءٍ عن الجماعات المسلحة، وتحديدًا في البيئات الصحراوية القبلية، وبالتالي فإن وقوف تلك القبائل على الحياد لا يساعد في تفكيك هذه المجموعات.

وبالتالي فإن الجيش المصري يحتاج إلى عدم وقوف القبائل على الحياد، بل والدخول في معارك معه في مواجهة "ولاية سيناء".

هذه المحاولات ترتبط بالأساس بوجود علاقات جيدةٍ مع تلك القبائل، ولكن الأزمة في التباعد بفعل عمليات الجيش العسكرية التي تُسقط ضحايا من المدنيين بين قتلى وجرحى، بعددٍ كبيرٍ من النساء والأطفال.

في بداية العمليات العسكرية خلال عام 2013، لم يلتفت الجيش إلى أهمية دور القبائل في مواجهة الجماعات المسلحة، بل واتجه لتهميش دور شيوخ القبائل، متصادمًا مع النظام القبلي والعمل على هدمه.

في المقابل، كانت جماعة "أنصار بيت المقدس" والتي تكونت بالأساس من أبناء القبائل، أقلَّ تصادمًا مع النظام القبلي، للحفاظ على بقائها وعدم إثارة شيوخ القبائل ضدها، ولكن ظهرت تحولات منذ مبايعة تنظيم "الدولة الإسلامية" وسيطرة مجموعةٍ من خارج سيناء على القيادة.

ولكن هذه التحولات في فكر التنظيم ومحاولات الجيش استمالة القبائل، هل تؤدي إلى "حرب أهلية" على أرض سيناء؟.

اتحادٌ «مزيف»؟

ولكن قبل البحث في مسألة تكلفة الحرب الأهلية، علينا أولًا البحث عن شكل وطبيعة الدور الذي يحدده الجيش للقبائل في حربه ضد "ولاية سيناء".

في إبريل الماضي، دخل "ولاية سيناء" على خط مواجهاتٍ مسلحةٍ مع بعض أبناء قبيلة الترابين، والذين يتمتعون بعلاقاتٍ قويةٍ مع قيادات الجيش والنظام الحالي، قبل أن يتمخَّض عن الصراع تشكيل ما يسمى "اتحاد قبائل سيناء".

الاسم الذي اختاروه يهدف بالأساس لتوصيل رسالةٍ بوجود دعمٍ قبليٍ للجيش المصري في عملياته المسلحة، إذ أنه للوهلة الأولى "اتحاد للقبائل"، ولكن من خلال البحث في الشخصيات التي تقف ورائه، يتبين أنه اتحادٌ "زائف".

هذا الاسم ظهر في سيناء قبل سنوات، يضم عددًا كبيرًا من قبائل وعشائر محافظة شمال سيناء، كنوعٍ من التنسيق بين القبائل حتى قبل ظهور المجموعات المسلحة بسيناء، ويترأسه حتى الآن إبراهيم المنيعي، وهو أحد كبار مشايخ عشيرة "المنايعة" التابعة لقبيلة السواركة.

المجموعة التي تشكَّلت بنفس الاسم القديم، تروج بقدرتها على مواجهة ولاية سيناء، من خلال صفحتها عبر موقع "فيس بوك".

واختفت المجموعة تمامًا خلال الأشهر القليلة الماضية، قبل أن تعاود الظهور مجددًا عقب مجزرة مسجد الروضة، وتوعدت بملاحقة المتورطين في الهجوم.

في أول بيانٍ للاتحاد، أشار إلى أنه سيتبع أسلوب "التصفيات" لعناصر "ولاية سيناء" دون محاكمات، وسط ترحيبٍ بانضمام أبناء سيناء إليهم في الحرب على التنظيم بقرية البرث.

ولكن هذا الاتحاد نفسه، لم يتحرك في هجوم التنظيم على الجيش المصري على قرية البرث التي تعتبر مركز ثقلهم.

الغريب أن الجيش المصري لم يتعامل مع هذه المجموعة باعتبارها "إرهابية" على الرغم من أنها تحمل السلاح وتجهر بذلك بشكلٍ علني، دون تدخلٍ لمواجهتهم.

ولكن ما الهدف من هذا التوجه الشديد من قِبَل "اتحاد قبائل سيناء" للدفع لحربٍ أهلية؟.

مصلحةٌ متبادلة

لم تعلن أي جهةٍ في سيناء عن الدخول في مواجهاتٍ مسلحةٍ مع "ولاية سيناء" منذ اندلاع المواجهات مع الجيش، باستثناء "اتحاد قبائل سيناء"، ولكن ما الدافع وراء ذلك؟.

ربما يكشف جانب من الغموض المحيط بهذا الاتحاد، هو معرفة من يتزعَّم هذا الكيان والداعمين له.

يترأّس هذا الكيان "إبراهيم العرجاني"، وهو معروف أنه رجل أعمال من سيناء، وأحد المقربين بشدة من النظام الحالي والجيش المصري، ولديه مصالح مشتركة مع الجيش في سيناء.

وظهر "العرجاني" في أكثر من مناسبةٍ مع قياداتٍ عسكرية، فضلًا عن حضور لقاءاتٍ ومناسباتٍ عامة مع الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، ويترأّس شركةً تُدعى "مصر سيناء"، والتي صرح في أكثر من مناسبةٍ أنها تعمل على تنفيذ خطط "السيسي" في التنمية، على حد زعمه.

"العرجاني" لا يقيم بسيناء، نظرًا لأنه مستهدفٌ من قِبَل "ولاية سيناء"، في إطار استهداف كل المتعاونين مع الجيش المصري والأجهزة الأمنية.

أما الشخص الثاني فهو "موسى الدلح"، المتحدث باسم قبيلة الترابين، الذي ظل هاربًا خلال فترة الرئيس المخلوع "حسني مبارك" في الجبال، وكان مطلوبً على ذمة عدة قضايا أمن دولة.

ولكنه بات الآن أحد المقربين من النظام الحالي والجيش المصري، ويعد أحد المستهدفين من قِبَل "ولاية سيناء".

وقال في أحد حواراته "هناك أكثر من 73 قبيلة أعلنت دعمها وتأييدها لنا، وأريد أن أوضِّح أننا تلقينا العديد من رسائل الدعم والتأييد من مختلف القبائل العربية من أسوان إلى السلوم، وهذا يشعرنا بالقوة، وأريد أن أوضِّح أن القوات الخاصة والجيش والداخلية يقومون بدورهم على أكمل وجه والدعم اللوجيستي للجيش يكفي ويزيد في حربنا ضد هؤلاء الإرهابيين".

هذا الحوار المشار إليه منشور في 2015، وحتى الآن لم تظهر أي صور لهذا الدعم الذي تحدث عنه "الدلح"، وإلا لماذا لم يتم القضاء على الجماعات المسلحة؟.

إذن فإن هناك مصلحةً مشتركةً بين الجيش المصري و"العرجاني" و"الدلح" الأخير يعمل في مجال المقاولات-، فإن استمرار الصراع المسلح يزيد من خسائرهم ومشروعاتهم، لذلك يدفعون بقوةٍ للزجِّ بالقبائل في الصراع الدائر بسيناء.

الزجُّ بالقبائل

وبدا أن الاتحاد هو "مسعر حربٍ" للزجِّ بالقبائل في الصراع الدائر، ولكن ينطبق على عملهم "ضجيجٌ بلا طحن"، فعلى الرغم من التأكيدات المستمرة بمواجهة المسلحين، إلا أنه منذ نصب "ولاية سيناء" كمينًا لعناصر الاتحاد المسلحين، لم تشهد سيناء مواجهاتٍ بين الطرفين.

وفي مايو الماضي، قتل تنظيم "ولاية سيناء" 10 على الأقل من أبناء قبيلة الترابين، بينهم "سالم لافي"، أحد المقربين من "العرجاني" و"الدلح".

ولكن بدأ "اتحاد قبائل سيناء" نشر بعض الصور عبر صفحته على موقع "فيس بوك"،  لمجموعة من عناصره المسلحة بانتظار "ساعة الصفر".

وربما يكون مفهومًا في سياق ما سبق الإشارة إليه، أن الاتحاد يحاول تشويه كل الصفحات والآراء التي ترفض الزجَّ بالقبائل في الصراع القائم، باعتبارها صفحاتٍ داعمةٍ للإرهاب، وبالتالي فهي محاولات لإسكات كل الأصوات التي تتحدث عن انتهاكات الجيش المصري خلال العمليات العسكرية.

وهنا فإن دور هذه المجموعة مزدوج، دعم الجيش، والزجُّ بالقبائل في الصراع، من خلال التحريض ضد التنظيم مستغلة هجوم مسجد الروضة، من خلال نشر تسجيل صوتي لمحادثة بيم شخصين عبر اللاسلكي، بزعم أن "ولاية سيناء" تبنى مجزرة المسجد.

وعلى الرغم من عدم وجود ما يثبت صحة التسجيل، إلا أن صفحة "اتحاد قبائل سيناء" أصرت على هذا الأمر بشدة، حتى دون انتظار إعلان التنظيم مسؤوليته من عدمه.

 كل المحاولات السابقة بالزجِّ بالقبائل باءت بالفشل، خاصةً مع بيان "أحرار السواركة"، وهو بيان خرج من بعض أبناء القبيلة، بعد مطالبات اتحاد قبائل سيناء، بانضمام القبائل إليهم.

في مايو الماضي، صدر بيان "أحرار السواركة"، مطالبًا بضماناتٍ محددة من الجيش المصري والدولة، للدخول معها في مواجهاتٍ مع "ولاية سيناء".

البيان ألقى الكرة في ملعب الجيش، وفحواه "رغبة في عدم تهميش القبائل وعودتها لسابق عهدها، والتعامل بنوعٍ من الندِّية، والدعم للقبائل في تلك المواجهات"، وهو ما لم يصدر عليه ردٌّ من النظام الحالي بكل أجهزته والجيش المصري بالموافقة، وبالتالي لم تتدخل السواركة في الصراع الدائر، ويمكن متابعة تحليل سابق لـ "القصة" من "هنا".

من يتحمل التكلفة؟

الغريب أن "اتحاد قبائل سيناء"، حينما نشر صورة عناصر له فوق سيارات دفع رباعي خلال اليومين الماضيين، وعليها أسلحة ثقيل.

وبخلاف الأسئلة المعتادة، من أين جاءت تلك المجموعة بهذه الأسلحة؟ وكيف يتركها الجيش؟ بما يعدُّ موافقةً من الجيش على هذه التحركات.

إلا أن هناك جانبين هامين في هذا الإطار، الأول: هل يُقدم الجيش على استهدافهم بالخطأ؟.

عناصر المجموعة تتحرك بسيارات دفعٍ رباعي مثل التي يستخدمها المسلحون، والسبب الوحيد لعدم استهدافهم هو وجود تنسيقٍ دقيقٍ وشديدٍ مع قيادات الجيش في سيناء، بخط سير تلك السيارات، بما يؤكد أن الجيش ضالعٌ في الدعم والتنسيق.

أما ثانيًا: من يتحمل تكلفة هذه الأسلحة الثقيلة؟ بل السؤال الأهم هو لو وافقت القبائل على دعم الجيش في مواجهة "ولاية سيناء"، فهل سيوفر أسلحةً ثقيلةً ومتطورةً استعدادًا للمواجهة؟.

هذا السؤال لا يمكن الإجابة عليه بشكلٍ قطعي، ولكن يبدو أن الجيش غير مستعدٍ لتقديم أي دعم لوجستي والسماح بدخول سيارات دفعٍ رباعيٍ بكثرةٍ في سيناء، وهو ما كشفت عنه مصادر قبلية.

وقالت المصادر لـ"القصة"، إن بعض القبائل طالبوا الجيش بشكلٍ واضح وصريحٍ بدعمهم وردِّ اعتبارهم في سيناء، ولكن قيادات الجيش رفضت تمامًا تقديم أي دعم، وأكَّدوا على ضرورة اعتماد القبائل على نفسها.

وأضافت أن ردَّ الجيش دفع القبائل إلى التراجع بشكلٍ كبيرٍ عن أي دعم للعمليات العسكرية، باستثناء مجموعة "اتحاد قبائل سيناء".

خسائر كبيرة

ولكن القبائل حتى الآن لم تتخذ خطواتٍ في سياق الاستجابة لرغبة الجيش حتى على الرغم من مجزرة مسجد الروضة.

وربما تدرك القبائل أن الدخول في مواجهةٍ غير متكافئةٍ مع "ولاية سيناء" سيزيد من تعقيدات الأزمة في سيناء، وعند وضع مقارنةٍ بسيطةٍ بين قوة الطرفين، فإنها تصب في صالح التنظيم المسلح.

"ولاية سيناء" هو تنظيمٌ تمتد جذوره إلى 2011، من خلال تأسيس جماعة "أنصار بيت المقدس"، قبل مبايعة تنظيم "الدولة الإسلامية" في 2014، بما زاد من قدراته العسكرية بشكلٍ ملحوظ.

التنظيم يمتلك أسلحةً ثقيلةً ومتطورةً بحيث مكّنته من إيقاع خسائر كبيرة في صفوف الجيش المصري، سواء من ناحية سقوط القتلى والجرحى، أو خسائر مادية باستهداف الدبابات والمدرعات.

ودخول القبائل في هذه المواجهة غير المتكافئة من حيث التسليح، فضلًا عن التدريب، ينذر بخسائر بشريةٍ فادحة في صفوف أبنائها، بخلاف أن القبائل أكثر عددًا ولكن دون فعاليةٍ كبيرة.

ماديًا، فإن الحصار المفروض والأوضاع الصعبة أغلقت أبواب رزقٍ كبيرةٍ للقبائل في العمل، وبالتالي تراجع العوائد المالية، بما يجعل الصراع مع "ولاية سيناء" يُكبِّدها خسائر مادية فادحة.