هل تسبب «حقوق الإنسان» في مصر بالمزيد من إهدار أموال المعونة الأمريكية؟

هل تسبب «حقوق الإنسان» في مصر بالمزيد من إهدار أموال المعونة الأمريكية؟

04:04 ص

07-ديسمبر-2017

فهل تقود هذه الجلسة إلى قرار آخر بقطع المزيد من المعونة التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر، أم تتغلب العلاقات الوثيقة بين البلدين على الأزمة؟.

ربما لا تحمل الفترة القادمة أنباء سارة للنظام المصري فيما يخص المعونة الأمريكية، حيث باتت مهددة بمزيد من النقصان، بسبب ممارساته سلطاته الأمنية في مجال حقوق الإنسان.

لجنة "توم لانتوس لحقوق الإنسان"، التابعة لمجلس النواب الأمريكي، تعقد جلسة حول الأوضاع الحقوقية في مصر، بمناسبة مرور 7 سنوات على ثورة 25 يناير 2011، وذلك بعد أقل من 4 اشهر على قرار الإدارة الأمريكية حجب أجزاء من المعونة بسبب سجل القاهرة السيء في حقوق الإنسان.

فهل تقود هذه الجلسة إلى قرار آخر بقطع المزيد من المعونة التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر، أم تتغلب العلاقات الوثيقة بين البلدين على الأزمة؟.

تشويه متعمد أم حقائق موثقة؟

ومن المقرر أن يطلب الكونجرس من ‏لجنة من المستشارين ‏المتخصصين في أوضاع حقوق الإنسان والسياسات الحكومية في مصر ‏أن يقدموا دراسات ‏وتحليلات عن ‏المشهد في مصر، وسيقدمون توصيات حول كيفية قيام حكومة الولايات المتحدة بتحفيز الحكومة المصرية بفعالية أكبر في هذه القضايا.

وتضم لجنة الاستماع "إيمي هوثورن"، المنسقة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية ونائب مدير الأبحاث الحالي في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، و"جو ستورك" نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، و"جورج جورجيس"، رئيس منظمة التضامن القبطي في أمريكا، و"ميشيل دان"، مديرة برنامج الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط بمعهد كارنيجي الأمريكي للسلام الدولي.

من جانبها استنكرت مصر انعقاد الجلسة، وقالت وزارة الخارجية في بيان، إنها "تتوقع جلسة غير محايدة".

وأضافت أن "لجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان تعد آلية غير رسمية في الكونجرس الأمريكي، ومن المتوقع أن تكون جلسة الاستماع حلقة جديدة من حلقات التشويه المتعمد للأوضاع في مصر".

واتهمت الخارجية المصرية منظمي الجلسة بـ"تعمد قصر الدعوة على قائمة شهود من النشطاء والمحللين الأمريكيين المعروف عنهم مواقفهم المناوئة للحكومة المصرية".

الانزعاج المصري من حديث أطراف دولية عن قضية حقوق الإنسان، يبدو مألوفًا إلى حد كبير وتعبر عنه الدولة بمختلف أجهزتها وقادتها.

الرئيس عبدالفتاح السيسي تهرّب مؤخرًا من الإجابة على تساؤل حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، ولجأ إلى القول بأن "مصر ليست أوروبا" والتطرق إلى قضايا أخرى ذات صلة، لكنها اعتبرت تهربًا، بينما اعترف بأن مصر ليس لديها تعليم أو إسكان أو صحة أو توظيف جيدين.

ولعل الأمر يبدو أكثر من مجرد تشويه متعمد أو اتهامات غير موثقة، بل إن المجال ربما لا يتسع لسرد الاتهامات التي وجهتها منظمات حقوقية محلية وعالمية للسلطات في مصر بارتكاب أجهزتها الأمنية لانتهاكات واسعة.

التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، رصدت مقتل 2978 مواطنًا خارج إطار القانون، منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو 2013 وحتى يوليو 2016، كما وثقت أيضًا 2874 حالة اختفاي قسري لمواطنين خلال عام 2015، والنصف الأول من عام 2016.

ويبدو أن القاهرة ضاقت ذرعًا بالتقارير الحقوقية التي تتحدث عن انتهاكات، فعمدت إلى حجب موقع منظمة هيومان رايتس ووتش الأمريكية، في أعقاب التقرير الذي يوصف بالأقوى ضد السلطات منذ فترة.

التقرير قال نصًا إنه "قد يرقى التعذيب الواسع النطاق والمنهجي من قبل قوات الأمن إلى جريمة ضد الإنسانية".

الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، كشفت في تقريرها الصادر في سبتمبر 2016، أن عدد المسجونين السياسيين في السجون ومقار الاحتجاز وصل إلى نحو 60 ألفًا، فضلًا عن 49 ألفًا من الجنائيين، وأن النظام شيد منذ الإطاحة بمرسي 16 سجنًا جديدًا.

أما منظمة "هيومن رايتس مونيتور" فقالت: "بات التعذيب أسلوب مُمنهج وسياسة تتبعها السلطات المصرية، متمثلة في ذراعها الأمني (قوات الجيش، والشرطة المدنية)، باختلاف أطيافهم المجتمعية، بل وحتى باختلاف توجهاتهم، وهناك أشكال متعددة للتعذيب يتعرض لها المُعتقلون على يد أعضاء من جهاز أمن الدولة".

التقرير الصادر في يوليو 2016 طالب بالتحقيق في مقتل ما يزيد عن 493 محتجزًا داخل السجون، نتيجة للتعذيب.

معززات اقتطاع المعونة

لكن ما الذي يعزز من التكهنات بشأن الضرر المتوقع نتيجة جلسة الاستماع على قيمة المعونة الأمريكية لمصر؟.

في أغسطس الماضي، قررت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حرمان مصر من 95.7 مليون دولار، ضمن برنامج المساعدات السنوية، وكذلك الامتناع عن صرف مبلغ 195 مليون دولار إضافية، بانتظار "تحسّن سجل القاهرة على صعيد حقوق الإنسان والديمقراطية".

اللافت أن هذا القرار سبقه بأربعة أشهر جلسة استماع بالكونجرس الأمريكي، أوصت بتخفيض المعونة وإعادة تقييم برنامج المساعدات الأمريكي لمصر على ضوء "الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان".

الخبراء المشاركون في الجلسة أكدوا أن "سياسة النظام المصري الحالي، التي تتسم بانتهاكات شديدة لحقوق الإنسان، وعمليات تعذيب، واختفاء قسري، وخنق حرية وسائل الإعلام، وإرهاب أي معارضة، يؤدي إلى تفريخ الإرهاب لا محاربته، وهو ما ينفي مبرر تقديم المعونة على أساس أن النظام المصري يحارب الإرهاب".

اللافت أيضًا أن أحد أعضاء لجنة الخبراء في جلسة الاستماع الجديدة، كان مشاركًا في جلسة الاستماع التي رأسها السيناتور "ليندسي جراهام" في أبريل الماضي، وهو "ميشيل دان" الذي كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية السابق للشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعليه، فإن احتمالية خروج توصيات من جلسة الاستماع الأخيرة بحجب أجزاء من المعونة واستجابة الإدارة الأمريكية لهذا القرار تبقى واردة وبقوة، في ظل ما تبديه مصر من "لامبالاة" تجاه هكذا قرارات.

الأمر ينسحب أيضًا على محاولة السيسي فرض أسلوب الأمر الواقع فيما يخص ممارسات نظامه في هذا المجال، ولعل هذا يحيلنا إلى الملابسات التي أحاطت بقانون الجمعيات الأهلية الذي أُقر في مايو الماضي، وسط عاصفة انتقادات محلية ودولية غير مسبوقة.

أبرز هذه الانتقادات كان من الاتحاد الأوروبي، حيث أقر سفير الاتحاد الأوروبي بالقاهرة، "إيفان سوركوش"، بتعرض الاتحاد للخداع من قبل مصر.

"سوروكوش"، قال في تصريحات صحفية، بشأن موقف الاتحاد الأوروبي، من قانون الجمعيات الأهلية: "فوجئنا بأنه تم التصديق على القانون، وقت أن كنا نجري مشاورات مع مسؤولي الحكومة، وأعربنا فيه عن رأينا".

لم يكتف الرجل بالإقرار بالخداع، بل أعلن تسليمه بالأمر الواقع، حين قال: "الآن يجب أن نحترم القانون ببساطة، ﻷنه تم التصديق عليه، وأن نرى كيف سيتم الاستمرار من أجل التنمية في مصر..".

اللافت أن الاتحاد الوروبي هاجم القانون في بداياته، ووصفه بالقمعي، وفور إقراره من مجلس النواب وقبيل تصديق السيسي عليه وصف حقوقيون موقف الاتحاد بأنه ضعيف وباهت، ولا يرقى لمستوى قانون "يجرم العمل الأهلي في مصر".

وفور تصديق السيسي على القانون، كانت رسالة قوية من الاتحاد، عبر عنها في بيان له بالقول إنه سيؤثر بشكل كبير على المساعدات التي يقدمها الاتحاد إلى مصر.

إلا أنه وبعد مرور نحو أسبوعين على إقرار القانون، بدا موقف الاتحاد مختلفًا إلى حد كبير، شكل باعترافه بأمر واقع صدمة للوسط الحقوقي المصري، الذي كان يؤمل على أوروبا في وقف القانون.

تحدي «الكيمياء» من يربح؟

الاقتطاع السابق من المعونة أغضب القاهرة كثيرًا، ومن المتوقع أن يزيد أي اقتطاع آخر من حجم هذا الغضب، لكن يبقى الرهان على مداه من حيث إمكانية التأثير المباشر لقطع المعونة على العلاقات بين البلدين أم لا.

وبغض النظر عن العلاقة الخاصة "الكيمياء" الشهيرة التي تربط بين رئيسي البلدين، فإن ثمة علاقات سياسية واقتصادية واستراتيجية وعسكرية بين البلدين من القوة بمكان، بحيث لا يطغى عليها أمر مثل قضية المعونة.

قيادة البلدين تدركان هذا تمامًا، ولذلك سعيا إلى تخطي تلك العقبة والمضي قدمًا في استئناف مناورات "النجم الساطع" في سبتمبر الماضي بعد انقطاع دام لسنوات، الأمر الذي يؤشر لأن قضية المعونة كانت مجرد سحابة صيف ومرت سريعًا.

وبالنظر إلى البراجماتية الأمريكية التي تحكم قراراتها وتوجهاتها، فإن الأمر ينطوي على مجموعة من الأهداف التي تسعى إليها واشنطن دومًا، ولعل أبرزها خشية أمريكا من حدوث مزيد من التقارب الاستراتيجي بين مصر وروسيا.

غير ذلك، فأمريكا تدرك جيدًا ثقل الدور الإقليمي لمصر، وما يكن أن تلعبه من مكافئ استراتيجي بمنطقة الشرق الأوسط أمام إيران، إثر تدهور حاد يهدد الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع القوى الكبرى في 2015.

كما أن العزم الأمريكي على محاربة الإرهاب، يحتاج إلى دعم ومساندة القوى الإقليمية الكبيرة في المنطقة وفي مقدمتها مصر.

وعلى الرغم من الرفض المصري القاطع لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستكون بحاجة ماسة لعون حلفاءها في المنطقة من أجل ضمان الحد الأدنى من التأثيرات السلبية على مصالحها في الشرق الأوسط.

ومن الممكن أن تلعب مصر دورا بارزا في هذا الإطار، لتصبح المعونة مجرد ورقة تلوح با الإدارة الأمريكية في وجه القاهرة، لدفعها إلى تبني توجهاتها بالمنطقة ولو على حساب القضية الأخطر لدى العرب والمسلمين.