البشير يرفض دعوة لزيارة القاهرة.. إلى أين يصل التصعيد السوداني ضد مصر؟

البشير يرفض دعوة لزيارة القاهرة.. إلى أين يصل التصعيد السوداني ضد مصر؟

01:28 ص

14-ديسمبر-2017

التصعيد السوداني الحالي ربما تجاوز بمراحل كثيرة عتبة التصريحات الهجومية والاتهامات النارية التي تأتي دائمًا على ألسنة المسؤولين في الخرطوم، بينما تقابلها القاهرة بآلةٍ إعلاميةٍ ضخمةٍ موالية للسلطة.

يبدو أن السودان عقد العزم على المضي قُدمًا في نهج التصعيد ضد مصر على خلفية العديد من الأزمات الثنائية التي تضرب العلاقات بين الشقيقَين العربيَّين الإفريقيَّين.

مثلث حلايب الحدودي المُتَنازَع عليه، دعم السودان لسدِّ النهضة الإثيوبي، وما يقال بشأن مساندة مصر للمتمردين جنوب وغرب السودان، وغيرها من القنابل المهدَّدة بالانفجار في أي وقت.

تلك الأزمات تشوب العلاقات التي بدأت متقاربةً للغاية منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي"، إلا أنها سرعان ما تعكَّر صفوها في السنوات التالية من حكم الرئيس "عبد الفتاح السيسي".

التصعيد السوداني الحالي ربما تجاوز بمراحل كثيرة عتبة التصريحات الهجومية والاتهامات النارية التي تأتي دائمًا على ألسنة المسؤولين في الخرطوم، بينما تقابلها القاهرة بآلةٍ إعلاميةٍ ضخمةٍ موالية للسلطة.

ورغم كل هذا الحجم من التصعيد المتبادل فإن عبد الحميد البشرى قنصل السودان العام بالقاهرة، كشف عن إطلاق السلطات المصرية سراح ما يقارب (300) سوداني، كان قد تم القبض عليهم في منطقة شلاتين قبل (6) أشهر.

وقال البشرى إن قرار الإفراج جاء بعد مباحثات بين الجانبين السوداني والمصري في اجتماعات اللجنة القنصلية المشتركة بين البلدين والتي عقدت في الخرطوم يومي (5 و6) نوفمبر الماضي، وأشار إلى أن القنصلية قادت مباحثات طويلة بهذا الشأن، لافتا إلى أنه سيتم تسليم المفرج عنهم للجانب السوداني عند ميناء قسطل، وكانت القاهرة طالبت باستخراج وثائق سودانية للمحتجزين لترحيلهم إلى الخرطوم، إلا أن الجانب السوداني كان يرى أنهم كانوا داخل الأراضي السودانية.

أزمةٌ سياسية طاحنة

أحدث تجلِّيات هذا الصراع المحتدم، ما نقلته تقارير إعلامية عن مصادر دبلوماسيةٍ سودانية، من أن الرئيس السوداني "عمر البشير"، رفض مؤخرًا تلبية دعوة نظيره المصري لعقد قمةٍ ثلاثيةٍ في القاهرة بين مصر وإثيوبيا والسودان، لحل أزمة سد النهضة.

المصادر أضافت أيضًا أن "البشير" اعتذر عن حضور المؤتمر الاقتصادي الإفريقي الذي انعقد في مدينة شرم الشيخ، في الفترة من 7 إلى 9 ديسمبر الجاري، تحت عنوان "إفريقيا 2017".

هذان الموقفان المتعاقبان أتيا في خضمِّ تجددٍ للأزمة المشتعلة بين البلدين على خلفية تصريحات مثيرة أدلى بها وزير الخارجية السوداني "إبراهيم غندور" نوفمبر الماضي.

"غندور" قال إن سدَّ النهضة الإثيوبي من شأنه إعادة حصة السودان من المياه إليه، والتي كانت مصر تحصل عليها من قبيل "السُّلفة"، مضيفًا: "هناك اتفاقٌ بين السودان ومصر على أن هذا النصيب هو دَين بحسب اتفاقية 1959، الآن ربما يتوقَّف الدائن عن إعطاء هذا الدَين وواضحٌ أن المَدين يريد لهذا العطاء أن يتوقف".

الوزير جدَّد مقترح بلاده لمصر بشأن مثلث حلايب وشلاتين الحدودي المُتَنازَع عليه بقوله: "نقترح على الأشقاء في مصر إما إعادتها بقرارٍ سيادي إلى السودان على غرار إعادة تيران وصنافير إلى السعودية، أو بالتحكيم الدولي كما استعادت مصر طابا".

وبعيدًا عن الردِّ المصري على تصريحات "الغندور"، فإن هذا التسارع في انسداد الأزمة على المستوى السياسي يُنذر بتطوراتٍ غير سارة في العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدَين.

وقبل أسابيع، أعلنت مصر تجميد المفاوضات الفنية مع السودان وإثيوبيا عقب اجتماعٍ ثلاثي في القاهرة، رفض فيه المسؤولون المصريون تعديلات البلدين على دراسات المكتب الاستشاري حول السد وملئه وتشغيله.

في هذا المضمار فإن الوصول من خفض العلاقات ومستوى التمثيل الدبلوماسي إلى القطيعة الدبلوماسية الكاملة من قِبَل السودان ضد مصر يبقى واردًا في حال استمرَّ الوضع كما هو عليه، من إصرارٍ سوداني على التصعيد وردود مصرية على استحياء ومن قِبَل مسؤولين أرفعهم وزير الخارجية.

التوجه في هذا المسار إلى الهيئات الدولية المعنية بالعلاقات بين الدول مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ليس بمنحى جديد، حيث يواصل السودان إرسال الشكاوى ضد مصر في مجلس الأمن منذ ستينيات القرن الماضي بشكلٍ دوري دون جدوى.

اتهاماتٌ متصاعدة بطلها البشير

قريبًا من الشقِّ الدبلوماسي للأزمة والتصعيد السوداني المُحتَمل فيها، يظهر الشقُّ الإعلامي الذي يشهد حربًا مستعرة كان بطلها الأول الرئيس "عمر البشير"، على النقيض من التحرك المصري على هذا المستوى المقتصر على ردودٍ من وزير الخارجية وحملاتٍ إعلامية منظمة من قِبَل وسائل الإعلام الموالية للسلطة.

"البشير" أكَّد متانة العلاقات السودانية الإثيوبية، في كلمةٍ ألقاها بحفل "يوم القوميَّات والشعوب الإثيوبية"، الذي أقيم في 8 ديسمبر الجاري، شرق إثيوبيا، التي زارها على رأس وفدٍ رفيع المستوى.

وفي مايو الماضي، اتَّهم الرئيس السوداني، "عمر البشير"، الحكومة المصرية صراحةً بدعم الحركات المسلحة السودانية المتمرِّدة وببيع بلاده ذخائر فاسدة.

وفي كلمةٍ بمناسبة تكريم قدامى المحاربين السودانيين بالخرطوم، أعلن "البشير" أن "قوات الجيش والدعم السريع غنمت مدرعاتٍ ومركباتٍ مصرية استخدمها متمردو دارفور في هجومهم، على الولايتين (شرق وشمال دارفور)"، مؤكدًا أن القوات المهاجِمة انطلقت من دولة جنوب السودان ومن ليبيا على متن مدرعاتٍ مصرية.

الرئيس السوداني تابع: "للأسف إنها مدرعاتٌ مصرية، قاتلنا لأكثر من 17 عامًا ولم تدعمنا مصر، حتى الذخائر التي اشتريناها من مصر كانت ذخائر فاسدة، على الرغم من أننا حاربنا معهم في أكتوبر 1973".

وفي فبراير الماضي، اتَّهم "البشير" الحكومة المصرية بدعم حكومة دولة جنوب السودان بالأسلحة والذخائر.

وقال في حوارٍ مع عددٍ من رؤساء تحرير الصحف السودانية المرافقين له في زيارته للإمارات، إن لدى إدارته معلومات تفيد بأن القاهرة تدعم حكومة جنوب السودان، مشيرًا إلى أن الحكومة المصرية لا تُقاتل في جنوب السودان لكنها تمدُّ حكومتها بالأسلحة.

كما جدَّد "البشير" القول إن هناك مؤسسات في مصر تتعامل مع السودان بعدائية، متَّهمًا جهات لم يسمّها داخل هذه المؤسسات بأنها تقود هذا الاتجاه.

الاقتصاد مضمارٌ آخر

بعيدًا عن السياسة، فإن العلاقات الاقتصادية تُشكِّل بعدًا مهمًا عند الحديث عن أي تصعيدٍ سوداني محتمل ضد مصر.

في مايو الماضي، قرَّر رئيس الوزراء السوداني "بكري حسن صالح"، حظر دخول السلع المصرية الزراعية والحيوانية إلى بلاده مع إلزام القطاع الخاص باستيراد السلع مباشرةً من بلد المنشأ دون عبورها بمصر.

وشمل القرار أيضًا "وقف استيراد أي تقاوي أو شتول من جمهورية مصر العربية وإجراء كل التحوطات اللازمة للوارد منها".

وفي مارس فرض السودان حظرًا شاملًا على السلع الزراعية المصرية، بعد قيودٍ أخرى فرضها في سبتمبر 2016، لحظر الفواكه والخضروات والأسماك المصرية بفعل مخاوف صحية.

ويأتي قرار السودان بحظر المنتجات الزراعية المصرية، ضمن سلسلةٍ من الإجراءات التصعيدية التي يتخذها السودان من عدة شهور، ويراها المسؤولون المصريون "غير مبررة"، ومنها منع دخول المصريين إلى الأراضي السودانية من دون تأشيرةٍ مسبقة.

وفي بداية مايو الماضي، رفضت السلطات السودانية دخول الشاحنات المصرية من ميناءَي قسطل وأرقين البريَّين إلا بعد الحصول على تأشيرة دخولٍ من القنصلية السودانية في أسوان، ما تسبب في تكدس نحو 500 شاحنة في منطقة صحاري في مدخل مدينة أبو سمبل.

وبحسب أرقام وزارة التجارة والصناعة المصرية، فإن حجم التبادل التجاري بين البلدَين يبلغ نحو مليار دولار، أغلبها صادرات غذائية ومواد بناء ومنسوجات مصرية إلى السودان، فيما تتركز الواردات على الحيوانات الحية والسمسم والقطن.

تقارير إعلامية نقلت عن تجار مصريين قولهم إن أهم ما سيتأثر بالفعل جراء الإجراءات السودانية المتعاقبة، هو الصادرات من السكر والزيت، السلعتان الأساسيتان اللتان تصنعان أو تعبآن في مصر وتصدران إلى السودان بشكلٍ كبير، وغالبية هذا الإنتاج من مصانع استثماراتها خليجية.

وربما تشهد المرحلة المقبلة عزفًا سودانيًا على وتر التبادل التجاري مع مصر بفرض المزيد من الإجراءات العقابية سواء بحظر تصدير المنتجات المصرية، أو حتى وضع المزيد من القيود على دخول المصريين إليها والذين يذهب المئات منهم بحثًا عن لقمة العيش في ظل ظروفٍ اقتصاديةٍ طاحنة بمصر، وسوق بكر واعدة في السودان.

وربما يعزِّز من هذا التوجه المحتمل لدى الخرطوم، القرار الأمريكي الصادر في أكتوبر الماضي، برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان منذ 20 عامًا مضت.

الترجمة المباشرة للقرار كانت خلال أقل من أسبوعٍ على نفاذه، حيث انعكس على انتعاشٍ تدريجي للاقتصاد، وارتفاع في قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي، بعد ساعاتٍ فقط من القرار، فضلًا عن مكاسب بالجملة، أوجزتها تقارير اقتصادية.

هل تندلع مواجهة عسكرية؟

وعلى الرغم من استبعاد تطور التصعيد السوداني إلى تدخلٍ عسكري ما خاصةً في مثلث حلايب الحدودي، فإن هذا الإجراء المحتمل لا يمكن تنحيته عند البحث في سيناريوهات هذا التصعيد.

ثمة شواهد عدة على مدار السنوات الماضية، تقود إلى وجهة النظر تلك، من بينها أنه في أبريل الماضي، أعلن السودان وإثيوبيا التوقيع على اتفاقية "التكامل الشامل" بينهما، أبرز ما تضمنته "توحيد المواقف تجاه التهديدات الخارجية".

"البشير" قال في مؤتمرٍ صحفي مشترك عقب مباحثات أديس أبابا، إن التكامل مع إثيوبيا يشمل كل المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأضاف أن "أي تهديدٍ لأمن إثيوبيا هو تهديدٌ مباشر لأمن السودان".

وفي مارس أعلن السودان، وضع ما أسماه "خارطة طريق" لترحيل المصريين من منطقة مثلث حلايب وشلاتين وأبو رماد الحدوديَّة.

وعلى الرغم من تأكيد السودان أن هذا الترحيل سيتمُّ "بالطرق الدبلوماسية" إلا أن استخدام العنف بشكلٍ أو بآخر يظلُّ غير مستبعدٍ في ظل الإصرار السوداني على تبعية المنطقة لها والرفض المصري لخياري التفاوض أو التحكيم الدولي.

أما في أبريل 2014 كان هناك تطورٌ آخر عزَّز من إمكانية نشوب صراعٍ عسكري محتمل يبدأه السودان من باب سد النهضة الإثيوبي.

الجيش السوداني، قال إن الاتفاق العسكري بينه وبين الجيش الإثيوبي حينها لا علاقة لسد النهضة به، في حين اعتبر خبيرٌ عسكري أن تشكيل قوةٍ مشتركة بين البلدَين لحماية السد أمرٌ وارد وفقًا للحسابات الاستراتيجية.

وعُقدت مباحثاتٌ عسكرية سودانية إثيوبية في العاصمة الخرطوم بمشاركة وزيري دفاع البلدين، واتفق الجانبان على تكوين قواتٍ مشتركة بين الفرق العسكرية المتقابلة على طول الحدود المشتركة بين البلدين، الأمر الذي اعتبر تهديدًا مباشرًا لمصر بغرض حماية سد النهضة، الذي تتردد أحاديث عن نية القاهرة توجيه ضربةٍ عسكرية لتدميره بعد فشل الجهود الدبلوماسية.

وتظل الاتهامات التي يوجِّهها السودان دومًا إلى مصر بدعم المتمردين بالسلاح والاعتداء المتكرر على مواطنين سودانيين يُنقِّبون عن الذهب في منطقة حلايب، شرارة كفيلة باشتعال مواجهةٍ عسكرية مرتقبة قد تكون محدودة وغير كاملة تقتصر على الرغبة في إحداث خسائر فقط ولا تمتدُّ لحربٍ شاملة يدرك الطرفان أن لا منتصر فيها.