اعتقالاتٌ في صفوف أنصاره.. كيف تحول «شفيق» إلى مُعارضٍ لأجل «الدولة» لا «الوطن»؟

اعتقالاتٌ في صفوف أنصاره.. كيف تحول «شفيق» إلى مُعارضٍ لأجل «الدولة» لا «الوطن»؟

07:18 ص

14-ديسمبر-2017

وعلى الرغم من أنهم مجهولون ليسوا من نجوم الصف الأول أو المُسلَّطة عليهم الأضواء أو قياداتٍ بالحزب، إلا أن أمر إلقاء القبض عليهم في هذا التوقيت له دلالة رمزية لا يمكن تجاهلها.

بينما كان قبل سنواتٍ قليلةٍ جزءًا من الدولة، وليس أي جزء، إنه مرشحٌ رئاسي ورئيس وزراءٍ وقائدٌ عسكري سابق، انتقل الآن إلى خانة المعارضة وأصبح المنافس الحقيقي الوحيد "المحتمل" للرئيس "عبد الفتاح السيسي".

إنه الفريق "أحمد شفيق"، المثير للجدل دائمًا والذي لا تزال توابع زلزاله بشأن الترشح للرئاسة وظروف عودته وما أثير بشأن احتجازه والضغط عليه للتراجع، تسبب إرباكًا في المشهد السياسي المصري.

وعلى الرغم من أنه لم يُعلن ترشُّحه رسميًا، وأيضًا لم يتنازل عن هذا الحق أو يبتعد نهائيًا عن السباق، إلا أنه يظل حتى الآن المنافس الأوحد لـ"السيسي".

مرشحٌ حقيقي بدعم «مبارك»

أحدث توابع هذا الزلزال ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر أمنية وحزبية بشأن إلقاء قوات الأمن، الأربعاء 13 ديسمبر الجاري، القبض على 3 من مؤيدي "شفيق"، وأنهم متَّهمون بنشر معلوماتٍ كاذبةٍ تضرُّ بالأمن القومي.

المقبوض عليهم ينتمون إلى حزب الحركة الوطنية الذي أسسه ويرأسه "شفيق"، بينما لم يُعلِّق الأخير حتى الساعة على الخبر.

وعلى الرغم من أنهم مجهولون ليسوا من نجوم الصف الأول أو المُسلَّطة عليهم الأضواء أو قياداتٍ بالحزب، إلا أن أمر إلقاء القبض عليهم في هذا التوقيت له دلالة رمزية لا يمكن تجاهلها.

فهو يمثل ما يمكن أن نسميه انطلاقةً لبداية التعامل الرسمي من قبل السلطات مع "شفيق" باعتباره معارضًا سياسيًا بامتياز، يصيبه وأنصاره ما يصيب المعارضين الآخَرين من مضايقاتٍ أمنيةٍ وقضائيةٍ باتهاماتٍ وهمية لا أدلة عليها.

وربما يُشكِّل الردُّ المرتقب من "شفيق" تحديدًا، وليس من الحزب، طبيعة الظروف التي ستحكم علاقاته بـ"السيسي" على الأقل حتى يُصبح مرشحًا رسميًا أمامه، أو حتى يعلن ابتعاده الرسمي أيضًا عن المنافسة.

لكن "شفيق" المعارض ليس ضعيفًا كغيره من المعارضين السياسيين، بل معارض قوي ومرشح حقيقي يتمتع حتى قبل أن يعلن ترشُّحه بدعمٍ كبيرٍ على مستوياتٍ مختلفة تجتمع كلها تحت لافتةٍ واحدة وهي دولة "مبارك" أو أبناء "مبارك".

هذا الدعم اتخذ منحى جديدًا في أعقاب البيان الذي أصدره الرئيس الأسبق "حسني مبارك" يتبرأ فيه من اتهامات وثائق بريطانية بموافقته على توطين الفلسطينيين في سيناء عام 1983، والذي سبق بيانَي "شفيق" من الإمارات بساعاتٍ قليلة.

البيان الذي تضمن في بنده السادس على لسان "مبارك" عبارة: "تمسَّكت بمبدأٍ لم أحِد عنه وهو عدم التفريط في أي شبرٍ من أرض مصر، التي حاربتُ وحارب جيلي كله من أجلها.."، يعتبر هجومًا عنيفًا على "السيسي" من جهة ودعمًا لـ"شفيق" من جهةٍ أخرى.

فـ"السيسي" متهمٌ بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ومستعدٌ للتفريط في سيناء والموافقة على توطين الفلسطينيين فيها ضمن ما سمِّي بصفقة القرن، التي تحدث عنها "السيسي" نفسه لأول مرةٍ خلال لقائه نظيره الأمريكي "دونالد ترامب" أبريل الماضي.

أما "شفيق" فينتمي لنفس مدرسة "مبارك" ويُعدُّ ابنًا من أبنائه وتلاميذه بالكلية الجوية وخياره الأفضل لرئاسة الوزراء ومحاولة امتصاص غضبة المصريين فور اشتعال أحداث ثورة 25 يناير 2011، فضلًا عن مشاركته في حرب أكتوبر 1973، التي أشار إليها بيان "مبارك" بعبارة "حاربتُ وحارب جيلي".

لفظ أبناء "مبارك" المؤيِّدين لـ"شفيق" ربما لا يقتصر على فئةٍ محددة، بل يمتدُّ ليشمل قيادات وأعضاء الحزب الوطني المنحل، وهؤلاء تحديدًا أعدادهم بالآلاف ويتمتعون بشبكات علاقاتٍ قويةٍ كونوها بنفوذهم كأعضاء بالحزب وبمجلسي الشعب والشورى والمجالس المحلية وكذا الإدارات المحلية بالمراكز والقرى والنجوع في أنحاء مصر.

كما تضم دولة "مبارك" ظهيرًا شعبيًا كبيرًا من مؤيديه ومؤيدي "شفيق" نفسه في انتخابات الرئاسة 2012، وهؤلاء يوصفون بأنهم كتلةٌ صلبة لا تتغير، وتتجاوز أعدادهم 12 مليون مواطن.

وتمتدُّ تلك الدولة إلى مجموعة رجال الأعمال التي كانت تحيط بـ"جمال مبارك" تزامنًا مع فترة صعوده أمينًا للسياسات بالحزب الوطني، وفي مقدِّمتهم "أحمد عز" وكذلك "محمد أبو العينين" و"فريد خميس" وغيرهم.

الجيش والشرطة على الخريطة

في أبريل الماضي، فوجئ آلاف المشتركين في خدمة الرسائل النصِّية لجريدة "الوطن" القريبة من أجهزة الأمن والسلطات المصرية، برسالةٍ غريبةٍ نفى الجميع صحَّتها لاحقًا، لكنها أثارت جدلًا واسعًا.

نص الرسالة القصيرة التي أُرسلت بينما كان "السيسي" في أمريكا: "أنباء عن تحركٍ لقيادات بالجيش تابعة للفريق شفيق للقيام بانقلابٍ عسكري".

وعلى الرغم من عدم صحتها، لكن الرسالة ألقت حجرًا في المياه الراكدة، وجدَّدت الحديث عن الدعم الذي يحظى به "شفيق" داخل الجيش الذي خدم به لنحو 50 عامًا، وصل فيها إلى رتبة الفريق.

الحديث يدور دومًا وبشكلٍ متزايدٍ عن تأييدٍ يتمتع به "شفيق" داخل الجيش من قِبَل الجناح الرافض لاستمرار "السيسي" في الحكم بسبب مساوئه، أو اقتصار دعمهم لـ"شفيق" على قربهم من الرجل وتأييدهم له في حدِّ ذاته.

قريبًا من الجيش، فإن الرجل يحظى بدعمٍ قوي من قِبَل أجهزة أمنٍ محسوبة على نظام "مبارك"، وفي مقدمتها قطاع الأمن الوطني (أمن الدولة سابقًا) بوزارة الداخلية.

جذور هذا التأييد ترجع إلى عهد "مبارك"، الذي شهد اعتمادًا متزايدًا على الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية للحفاظ على النظام، وبحسب الدراسة الشهيرة التي أعدَّها "يزيد الصائغ" ونشرها مركز "كارنيجي للشرق الأوسط" بعنوان "فوق الدولة.. جمهورية الضباط في مصر".

«الدولة» تتصارع!

وهكذا أصبحت مصر الدولة بمؤسساتها وأجهزتها تشكل بديلًا عن مصر الوطن، ففي الثانية يُفترض أن يكون هناك فريقٌ مؤيد للسلطة وآخر معارض يتمتعون بفرصٍ حقيقية في ممارسة أدوارهم.

لكن الحال في مصر يكون مصير المعارضة، إن وُجدت، قمعٌ من قبل السلطة كل حسب درجة معارضته، بدءًا من القتل والاعتقال والأحكام القضائية المغلظة وصولًا إلى الحظر والتهميش واستخدام فزاعة الإرهاب للابتعاد عن شبح المعارضة، بحيث أصبح كل من يعارض سياسات النظام هو متآمرٌ ضد مصر يريد تخريبها.

أما في الأولى "مصر الدولة" فإنها تعيش حالة من الصراع الداخلي بين فريقين، أحدهما يؤيد السلطة تأييدًا مطلقًا، والآخر يُعارض ويتحرك في معارضته تلك ليس حفاظًا على الوطن بقدر محاولة الحفاظ على كيان الدولة، الذي يعتبر نفسه الأحق بها.

"السيسي" ومؤيدوه يشكلون بطبيعة الحال الفريق الأول، الذي يمتد ليشمل قطاعاتٍ واسعة نجح في أن يضمنها بصفِّه مستغلًا ما لحق بالفريق الثاني من شوائب التركة القديمة لنظام حكم "مبارك"، وذلك في السنوات التالية لثورة 25 يناير 2011.

الجيش والشرطة والقضاء والإعلام، 4 مفاصلٍ للدولة يتحكم "السيسي" من خلال السيطرة عليها في الدولة، فضلًا عن مجموعات المصالح من رجال أعمال وسياسيين والتي تشكلت فيما بعد يوليو 2013، لكنه بدأ يخسر بوتيرةٍ متسارعة الظهير الشعبي الذي استند إليه بداية في الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي".

في المقابل، يرتكز "شفيق" إلى ما يُطلق عليه "الدولة العميقة" وهي المتجذِّرة في قلب مؤسسات الدولة وجهازها الإداري على وجه الخصوص، فضلًا عن تابعين ومؤيدين في المفاصل السابقة، بالإضافة إلى "الكامنين" رغمًا عنهم من بقايا دولة "مبارك"، الذين يُنتظر أن يكون لهم دورٌ كبير خلال المرحلة المقبلة مع اشتداد الصراع بين الفريقين.

هذا الصراع تحكمه عدة عوامل، بعيدًا عن العلاقات الخارجية ومواقف القوى الإقليمية والدولية، يأتي في مقدمتها مقدار القوة التي يتمتع بها كل فريقٍ داخل مؤسسات الدولة.

فإذا كان الظاهر أن "السيسي" يسيطر بشكلٍ كاملٍ على الجيش فلا شك أن الغلبة ستكون له، إلا لو رجحت كفَّة الفريق الثاني الذي يتأكَّد له يومًا بعد يوم أن استمرار "السيسي" في الحكم يجر البلاد إلى منحدرٍ بالغ السوء على المستويات كافة.

ويبقى الرهان الأكبر لـ"شفيق" في هذا المضمار على نحو 50 عامًا من عمره أفناها في الجيش إلى قيادة القوات الجوية ورتبة الفريق، ومن المؤكَّد أنه انتهى في هذه الرحلة إلى شبكة علاقاتٍ واسعةٍ بقيادات نافذة تتحرك من أجل جلوسه على كرسي الرئاسة.

واقعيًا، فإن استقراء الوضع الحالي على الأرض يشي بأن الإعلان الرسمي المرتقب من "شفيق" بترشُّحه للرئاسة سوف يجلب موجةً عاتية من التأييد الشعبي الجارف المستند إلى تأييد الرجل لشخصه أو الحانق على أداءٍ يوصف بالفاشل من قِبَل "السيسي" ونظامه على مدار 4 سنوات، خاصةً في الشأن الاقتصادي والمعيشي للمواطنين.

موجات التأييد تلك تبدو نظريًا قادرة على اقتلاع جذور الفريق الأول، إذا تضافرت معها عوامل القوة في مؤسسات الدولة خاصةً الجيش والشرطة.