حركة معارضة جديدة في مواجهة السيسي.. هل تُصبح «جبهة إنقاذ» جديدة؟

حركة معارضة جديدة في مواجهة السيسي.. هل تُصبح «جبهة إنقاذ» جديدة؟

04:12 ص

16-ديسمبر-2017

هذه الحركة تعدُّ الأولى من نوعها بهذا الحجم، في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" في يوليو 2013، وبعد محاولاتٍ يائسة من أنصار التيار الذي يُوصف بالمدني من أجل التوحّد تحت رايةٍ واحدة، كما أن لها أهدافًا ورؤى تبدو أكثر تحديدًا من ذي قبل.

 

7 أحزابٍ سياسية و150 شخصيةٍ عامة أعلنت تأسيس "الحركة المدنية الديمقراطية"، بوثيقة مبادئ تضم 11 هدفًا ومطلبًا، كضرورةٍ لفتح مجال العمل العام وخلق حراكٍ سياسي ومواجهة تدهورٍ اقتصادي وسياسي وأمني في البلاد.

هذه الحركة تعدُّ الأولى من نوعها بهذا الحجم، في أعقاب الإطاحة بالرئيس الأسبق "محمد مرسي" في يوليو 2013، وبعد محاولاتٍ يائسة من أنصار التيار الذي يُوصف بالمدني من أجل التوحّد تحت رايةٍ واحدة، كما أن لها أهدافًا ورؤى تبدو أكثر تحديدًا من ذي قبل.

التجربة الجديدة تُعيد إلى الأذهان "جبهة الإنقاذ" التي تشكَّلت لمعارضة "مرسي"، وانتهت عمليًا بمجرّد الإطاحة به، فهل تكون "الحركة المدنية" نسخةً مكررة من الجبهة، وما هو مستقبلها وكيف يواجهها نظام الرئيس "عبد الفتاح السيسي"، وقبل ذلك ما هي دلالات تأسيسها والتوقيت؟.

رسائل ودلالات

المبادئ التي أعلنها "يحيى حسين" المُتحدِّث باسم الحركة، تبدو جديرة بالتوقف أمامها نظرًا لما حوته من رسائل ودلالاتٍ عديدة.

أبرز هذه الرسائل كانت بشأن الجيش وتضمنت دعوةً مُبطَّنة لعودته إلى ثكناته والابتعاد عن الانخراط في الشأن السياسي العام، حيث قالت وثيقة المبادئ إن "الجيش ملكٌ لشعبه ويجب دعمه على أداء دوره الدستوري المقدَّس، وعدم إشغاله بكل ما من شأنه التأثير في هذه المهمَّة".

الوثيقة عزفت على وتر الاتهامات التي تُوجَّه للنظام الحالي بالتنازل عن جزيرتَي تيران وصنافير وتهديد أمن مصر المائي بسبب سد النهضة الإثيوبي، حيث دعت إلى "استعادة كل ما تم التفريط فيه من أراضٍ وحقوق مصرية"، لا سيما فيما يتعلَّق بجزيرتَي تيران وصنافير والحقوق التاريخية في مياه النيل.

المطالبة بالإفراج عن سجناء الرأي والتظاهر وتعديل قوانين الحبس الاحتياطي يبدو أمرًا بديهيًا في الوثيقة، التي دعت أيضًا إلى عدم قصر مواجهة الإرهاب بالقوة المسلحة، حيث طالبت "بمواجهةٍ شاملةٍ للإرهاب والمُحرِّضين عليه أمنيًا وفكريًا، يشارك فيها الشعب عبر فتح المجال العام للأحزاب المدنية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني".

المُتحدِّث باسم الحركة أشار إلى شخص "السيسي" وأرجع إليه كل ما تعانيه مصر من أزمات، في قوله إن "استمرار الإرهاب وتحويل حالة الطواريء إلى حالةٍ دائمة تصاحبها اختفاء قسري وانتهاك لحقوق الإنسان في صحة، وتعليم، وفساد في ظل غيابٍ للشفافية وضرب بمدأ الفصل بين السلطات وصولًا للتفريط في الأرض والحدود البحرية، نتيجة الحكم الفردي المُطلَق الذي لا يراقبه أحد".

ثمة رسالة أخرى غير مباشرة إلى رموز نظامَي "مبارك" وجماعة الإخوان المسلمين على حدٍّ سواء، أكَّد خلالها "حسين" أن الحركة "مفتوحة أمام الجميع باستثناء من تلوَّثت يده بفسادٍ أو دم ورموز أنظمة الاستبداد السياسي والديني".

وبهذا تغلق الحركة الباب أمام أيٍ من المنتمين للنظامَين، ليس فقط للانضواء تحتها بل فيمن يمكن أن تدعمه في معركة انتخابات الرئاسة المقبلة.

ومن اللافت أن الحركة جمعت أحزابًا متباينة التوجهات الفكرية، بين الليبرالية مثل الدستور والإصلاح والتنمية والعدل، واليسارية كالتحالف الشعبي الاشتراكي وتيار الكرامة، فضلًا عن ممثلي هذه التيارات من الشخصيات العامة والمستقلين أمثال "هشام جنينة" الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات.

لماذا الآن؟

وعلى الرغم من وجود محاولاتٍ سابقة لممثلي التيار المدني لتشكيل جبهاتٍ معارضة إلا أن توقيت الإعلان عن الحركة الجديدة يكتسب أبعادًا أخرى مختلفة عن سابقاتها.

فهي تتزامن مع الجدل الدائر بشأن الفريق "أحمد شفيق" المرشَّح الرئاسي المُحتمَل الذي يبدو أنه أصبح محسوبًا على الجبهة المعارضة للنظام، وفق ما نقلته وكالة "رويترز" عن مصادر أمنية وحزبية بشأن إلقاء قوات الأمن، الأربعاء 13 ديسمبر الجاري، القبض على 3 من مؤيدي "شفيق"، وأنهم مُتَّهمون بنشر معلوماتٍ كاذبة تضرُّ بالأمن القومي.

الاعتقال يُمثِّل ما يمكن أن نسمِّيه انطلاقة لبداية التعامل الرسمي من قبل السلطات مع "شفيق" باعتباره معارضًا سياسيًا بامتياز، يُصيبه وأنصاره ما يصيب المعارضين الآخرين من مضايقاتٍ أمنية وقضائية باتهاماتٍ وهمية لا أدلة عليها.

وكما أنعشت عودة "شفيق" آمال أبناء "مبارك" وأركان دولته القديمة، وأحيت الأمل لدى الإخوان في تغيُّرٍ لأوضاعهم، فإنها ربما صبَّت في صالح مَن يوصفون بالتيار المدني أو القوى الشبابية والثورية، على اعتبار أن الرجل يُمثِّل النظام الذي ثار عليه المصريون في يناير 2011.

الردَّات التي لا يزال زلزال "شفيق" يُحدثها في الأوساط السياسية بمصر تجعل من التزامن بينها وبين إعلان الحركة المدنية، تشكيلًا جديدًا للخارطة السياسية في مصر ربما تستمر لسنواتٍ مقبلة.

وربما لا يختلف اثنان على أن "شفيق" يمثِّل المنافس الحقيقي لـ"السيسي" ويُسبِّب لنظامه قلقًا كبيرًا، نظرًا لما يحظى به من دعمٍ وتأييد من جانب دولة "مبارك" بما تضمُّه من قطاعاتٍ واسعة في الجيش والشرطة ومنظومة رجال الأعمال ورموز وأعضاء الحزب الوطني المنحل، فضلًا عن ظهيرٍ شعبي لا يُستهان به.

التحدي الذي يفرضه "شفيق" على الحركة المدنية الجديدة، ربما يدفعها إلى أن تكون أكثر قوة في مواجهة النظام، تحيُّنًا لفرصةٍ قد تجد أمامها الساحة مفتوحة للتقدم في مواقع الحُكم المختلفة.

ولعل قادم الأيام سوف يجيب على التساؤل الأبرز بشأن الحركة، فإما أن تكون على شاكلة سابقاتها مجرَّد حبرٍ على ورق بلا أية فاعلية، أو تُؤسِّس لمرحلةٍ جديدة من المعارضة القوية.

هذه المنافسة المحتملة بين تيار "شفيق" والحركة المدنية تبدو غير متكافئة، لكن هذه الحركة تُعوِّل على قطاعاتٍ شعبية ونخبوية قد لا تعني لـ"شفيق" شيئًا، فضلًا عن الفجوة الكبيرة التي تجعل الفريقَين متخاصمَين.

التيارات المدينة والثورية والنخبة السياسية الكلاسيكية التي تُشكِّل الحركة حسمت هي أيضًا موقفها بإبعادٍ كامل لأي من رموز نظامَي "مبارك" والإخوان.

وهكذا قد تبدو المعركة محسومة مسبقًا بخسران الحركة قبل حتى أن تبدأ معركتها، إلى الحد الذي يدفع بالقول إنها رغبت فقط في إيصال رسالة مفادها "نحن هنا" بعد فترةٍ من الانزواء، استغلالًا لحالة الجدل السياسي التي يزخر بها الشارع المصري، وليس التواجد بالساحة كقوة معارضةٍ حقيقية.

تمهيدٌ لانتخابات الرئاسة

لكن في المقابل قد تكون الحركة المعارضة على نحوٍ لم يسبق له مثيلٌ بين التيارات المدنية منذ الإطاحة بـ"مرسي"، نواة لجبهةٍ أوسع تستعد لدعم أحد المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية من المنتمين لها وفي مقدمتهم الحقوقي "خالد علي"، الذي أعلن بالفعل نيَّته الترشح.

وبينما أعلن "علي" رسميًا نيَّته الترشح للرئاسة في 6 نوفمبر الماضي، استبقت أحزاب وحركات وشخصيات عامة قراره بإعلان دعمه مرشحًا رئاسيًا، وذلك عبر بيان نُشر مايو الماضي، أي قبل إعلان "علي" بستة أشهرٍ كاملة.

اللافت أن غالبية الأحزاب والشخصيات الواردة في هذا البيان، هم المُكوِّن الرئيسي للحركة المدنية الجديدة، الأمر الذي يُعزِّز من احتمالية أن يكون إعلان الحركة وهجومها الشرس على "السيسي"، مجرد تمهيدٍ لإعلان دعمها لـ"خالد علي" منافسًا له.

المرشَّح المحتمل صاحب مواجهاتٍ ساخنةٍ سابقة مع السلطة، لعل أشهرها حصوله على حكمٍ ببطلان اتفاقية التنازل عن جزيرتَي تيران وصنافير للسعودية، ويبدو أن تلك كانت فقط البداية وأن المواجهات مرشحة لمزيدٍ من التصعيد خلال المرحلة القادمة، ليس ضد "علي" لكن داعميه أيضًا وهم في هذه الحالة الحركة المدنية الوليدة.

فكما بدت قضية الفعل الخادش للحياء ملفقة للمحامي البارز بعد حصوله على حكم الجزيرَتين، لا يُستبعد أن يستمرَّ المنوال على ذلك بمزيدٍ من القضايا ضد رموز مؤيديه.

وبجانب الملاحقات القضائية سواء كانت حقيقية أو مختلقة، فإن ماكينة الإعلام ستدور هنا أيضًا في السعي لتشويه "علي" وأنصاره، وهو الأمر اليسير على السلطة في ظل ما يسمى بقضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني.

ورغم عدم ورود اسمه ضمن لائحة المتهمين، فإن احتمالية إثارة الشبهات حوله واستغلال نشاطه الحقوقي في وصمه بتلك السوءة تبقى قائمة كأحد أسلحة المواجهة.

افتقار التيار المدني لظهيرٍ شعبي له ثقل، ربما يجعله عرضةً لمواجهة نوعٍ آخر من التعامل الذي يصل إلى حد المضايقات الأمنية والملاحقات القضائية، على غرار المحاكمات التي تعرض لها نشطاء احتجوا على اتفاقية تيران وصنافير.

جبهة الإنقاذ 2؟

وربما تقود السيناريوهات المتوقعة لمستقبل الحركة المدنية الديمقراطية، إلى احتماليةٍ ولو أنها غير مرجحةٍ لكن تبقى قائمة، وهي أن تكون على غرار جبهة الإنقاذ التي مهَّدت للإطاحة بـ"مرسي".

قد تكون الاختلافات بين التجربتين عميقة، فالأولى كان يدعمها مَن أرادوا الإطاحة بـ"مرسي" في الجيش ووجدت بيئةً خصبة في ظل إعلامٍ تم تجنيده لخدمتها والترويج لها على نطاقٍ واسع.

أما الثانية فتفتقر إلى ذلك، على العكس فهي أعلنت معارضتها للسلطة التي أطاحت بـ"مرسي"، وربما لن يفتح لها الإعلام أبوابه كما كان الوضع مع جبهة الإنقاذ، في ظل سيطرةٍ كاملةٍ للسلطة الحالية على وسائل الإعلام كافة.

لكن ثمة معززات قد تجعل على المدى البعيد تجربة الحركة المدنية قريبة الصلة من جبهة الإنقاذ، فالجبهة أسَّسها معارضون لنظام الحكم بدعمٍ من أطراف مناوئة للسلطة حينها، وعلى المدى البعيد قد يتضح أن الحركة تحظى بدعمٍ من أطرافٍ مناوئة للسلطة، أو ربما أطراف في السلطة لكنها ترغب بإزاحة النظام الحالي.

كما يجمع الجبهة والحركة حالة الرفض الشعبي للنظام الحاكم، ولو أن الاختلاف مُتَّسع بين النظامَين، فالأول لم يكن يتمتع بدعمٍ سوى من قِبَل قطاعٍ من الإسلاميين فقط، أما الثاني فيُسيطر على جميع منافذ السلطة في البلاد.