أفلام الفتى الحاكم.. بروباجندا «بن سلمان» لتغطية خسائر اليمن

أفلام الفتى الحاكم.. بروباجندا «بن سلمان» لتغطية خسائر اليمن

02:07 ص

18-ديسمبر-2017

هذا يعني أن تكرار احتفاء وسائل الإعلام السعودية بتطوراتٍ ميدانية لا تعبر عن واقع الهيمنة الاستراتيجية للحوثيين على الأرض ليس سوى محاولةٍ للتغطية على خسائر «ما بعد صالح».

"تقدمٌ كبيرٌ للشرعية بعدة محاور"..

بهذا المضمون روَّجت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية خلال الأيام الماضية لما وصفته بـ "انتصار قوات الجيش والمقاومة الشعبية، المدعومة من التحالف العربي"، الذي أسفر عن دحر الحوثيين من محافظة شبوة.

مقتل18 وأسر50 حوثيًا، إضافة إلى غنائم العتاد العسكري المتنوع، هي حصيلة "الانتصار"، حسبما أوردت حملة الترويج، ليخرج رئيس الوزراء اليمني، "أحمد عبيد بن دغر"، مشيدًا بقوات الشرعية ومهنئًا رئيس هيئة الأركان العامة لقوات الحكومة، اللواء الركن "طاهر العقيلي".

لكن قراءة التطورات الميدانية على النحو الوارد بالحملة الترويجية ينطوي على مغالطةٍ للمنطق والتاريخ، بحسب العديد من المراقبين، الذين أشاروا إلى الأمس القريب، حيث أذاعت ذات الوسائل الإعلامية تعليقات المسؤولين السعوديين والإماراتيين على انتصار ما سمِّي حينها بـ "انتفاضة صنعاء" تحت وسم "لا حوثي بعد اليوم" على شبكات التواصل الاجتماعي.

فتخلي الحوثيون عن مواقعهم في صنعاء لم يكن سوى "انسحاب تكتيكي" لمخطط ضبط الرئيس اليمني المخلوع، "علي عبد الله صالح"، متلبِّسًا بمحاولته الانقلابية عليهم، ومن ثم تمت تصفيته مع مرافقيه، وهو ما تناولته "القصة" في تحليل سابق.

محاولة تغطية

هذا يعني أن تكرار احتفاء وسائل الإعلام السعودية بتطوراتٍ ميدانية لا تعبر عن واقع الهيمنة الاستراتيجية للحوثيين على الأرض ليس سوى محاولةٍ للتغطية على خسائر "ما بعد صالح".

ويعزِّز من هذه القراءة تواتر الأنباء عن انفراد الحوثيين بالهيمنة الشاملة والكاملة على صنعاء وأغلب مناطق الشمال اليمني، بما يعني خروج ولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان"، بفشلٍ جديدٍ لآخر مغامراته الإقليمية.

وبإضافة تنفيذ الحوثيين لمخطط تصفيةٍ ممنهج للهيكل التنظيمي التابع لحزب صالح (المؤتمر الشعبي العام) في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، عبر السيطرة على مقراته وتصفية قياداته واعتقال كوادره أو استمالتهم، يمكن القول بأن الحديث السعودي عن "انتصاراتٍ ميدانية" أقرب إلى دعاية البروباجندا التي روَّجت لها إذاعة صوت العرب للتغطية على واقع هزيمة 1967.

وقد جاء اعتراف وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، "أنور قرقاش"، بعملية التصفية الجارية في صنعاء، بمثابة انكشافٍ للدعاية السعودية، إذ تحدث صراحةً عن خطورة هيمنة الحوثيين على مؤسسات الدولة اليمنية بالكامل، وأكَّد أنها تمثِّل موردًا ماليًا يقدَّر بما بين3.5 و5 مليارات دولار سنويًا.

ولعل ذلك ما يفسِّر اضطرار ولي عهد أبو ظبي، "محمد بن زايد"، للرضوخ إلى ضرورات الواقع بإعادة العلاقات مع حزب التجمع اليمني للإصلاح، بوساطة "بن سلمان"، رغم استهداف قيادات الحزب بالقتل والاعتقال في مناطق الجنوب، من قبل قواتٍ مواليةٍ لدولة الإمارات (طالع تحليل القصة بشأنه(.

بروباجندا الردع

وإذا كانت ظروف دولة الإمارات والواقع الميداني لحراكها الجنوبي باليمن يسمح لـ"قرقاش" بمساحة الاعتراف، سالفة الذكر، فإن اضطراب الجبهة الداخلية السعودية، جراء حملة "بن سلمان" ضد العديد من أمراء "آل سعود" والوزراء وكبار رجال الأعمال، بدعوى مكافحة الفساد (طالع تحليل القصة بشأنها(، لا تسمح له إلا بدعم آلة البروباجندا، رغم سقوط الجنود السعوديين قتلى على الحد الجنوبي للمملكة بشكلٍ شبه يومي.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة دلالة توقيت ومحتوى الفيلم" width="100%" height="315"> الوثائقي "قوة الردع السعودي"، الذي ظهر فجأة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، مدعومًا بالآلاف من حسابات مؤسسات الدولة، وبشكلٍ متزامن، بهدف الترويج لقدراتٍ هائلة قالت إن الجيش السعودي يمتلكها، في إطار استعداده لصدِّ أي اعتداءٍ إيراني.

 بدا واضحًا أن رسالة الفيلم أقرب إلى الدعم المعنوي لجنود الحد الجنوبي للمملكة، بعدما تحوَّلت منطقتهم إلى مدن أشباحٍ تنهمر عليها مقذوفات الحوثيين وصواريخهم يوميًا، دون أي دليلٍ على قدرة "ردعٍ" كتلك التي تحدث عنها الفيلم.

يأتي ذلك فيما تنشر وسائل الإعلام السعودية أخبارًا شبه يومية عن أداء صلاة الميت على شهداء الحدِّ الجنوبي، بما يُؤشِّر إلى حالةٍ معنويةٍ صعبة تسود أوساط جنود القوات المسلحة هناك، الأمر الذي يُفسِّر إنتاج وترويج الفيلم من جانب، وتزامن ذلك مع حملة دعمٍ أمريكية ضد إيران قادتها مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة، "نيكي هايلي".

فيلم نيويورك

قدَّمت "هايلي" فيلمًا آخر في نيويورك عرضت فيه نماذج من صواريخ ومضادات ودبابات وطائرات وقوارب حوثية، لتؤكِّد أنها جميعها مصنوعة في إيران، وتدعو المجتمع الدولي إلى الوقوف بحزمٍ ضد طهران.

هل في إمداد إيران للحوثيين بالسلاح أي جديد؟ سؤال طرحه متابعو المؤتمر الصحفي الذي عقدته "هايلي"، تزامنًا مع أفلام البروباجاندا بالإعلام السعودي، لتأتي آلية "الوقوف الحازم" التي أعلنت عنها كاشفة عن الهدف الحقيقي من المؤتمر.

أعلنت "هايلي" أن واشنطن تعتزم بناء تحالف دولي يتصدَّى لممارسات إيران بالمنطقة، بما يؤشِّر إلى أن مشروع "بن سلمان" للحصول على "حمايةٍ دوليةٍ عسكرية" في مواجهة النفوذ الإيراني بات قريبًا من آليات التنفيذ.

وسبق لـ "القصة" تناول تفاصيل المشروع، الذي يقضي بدخول الرياض وتل أبيب في شراكةٍ عسكريةٍ واستخباراتية تحت مظلة "ناتو شرق أوسطي" يعمل على إعادة توازن الردع المفقود إقليميًا بعد الفشل السعودي الذريع في كلٍ من سوريا واليمن، إضافة إلى إخفاق محاولة "بن سلمان" تفجير الوضع الداخلي بلبنان للضغط على طهران، بعد تراجع رئيس الوزراء، "سعد الحريري"، عن الاستقالة التي أعلنها من الرياض (طالع تحليل القصة بشأنه(.

ويرى مراقبون أن خطة الدعم الأمريكي، الذي أعلنت عنه "هايلي"، تأتي كمقابلٍ للموقف السعودي الحقيقي من إعلان "ترامب" اعترافه بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي (طالع تحليل القصة بشأنه(.

إخفاقٌ متوقع

ورغم ما يبدو لأفلام الرياض ونيويورك من صدى إعلامي، إلا أن الصحفي بـ"الإندبندنت" البريطانية، "باتريك كوبيرن"، يتوقَّع إخفاقها في الوصول إلى أهدافها، مؤكدًا أن "قرارات بن سلمان ترتكز على نصائح غير حكيمة تُقوِّض مكانة السعودية في العالم".

ويشير "كوبيرن" إلى أن  تهور"بن سلمان" في إدارته لملفات ، السياسة الخارجية قاده إلى عكس الأهداف التي أرادها، ضاربًا المثل بدعمه بعض جماعات المعارضة المسلحة في سوريا عندما تولَّى والده العرش عام 2015، ليسفر ذلك عن تدخلٍ روسي واسع أدَّى في النهاية إلى انتصارٍ أكبر لقوات نظام "بشار الأسد".

الأمر ذاته تكرر في اليمن، فبعد نحو3 سنوات من الحرب هناك لم يصل "بن سلمان" إلى أي أفقٍ لحسمٍ عسكري، بل إن نهاية "صالح" المأساوية سجَّلت نصرًا استراتيجيًا للحوثيين في أهم المدن اليمنية (صنعاء) لا يمكن محوه بترويج أخبارٍ عن تقدم قوات الشرعية في مناطق أو محافظاتٍ أخرى.

وإزاء ذلك، ستظلُّ حقائق الواقع الميداني تفرض نفسها على جميع اللاعبين في المنطقة، بمن فيهم "بن سلمان" نفسه، الذي وجد نفسه مضطرًا للجوء إلى "إخوان اليمن" اليوم، ويرى مراقبون أن مآله إلى قبول تسويةٍ إقليمية لتقاسم النفوذ وفق الشروط الإيرانية غدًا.