مشاريع إيران العسكريَّة التوسُّعيَّة بـ«المتوسط والأحمر والعرب».. تهدِّد مَن؟

مشاريع إيران العسكريَّة التوسُّعيَّة بـ«المتوسط والأحمر والعرب».. تهدِّد مَن؟

02:32 ص

19-ديسمبر-2017

كانت إيران تنوي في البداية أن يكون الممرُّ البري ابتداء من أراضيها، ثم يخترق العراق ثم إلى شمال شرقي سوريا، مرورًا بحلب وحمص وانتهاء بميناء اللاذقية على البحر المتوسط، ويوجد في سوريا 4 مدن تُطلُّ على الساحل، وهي اللاذقية، وطرطوس، وجبلة، وبانياس.

مع بدء إيران تفعيل خط "طهران - دمشق" واستخدام الخط الواصل بين طهران والبحر الأبيض المتوسط مرورًا بالعراق، يكون مشروع الممرُّ الإيراني عبر البحر المتوسط قد حقَّق خطواتٍ عمليةٍ على الأرض لطهران، وبالرغم من أن كل دولةٍ من حقها أن تمتلك رؤية استراتيجية لتطوير قدراتها الدفاعية وخططها الاستراتيجية وامتلاك قدرات الردع وبناء خططٍ مستقبلية، إلا أن الأمر مختلفٌ عند تحليل الطموحات الإيرانية وبخاصة مشاريعها العسكرية بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب، لأنها ذات طابع توسُّعي أساسها تنفيذ مشاريع على أراضي دولٍ أخرى عبر تأجيج الصراع المذهبي الطائفي، فالممرَّات الإيرانية الجاري نحتها وحفرها تقع خارج الحدود الإيرانية وتعصف بأمن واستقرار الدول التي تمرُّ فيها أو تقع على حدودها، والأداة الرئيسة في تنفيذها شبكةٌ من الميليشيات الطائفية الشيعية.

وتعدُّ سوريا مثالًا واضحًا على الكوارث الإنسانية التي نتجت عن مساندة إيران للنظام السوري و"بشار الأسد" من أجل تحقيق حلم الممرِّ الإيراني الذي يمرُّ بحزمةٍ من الدول أهمها سوريا والعراق، ويجري استكمال الممر على جثث آلافٍ من البشر، وفق خطةٍ ممنهجةٍ للتهجير الديموغرافي الإحلالي على حساب المكون السُّنِّي، ينسج خارطة سياسية وجغرافية جديدة، وهو سيناريو يجري في سوريا والعراق ولبنان واليمن، بل يتمدد المشروع الإيراني إلى منطقة البحر الأحمر أيضًا مما يثير المخاوف بشأن وجود وخلق بؤرٍ جديدة للصراع الطائفي في دولٍ عربية وأفريقية تكون شعوبها ضحايا تدفع ثمن تنفيذ المشاريع الإيرانية المتنامية بأدواتٍ غير شرعية فيما يُعد تهديدًا لحزمةٍ من الدول المحيطة التي تخضع لعملياتٍ عسكرية قسرية.

ومن أجل تحقيق النفوذ الإيراني تتحالف طهران مع شبكةٍ من الأنظمة والجماعات، ففي العراق تتحالف مع الولايات المتحدة، وفي سوريا تتحالف مع نظام "الأسد" وروسيا، وفي لبنان مع حزب الله، وفي اليمن مع جماعة الحوثي، والأمر نفسه بأدواتٍ متعدِّدة في عدة دولٍ أخرى تمرُّ فيها أو تطلُّ عليها هذه الممرات والمشاريع الإيرانية.

 

استخدام خط طهران دمشق

بالفعل حقَّقت إيران جزءًا مهمًا من مشروع الممرّ الإيراني عبر المتوسط، فمنذ تدخُّلها العسكري في سوريا والعراق، كان لإيران هدف رئيسي من وجودها في كلا البلدَين، وهو التحكُّم في مساحاتٍ ممتدة من العراق إلى سوريا عبر وكلائها، وصولًا إلى البحر المتوسط، مما يضمن لها تحركًا سلسًا يثبت أقدامها في تلك المنطقة، ويساعدها على دعم حليفها الأبرز "حزب الله" في لبنان.

بالفعل تحقق هذا الهدف لطهران، فعقب سيطرة قوات نظام "بشار الأسد"، وميليشيا الحشد الشعبي العراقي على المناطق الواقعة على طرفي الحدود بين البلدَين، بدأت التحركات العسكرية الإيرانية، تظهر في الخط الواصل بين طهران والبحر الأبيض المتوسط مرورًا بالعراق.

في مؤشِّرٍ على كيفية توظيف إيران لمنجزات نظام "الأسد" والحشد الشعبي -ميليشيات شيعية طائفية- ميدانيًا لتحقيق مشروع الممر الإيراني، جاءت الخطوة الإيرانية بعد سيطرة قوات "الأسد" وبسط سيطرتها، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، على مدينة البوكمال، آخر المعاقل الكبيرة لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا، بينما استولت عناصر الحشد الشعبي العراقي على الجانب الآخر من الحدود الفاصلة بين الدولتَين.

تفعيل الخط البري

ووفقًا لمعلوماتٍ نقلتها وكالة الأناضول، الأحد 17 ديسمبر/كانون الأول 2017، عن مصادر محلية في سوريا، فإنّ إيران بدأت باستخدام الخط البري الواصل بين العراق وسوريا.

وأكَّدت المصادر أن قافلةً مكونة من "الحرس الثوري" الإيراني، والحشد الشعبي العراقي، دخلت خلال الأيام الماضية الأراضي السورية عبر مدينة البوكمال واتجهت نحو محافظة دير الزور شرقي سوريا، وبهذا تكون طهران قد بدأت فعليًا باستخدام خط "طهران - دمشق" لأغراضٍ عسكرية، وامتلكت القدرة على مواصلة وجودها العسكري في سوريا.

تنقل عبر طرقٍ آمنة

في رصدٍ لكيفية تخطيط طهران لمشروع الممر الإيراني، كانت صحيفة "الغارديان" البريطانية، قد ذكرت في تقريرٍ لها نهاية العام 2016، أن إيران في ذلك الحين كانت على وشك إكمال مشروعها، والانطلاق من أراضيها وصولًا إلى البحر المتوسط.

ونشرت الصحيفة نقلًا عن مسؤولٍ أوروبي كان يرصد دور إيران في جميع الحروب على مدار السنوات الخمس الماضية، قوله "إنهم يعملون على هذا بجد" مشيرًا إلى أن تحقيق إيران لذلك غير أنه سيمثل بالنسبة لهم "مسألة فخر"، فإنهم سيكونون أيضًا قادرين على نقل الناس والإمدادات بين البحر الأبيض المتوسط وطهران في أي وقتٍ يريدون، وسيفعلون ذلك على الطرق الآمنة التي يؤمِّنونها أو يؤمِّنها وكلاؤهم.

تعديل خريطة الممر

يشار إلى أن الممر الإيراني شهد تغيُّرًا في مساره، فقد كانت إيران تنوي في البداية أن يكون الممرُّ البري ابتداء من أراضيها، ثم يخترق العراق ثم إلى شمال شرقي سوريا، مرورًا بحلب وحمص وانتهاء بميناء اللاذقية على البحر المتوسط، ويوجد في سوريا 4 مدن تُطلُّ على الساحل، وهي اللاذقية، وطرطوس، وجبلة، وبانياس.

بينما إيران اضطرت إلى التراجع عن ذلك الممر، بسبب وجود قواتٍ أمريكية في شمال شرقي سوريا، في مناطق تسيطر عليها القوات الكردية، وبحسب صحيفة "الغارديان" فإن القادة الإيرانيين كانوا يرون في تجمُّع القوات الأمريكية ردعًا لطموحات طهران، ومن ثم قررت إيران نقل ذلك الممر جنوبًا بمساحة نحو (225.31 كم) لتجنُّب تجمُّعٍ للقوات الأمريكة، وكانت مدينة الميادين التي تواجَد فيها تنظيم "داعش" محطة رئيسية لتحقيق المشروع الإيراني.

أما أوامر تغيير مسار هذا الممر فقد صدرت من قائد فيلق القدس، "قاسم سليماني"، وقائد قوات الحشد الشعبي في العراق، "هادي العامري".

وبحسب مسؤولين عراقيين -نقلت عنهم صحيفة "الغارديان"- فإنَّ الممر الإيراني سيعبر من دير الزور إلى السخنة وحتى تدمر، ثُمَّ دمشق، باتجاه الحدود اللبنانية، حيث يمكن تحقيق الهدف الرئيسي لدعم حزب الله عن طريق إحداث تغييراتٍ في تركيبة السكان بما يحقق مشروع إيران.

الأمر الذي يكفل لإيران توفير مزيدٍ من الدعم إلى حزب الله، الموجود بقوة في الأراضي السورية دعمًا لـ"الأسد"، وبإمكانها إمداده بالأسلحة المتطورة التي يحاول نقلها إلى معقله الرئيسي في لبنان، إلا أن ذلك استدعى مرارًا ردًا من إسرائيل التي قصفت مرارًا بطائراتها قوافل أسلحةٍ كانت متوجهةً إلى مناطق الحزب.

«الفضاء الفارسي الجديد» إلى أين؟

أبعاد ومخاطر المشاريع الإيرانية العسكرية بالمنطقة تعاني في بعض الملفات والمناطق من التعتيم خاصة داخل إفريقيا، هذه المخاطر ناقشها المحلل اليمني "عبده سالم" -الخبير الاستراتيجي المهتم بمنطقة جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي- في دراسةٍ منشورة بمواقع يمنية محلية في 30 أكتوبر 2017 بعنوان "التغوُّل الإيراني في البحر الأحمر وبحر العرب".

ترصد الدراسة كيف أنه في أواخر عام 2001م، وبالتحديد عقب أحداث 11 سبتمبر، وانطلاق الحرب الدولية ضد الإرهاب، بدأت اللجنة التي شكّلها القائد الأعلى للثورة الإيرانية من كلٍ من الحكومة الإيرانية، ورئاسة الجمهورية، والمراجع الدينية، ومكتب قائد الثورة، تُعد مشروع الاستراتيجية الإيرانية لتحديد مستقبل إيران في الخارج، ومن ثم رسم الشكل الإمبراطوري لإيران في المنطقة.. وفي أواخر عام 2004م، أعلنت الحكومة الإيرانية أنها توصلت إلى صوغ استراتيجيةٍ إيرانية تحدِّد المعالم المستقبلية لوضع مستقبل إيران في منطقة جنوب غرب آسيا عام 2025م، وتُعرف هذه الاستراتيجية باسم "الوثيقة الإيرانية العشرينية" (من عام 2005م – عام 2025م)، أو الخطة الإيرانية العشرينية "إيران: عام2025".

وهي تُعتبر "أهم وثيقةٍ قوميةٍ وطنية بعد الدستور الإيراني"؛ كونها تضع التصورات المستقبلية للدور الإيراني خلال عشرين عامًا، وتهدف إلى تحويل إيران إلى نواةٍ مركزية لهيمنةٍ إقليمية في منطقة جنوب غرب آسيا كلها، وهي منطقةٌ ذات أربعة أضلاع تحدها الحدود الغربية للهند والصين، والحدود الجنوبية لروسيا، والحدود الشرقية لأوروبا وإفريقيا، والحدود الشمالية للمحيط الهندي.

خمس نظمٍ تحتية

تعد هذه المنطقة التي تطمح إيران أن تكون فضاءها الإمبراطوري بها خمس نظم تحتية هي: "الخليج الذي تسميه "الفارسي"، والقوقاز، وآسيا الوسطى، ومنطقة الشرق الأوسط وتحديدًا المنطقة العربية التي تشمل شبه الجزيرة العربية، وبلاد الشام، ومنطقة البحر الأحمر، وصولًا إلى صحراء سيناء المصرية، إضافة إلى شبه القارة الهندية، حيث تقع إيران في بؤرة هذا الفضاء الإقليمي المحوري للنظم الخمس وفي وسط المنطقة الواقعة على ساحتي الحضارة الإيرانية والإسلامية، أو ما يعرف باسم مشروع "حوزة إيران الحضارية" أو "إيران الكبرى"، والتي تشمل -وفقًا لما قاله مُصمِّم الوثيقة العشرينية وكاتب خطها السيد "محسن رضائي"- المنطقة الواقعة على حدود الصين شرقًا، والمحيط الهندي جنوبًا، والخليج الفارسي غربًا، والقوقاز وبحر قزوين شمالًا. 

ماذا تريد من البحر الأحمر وبحر العرب؟

في هذا الإطار، يمكن القول بأن عدد المناطق الاستراتيجية في إطار هذا الفضاء الجغرافي الملاصق لإيران والمحيط به هي: خمس مناطق استراتيجية، وتركز الدراسة على المنطقة الخامسة الممتدة من بحر عمان إلى قناة السويس وصحراء سيناء، كونها المنطقة التي تضم النظام الأمني لبحر العرب، وكذا النظام الأمني للبحر الأحمر، وفيما يلي التركيز على أهم ما يتعلق بمنطقة البحر الأحمر وبحر العرب:

من جهتها تسعى إيران حاليًا إلى الاستفادة من مجمل الاتفاقيات الأمنية الموقعة بينها وبين الدول الأعضاء المطلة على بحر العرب، خصوصًا عُمان، واليمن، والصومال.. فبموجب هذه الاتفاقيات تستطيع القطع البحرية الإيرانية أن تجوب ساحل بحر العرب للمراقبة والاستطلاع، وبحريةٍ كاملة حتى تصل إلى خليج عدن من بحر العرب، وكذا الساحل الصومالي المتاخم لخليج عدن، إلا أنها قد لا تتمكن من تجاوز هذه المنطقة والولوج إلى منطقة البحر الأحمر كون إيران لا تنتمي إلى النظام الأمني المخصص لدول هذه المنطقة.

بوابة بحر العرب

كذلك تسعى إيران إلى الاستفادة القصوى من الحالة العُمانية رسميًا وشعبيًا بحكم الموقع الذي تحتلُّه عُمان بالقرب من مضيق هرمز، ومن أوجه هذه الاستفادة، أنه من الناحية الرسمية: تعدُّ سلطنة عُمان كما هو معلومٌ لم تنخرط في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية لتحرير اليمن من القبضة الإيرانية، والمبرر العُماني هو أن السلطنة تشترك مع إيران في نظام أمني إقليمي واحد هو (بحر العرب)، وبموجب هذا النظام يصبح من المتعذِّر على السلطنة التوفيق بين المشاركة في التحالف العربي والتزاماتها الأمنية نحو إيران كشريكٍ أمني في منطقة بحر العرب.

وتعمل إيران على الاستفادة من عدم هذه المشاركة العُمانية بغية عزل عُمان عن أخواتها في مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي يسهل على إيران إدماج عُمان أمنيًا في منظومة الأمن الإيراني إلى الحد الذي تُصبح فيه عُمان مجرد بوابةٍ لإيران على بحر العرب.

ما بين المضيقَين

بعض المراقبين في الماضي كانوا يسمعون همسًا بأن إيران تتطلع إلى قيام اتحادٍ أو رابطةٍ أو نسقٍ تعاوني لدول بحر العرب، والهدف من ذلك هو شقُّ مجلس التعاون الخليجي بسحب عُمان وضمه مع اليمن إلى هذه الرابطة، إلا أن هذه الفكرة تبخَّرت بسبب عدم موافقة الدول الأخرى من دول بحر العرب لاسيَّما الهند وباكستان، ونتيجة لهذا الفشل الإيراني في الماضي بدأت إيران في الآونة الأخيرة وتحديدًا بعد عاصفة الحزم تعمل بصمتٍ وسرية تامة لإنشاء رابطةٍ شعبية باسم شعوب ما بين المضيقَين (أي مضيق هرمز و باب المندب)، ويبدو أن هذه الرابطة في الوقت الحالي ليست سوى نسق استخباراتي إيراني لتجميع بعض الكيانات الاجتماعية السواحلية في منطقة ما بين المضيقين.. إلا أنه في حال تعزز الحضور الإيراني أمنيًا وعسكريًا في بحر العرب قد تُشكِّل هذه الرابطة الشعبية نواة لمجلس تعاونٍ إقليمي مناهض لمجلس التعاون الخليجي.

ضفتا البحر الأحمر

على صعيد منطقة البحر الأحمر بالضفة الآسيوية منه، تراهن إيران على تحويل اليمن بحكم تنامي الحركة الحوثية واتساع تأثيرها إلى أهم منطقةٍ حيوية في الجسم الإمبراطوري الفارسي، الذي تعمل إيران حاليًا على تخليقه وإنتاجه كنسقٍ اجتماعي فاعل في المنطقة.

ترتكز أهمية اليمن بالنسبة لإيران في أنها تُمثِّل خط الالتفاف البحري الممتد من السواحل الإيرانية المتاخمة لبحر عُمان حتى خليج السويس وصحراء سيناء، حيث الجبهة الخلفية للصراع الوهمي مع الكيان الصيهوني، باعتبارها الجبهة البديلة للصراع مع الكيان الصهيوني في حال فقدت إيران الاعتماد على حزب الله في جنوب لبنان، وفي ظل هذا الوضع تصبح حركة الحوثي كطليعةٍ مسلحةٍ ومدربةٍ في اليمن هي البنية التحتية العسكرية الأمنية التي بإمكانها أن تمدَّ هذه الجبهة بالعدة والعتاد والبشر عبر البحر، لاسيَّما والحركة الحوثية لا تقل أهميةً وفاعليةً عن حزب الله في لبنان.

بشكلٍ ممنهجٍ تعمل إيران على جعل الحركة الحوثية في اليمن همزة وصلٍ للحوزات الدينية الإيرانية واللبنانية مع شرق إفريقيا، مستفيدةَ من الموقع الاستراتيجي لليمن كبوابة عبورٍ بحريَّة نحو إفريقيا وبوابة عبورٍ بريَّة نحو منطقة شبه الجزيرة العربية.

 

شراء أراضٍ بمناطق استراتيجية

الخطير أن إيران تضخُّ المبالغ المالية الكبيرة عبر الحوزات الدينية الإيرانية لشراء مساحاتٍ شاسعة من الأراضي الواقعة على المنافذ البحريَّة المطلَّة على الساحل اليمني، ومن ثم أخذ عقود البيع إلى إيران لتوثيقها في ملكية المراكز الشيعية ضمن ما يسمَّى بالوقف الشيعي في المنطقة، هذا فضلًا عن شراء الأراضي والمنافذ البحرية، خصوصًا في باب المندب وجزيرة ميون وجزيرة حنيش وساحل الحديدة – جيزان، عبر المستثمرين الإيرانيين واليمنيين باسم المشاريع الزراعية والسكنية والسياحية ومناطق الغوص والحمامات وغير ذلك من المشاريع الاستثمارية، وفي هذا الصدد هناك معلوماتٌ غير معلنة تؤكِّد أن خارطة شراء الأراضي يشمل أيضًا أرخبيل الفرسان من أراضي (المملكة)، لاسيَّما جزر الأرخبيل المطلَّة على باب المندب وأيضًا الجزر السعودية القريبة من ميناء ميدي في الجنوب.

الضفة الإفريقية من البحر الأحمر

على الضفة الإفريقية من البحر الأحمر، مؤخرًا تمكّنت إيران من اختراق العديد من مجتمعات منطقة البحر الأحمر، من خلال استخدام المؤثِّرات المذهبية والسلالية في هذه المجتمعات الفقيرة التي تنتشر فيها الخرافة والتبرك بالقبور؛ وهو ما شجَّع الإيرانيين في الدفع بالمزيد من الرحلات الدينية إلى هذه المناطق إلى جانب الهجرات (اللبنانية الشيعية المستقرَّة في هذه المنطقة استقرارًا مؤقتًا أو دائمًا).

كما أن السفن الإيرانية تستطيع أن تجوب بحر العرب بحرِّيةٍ كاملة حتى تصل إلى خليج عدن بحكم عضويتها في النظام الأمني لمنطقة بحر العرب، إلا أنها لا تستطيع الولوج إلى البحر الأحمر كونها لا تنتمي إلى هذا النظام، ولتجاوز هذا الحظر سعت إيران إلى تشبيك علاقتها بإريتريا، واستأجرت بعض القطاعات الساحلية في جزيرة دهلك حتى تتمكن من اختراق النظام الأمني للبحر الأحمر عبر هذا الوجود الحيوي لها في أرخبيل دهلك الإريتري، إلا أن التحالف العربي تمكن مؤخرًا من استيعاب النظام الإريتري وموقع إريتريا الجغرافي الهام ضمن الأداءات الاستراتيجية العسكرية للتحالف العربي، وهو ما أفقد إيران أهم حليفٍ في جنوب البحر الأحمر.

قواعد بحرية.. أين؟

لم تكتفِ طهران بخطط الممرَّات البريَّة والبحريَّة عبر بحار ومضايق استراتيجية في دولٍ تراها تقع في دائرة نفوذها، بل تستهدف بناء قواعد بحريَّةٍ فيها، ففي 26 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2016 أعلنت إيران عن أحد أهدافها الاستراتيجية، معلنةً عزمها بناء قواعد بحريةٍ في سوريا واليمن، رافق إعلانها حملة إعلامية حكومية بأن ذلك يعتبر أفضل من القوة النووية، التي كان من الممكن أن تمتلكها الجمهورية.

وصولٌ حر

ورصد مراقبون أن إنشاء قاعدةٍ بحريَّةٍ في اليمن يحظى بأهميةٍ كبيرةٍ لدى إيران، لوقوع سواحل اليمن على خط الشحن الاستراتيجي الذي يمرُّ بمضيق باب المندب، هذا التواجد هناك سيعطيها ميزة الوصول غير المقيد إلى البحر الأحمر، وبناء قاعدةٍ في اليمن سيمكِّنها من تقديم الدعم لوكلائها المتمرِّدين الحوثيين، في ظل الحصار المفروض عليهم من دول التحالف العربي، خاصةً بعد اضطرار السفن الحربية الإيرانية التي كانت تحمل شحناتٍ من الأسلحة للتراجع إلى الوراء بعد أن اعترضتها سفنٌ حربية أمريكية، وأسترالية وفرنسية، ما جعل طهران تُغيِّر من مسار تهريب الأسلحة.

القاعدة الإيرانية في سوريا

أما في سوريا إذا استطاعت إيران تحقيق هدف إنشاء قاعدةٍ لها، فسيوسِّع ذلك من نفوذ البحريَّة الإيرانية على البحر المتوسط، ويعزِّز من التواجد العسكري الإيراني بالقرب من السواحل الأوروبية، وسيساعد في إمداد حلفائها في لبنان وسوريا بالأسلحة دون العبور برًا، كما أن تدهور علاقتها بإريتريا والسودان ودول أفريقية قد يعطي قيام القاعدة في سوريا مجالًا حيويًا إيرانيًا يعوِّضها عما فقدته من تسهيلاتٍ في إفريقيا، بحسب مراقبين.