غلاف «لوبوان».. هكذا تحلب الصحف الغربية بقرة «ولي العهد السعودي المتهوِّر»

غلاف «لوبوان».. هكذا تحلب الصحف الغربية بقرة «ولي العهد السعودي المتهوِّر»

03:44 ص

19-ديسمبر-2017

إذ أعلن عن إحصائيةٍ مفادها أن30% من كُتَّاب الصحافة العالمية يتعمدون الإساءة للمملكة، الأمر الذي دفع الوزارة لإنشاء «مركزٍ متخصص» في التواصل مع وسائل الإعلام العالمية.

"الأمير الذي يستطيع تغيير كلِّ شيء"..

تصدَّر هذا الوصف غلاف العدد الأخير من مجلة "لوبوان" الفرنسية (Le Point) تعليقًا على صورة (بروفايل) لولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود".

وفي محتوى العدد، أشار تقريرٌ للمجلة إلى أن المملكة، في عهد "بن سلمان"، تمتاز قراراتها بـ"الذكاء والحنكة"، ما أهَّلها للقيام بدورٍ جوهري في محاربة الإرهاب وحركات التطرف، وهو ما احتفت به وسائل الإعلام السعودية على نطاقٍ واسع، لتُفرد مساحاتٍ واسعة لترجمة تقرير المجلة وصورة غلافها.

المديح ذاته، مع صورة بروفايل شبيهة، تصدَّرت وكالة "بلومبيرج" الأمريكية، في نوفمبر الماضي، تحت عنوان "الأمير وثورته"، حيث استعرض تقريرٌ للوكالة ما اعتبره "إنجازات" لعملية التغيير التي يقودها "بن سلمان" في السعودية خلال فترةٍ قصيرة.

وأثار توالي احتفاء الصحافة الغربية بولي العهد السعودي وسياساته تساؤل العديد من المراقبين بشأن مؤشراتٍ لعمليةٍ "ممنهجة" تستهدف الترويج للعهد الجديد بالمملكة عبر "لوبي إعلامي" يتلقَّى الدعم المالي من قبل الرياض بشكلٍ غير مباشر.

شراء الإعلام

وعزَّز من هذه القراءة، زيارة أجراها وزير الخارجية السعودي، "عادل الجبير"، لمقرِّ شبكة "بي بي سي" البريطانية في لندن، بعد 4 أيام من نشرها تقريرًا تليفزيونيًا لها من داخل فندق "ريتز كارلتون" في الرياض، وهو مقرُّ احتجاز المئات من الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال بدعوى حملة مكافحة الفساد داخل المملكة، والتي يقودها "بن سلمان" بنفسه.

فالشبكة البريطانية هي وسيلة" width="100%" height="315"> الإعلام الوحيدة التي "سمح" لها "بن سلمان" بالتصوير من داخل الفندق، ولذا جاءت معالجة تقريرها إيجابية لصورة الحكم السعودي الجديد، الذي يكافح الفساد ويقود الإصلاحات.

وبإضافة الحوار الذي أجراه "بن سلمان" شخصيًا مع الصحفي الأمريكي الشهير، "توماس فريدمان"، عبر صحيفة "نيويورك تايمز" يمكن القول بأن الشواهد باتت متواترة على "تنظيمٍ مخطَّط" لعلاقات فريق "بن سلمان" مع وسائل الإعلام الكبرى في العالم.

وجاءت تصريحات وزير الثقافة والإعلام السعودي، "عواد العواد"، الأحد (17 ديسمبر)، لتنقل القراءة من الترجيح إلى المعلومة، إذ أعلن عن إحصائيةٍ مفادها أن30% من كُتَّاب الصحافة العالمية يتعمدون الإساءة للمملكة، الأمر الذي دفع الوزارة لإنشاء "مركزٍ متخصص" في التواصل مع وسائل الإعلام العالمية.

يستهدف المركز، بحسب "العواد"، تحسين صورة السعودية، ومواجهة نسبة الثلث تقريبًا التي رصدتها الوزارة كـ"محتوى سلبي" في إطار تقارير "تحليل المضمون" لكافة وسائل الإعلام الغربية.

وإزاء ذلك، اعتبر محللون الربط بين تصريح "العواد" وتصاعد التعاطي الإيجابي لعديدٍ من الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية مع "بن سلمان" وفريقه، دلالةً على نجاح مشروعهم، بما يؤشر إلى نجاح مشروعهم الاقتصادي والاجتماعي لاحقًا، باعتبار أن الإعلام مرآة السياسة.

شواهد معاكسة

لكن ثمة شواهد أخرى، في المقابل، تؤكِّد أن القراءة السابقة ليست دقيقةً بالقدر الكافي؛ إذ تقود المقدمات فيها إلى النتائج بشكلٍ مجتزأ.

فالعودة إلى الأرشيف القريب لثلاثةٍ من نماذج التعاطي الإيجابي، سالفة الذكر (نيويورك تايمز وبلومبيرج ولوبوان)، يثبت حضورًا قويًا لنسبة الـ30% التي قدَّرها "العواد" في تصريحه، ما يعني أن القول بتحولها إلى منشورات دعايةٍ سعودية في بلدانها ليس صحيحًا على الإطلاق.

فصحيفة "نيويورك تايمز"، التي أجرت حوار "فريدمان" الشهير، هي ذاتها التي كشفت شراء "بن سلمان" للوحة "دافنشي" "مخلِّص العالم"، بمبلغ 450 مليون دولار أمريكي، وهو أكبر مبلغٍ تم دفعه في تاريخ البشرية مقابل لوحةٍ فنية، ما أثار جدلًا دوليًا واسعًا، لم يكن في صالح "بن سلمان" قطعًا (طالع تحليل القصة بشأنه).

بل إن الصحيفة ذاتها فجَّرت مفاجأة جديدة، مساء السبت (16 ديسمبر)، بكشفها أن ولي العهد السعودي اشترى قصرًا فارهًا في فرنسا مقابل 300 مليون دولار، لينضم هذا القصر إلى جملة المبالغ الفلكية التي يُنفقها منذ وصول والده إلى الحُكم في السعودية قبل نحو 3 سنوات.

تصبُّ هذه المعلومات في صالح "بروفايل" آخر لـ"بن سلمان" يتمثَّل في صورة الأمير الذي يصل به الإسراف إلى حدِّ السّفه من الناحية الاجتماعية، والرجل الذي "يشتري" مواقف الدول بصفقاتٍ غير مباشرة، في نموذجٍ مُعدَّل لدبلوماسية دفتر الشيكات المتعارف عليها تاريخيًا بالسعودية.

وفي السياق ذاته، كانت وكالة "بلومبيرج" هي مصدر تسريب اللقاءات التي جرت بين "بن سلمان" و"جاريد كوشنر"، صهر الرئيس الأمريكي، "دونالد ترامب"، حول "صفقة القرن" وإخفاء تفاصيلها عن وزير الخارجية، "ريكس تيلرسون"، بما فيها الاتفاق على بنود تصفية القضية الفلسطينية.

وتؤكِّد الشواهد على أن توقيت التسريب لم يكن مُرحَّبًا به في السعودية، التي لا تزال متمسكة بالنفي الظاهري لأي تطبيعٍ مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

براجماتية صحفية

أما الشاهد الأبرز، فيتمثَّل في مجلة "لوبوان" نفسها (صاحبة الغلاف الأخير لـ"بن سلمان")، باعتبارها أول وسيلة إعلامٍ أطلقت وصف "الأمير المتهوِّر" على ولي العهد السعودي.

وحذَّر الصحفي بالمجلة، "ستيفان لاكرواكس"، في يونيو 2017، من أن تسرُّع "بن سلمان" في اتخاذ القرارات سيسبِّب المزيد من الأزمات بالشرق الأوسط، واصفًا إياه بأنه "معروفٌ بعدوانيته وغطرسته".

ومن هنا يمكن الوصول إلى تحليلٍ آخر لمحتوى أعداد المجلات والصحف ذات "البروفايلات السلمانية"، مفاده أن إدارات تحريرها تتعاطى مع النهم السعودي لتحسين صورة المملكة الوهَّابية لدى الغرب بقدرٍ كبيرٍ من البراجماتية.

فتحت عنوان "الرأي والرأي الآخر"، تنشر أكثرية وسائل الإعلام الغربية تقارير تحمل ثناءً كبيرًا وانتقادًا لاذعًا لـ"بن سلمان" بشكلٍ متزامن، بما يحافظ على أحد خطوط مواردها المالية (شركات العلاقات العامة المدفوعة بقوة المال السعودي) من جانب، وعلى مهنيتها الإعلامية عبر الاعتماد على مصادر أخرى، معارضة لـ"بن سلمان"، من جانبٍ آخر.

لوبي سعودي

وتمثِّل أحداث 11 سبتمبر مدخلًا لتأسيس "لوبي إعلامي سعودي" بالدول الغربية، إذ ظهرت حاجة الرياض المُلحَّة لضمان التأثير في السياسة الأمريكية والحفاظ على مصالحها، عبر تعزيز توظيف شركات العلاقات العامة للتأثير على صانعي القرار في واشنطن.

وفي كشف حسابٍ أرسلته شركة Qorvis Communications LLC للعلاقات العامة بتاريخ السابع من أغسطس 2002 إلى سفير السعودية بالولايات المتحدة في واشنطن آنذاك، "بندر بن سلطان"، ظهر أن حجم الأموال التي اضطر "بندر" إلى دفعها للشركة تجاوز الـ11 مليون دولار في 4 أشهر فقط، إذ مثَّلت هجمات سبتمبر ضربةً قاصمة لصورة المملكة الذهنية لدى الغربيين عمومًا والأمريكيين خصوصًا.

وإذا كان ذلك هو نهج المملكة قبل عهد "بن سلمان"، فإن صعود الأمير الشاب على سلَّم السلطة ضاعف من تأثير هذا النهج، وجعله أكثر حضورًا.

وفي هذا الإطار، كشفت الوثائق أن مركز الدراسات والشؤون الإعلامية بالديوان الملكي، ممثلًا بمديره، "سعود القحطاني"، (صديق "بن سلمان") تعاقد مع شركة Podesta Group عام 2016، عبر دفعه مبلغ 140 ألف دولار شهريًا مقابل تقديم "خدمات علاقاتٍ عامة" للمركز، وذلك بالتزامن مع الحملة السعودية لمحاولة إجهاض تمرير مشروع قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا)، الذي يُمكِّن ضحايا هجمات سبتمبر من مقاضاة الدول المتهمة بدعم الإرهابيين، وعلى رأسها السعودية.

فشلت جهود اللوبي الإعلامي السعودي حينها، لكن "بن سلمان" يُدرك أن وقف الإمداد المالي عبر شركات العلاقات العامة ذات الصلة بالصحف وشبكات التلفزة الأمريكية والغربية يعني خسارته للمساحة التي يحتلها حاليًا.

يُدرك ولي العهد براجماتية العلاقة مع صحفٍ ومجلاتٍ نشرت غلافًا بصورته الشخصية وفضحت لقاءاته السرية في الوقت ذاته، لكنه لا يملك سوى الاستمرار بإغداق الأموال، في محاولةٍ لتحسين "الوزن النسبي" لحضوره الإعلامي في أوروبا والولايات المتحدة.

وتمثِّل هذه العلاقة، إلى حدٍّ بعيد، تطبيقًا لذلك التعبير الذي أطلقه "ترامب" على السعودية، إبَّان حملته الانتخابية، عندما وصفها بـ "البقرة الحلوب التي متى جفَّ ضرعها وجب ذبحها".

وإذا كانت الخسائر المتوالية للمغامرات السعودية إقليميًا كافية لتوقعاتٍ تُرجِّح "ذبح" أمنها القومي فإن آخر ما يبحث عنه "الأمير المتهوِّر" هو خسارة جديدة تنتقل من الميدان إلى صفحات المجلات وشاشات القنوات الفضائية.