اجتماعات «الحميدان».. هل تُنقذ الوساطة المخابراتية «بن سلمان» من وحل اليمن؟

اجتماعات «الحميدان».. هل تُنقذ الوساطة المخابراتية «بن سلمان» من وحل اليمن؟

01:41 م

20-ديسمبر-2017

فالإمارات ضمنت حدًا أدنى من ترسيخ نفوذها عبر شبكة علاقاتٍ واسعة النطاق مع فصائل الحراك الجنوبي

"أجواءٌ حربية دون أفقٍ للحسم"..

هكذا وصف العديد من المراقبين الوضع في اليمن بعد اغتيال الرئيس المخلوع، "علي عبد الله صالح"، على يد الحوثيين، إذ تورَّطت قيادة المملكة العربية السعودية في دائرةٍ مفرغة من الصراع دون أي أفقٍ لتدارك خسارتها الميدانية على الأرض، فضلًا عن وجود إمكانيةٍ للحسم العسكري.

ويعدُّ هذا التورط ذا دلالةٍ خاصة لولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان"، إذ أن أولى العمليات العسكرية في اليمن (عاصفة الحزم) جاءت متزامنة مع بداية صعوده على سلم السلطة السعودية، ما جعل من مصير الحرب هناك مؤشرًا على المدى الذي يمكن أن يصل إليه دهاء أو تهور ولي العهد، حسبما يرى مؤيدوه ومعارضوه آنذاك.

ولما استمرت الحرب لنحو ثلاث سنوات دون أي أفقٍ للحسم العسكري، وصولًا إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها "صالح" ضد الحوثيين (حلفائهم في الانقلاب على الرئيس اليمني "عبد ربه منصور هادي") وأسفرت عن انفرادهم التام بالسيطرة على صنعاء، بات "بن سلمان" في وضعٍ لا يُحسد عليه، خاصةً أن السعودية ستكون أكبر الخاسرين في حال استمرار هذا الوضع الميداني.

مدن أشباح

فالإمارات ضمنت حدًا أدنى من ترسيخ نفوذها عبر شبكة علاقاتٍ واسعة النطاق مع فصائل الحراك الجنوبي، حتى بات الجنوب اليمني منطقة نفوذٍ خالصة لأبو ظبي، بينما سيطر الحوثيون، المدعومون من إيران، على صنعاء والشمال اليمني، ما حوّل الحدود الجنوبية للسعودية إلى مدن أشباحٍ تتساقط عليها المقذوفات يوميًا، وصولًا إلى شمول الصواريخ الحوثية كامل مساحة المملكة، بما فيها العاصمة (الرياض).

استمرار هذا الوضع يعني خسارةً تاريخية للسعودية وخضوعًا إجباريًا للشروط الإيرانية في أي تسويةٍ إقليميةٍ قادمة، وهو ما حاول "بن سلمان" مواجهته باستراتيجية "الهروب للأمام" عبر محاولة تفجير جبهاتٍ جديدة للصراع الإقليمي، خاصةً في لبنان، وذلك بعدما أعلن رئيس وزرائها، "سعد الحريري"، استقالته من الرياض.

ولما فشلت المحاولة في لبنان (طالع تحليل القصة) لم يعد للسعودية مخرجًا سوى ورقة انقلاب "صالح" على الحوثيين، ما أسفر عن خسارةٍ أكبر باغتيال الرئيس المخلوع، وتمكن الذراع الإيراني من الشمال اليمني منفردًا.

وإزاء ذلك، لم يعد الرهان ممكنًا على أيٍ من اللاعبين الميدانيين باليمن باستثناء فريقَين، الأول يمثله أنصار "صالح" وحزبه (المؤتمر الشعبي العام) والثاني يمثله حزب التجمع اليمني للإصلاح، المحسوب على تيار الإخوان المسلمين.

وسبق لـ "القصة" تناول محاولات ولي عهد أبو ظبي، "محمد بن زايد"، لدفع نجل "صالح" (أحمد) إلى لعب دور القائد الجديد لبقايا هيكل "المؤتمر"، تحت شعار الثأر لأبيه، بالتحليل، حيث رجَّحت المؤشرات أن مؤهلاته وخبراته الميدانية ليست كافية للقيام بهذا الدور.

ومن هنا جاءت قراءة الاجتماع المفاجئ بين "بن سلمان" و"بن زايد" من جانب وقيادات حزب الإصلاح اليمني من جانبٍ آخر، وهو اللقاء الذي لم يكن ليحدث تحت أي ظرفٍ إلا بعد استنفاذ جميع سبل الحل الأخرى، خاصةً من الجانب الإماراتي، حيث يعد استئصال كافة حركات الإسلام السياسي والجهادي أحد الثوابت التي تتسم بها العقيدة الأمنية للدولة.

عرضٌ إماراتي

إلا أن التسريبات الواردة بشأن محاولات تجهيز خليفة "صالح" في القيادة تفيد بأن نجله (أحمد) رفض العرض الإماراتي بدعم وتمويل حشد هيكل حزب المؤتمر الشعبي العام من جديد خلفه، وإطلاق قناةٍ فضائية ناطقه باسمه، وتوفير دعمٍ مالي لكافة أنشطته السياسية والعسكرية.

نجل "صالح" تحجج بتقييد حركته بعقوباتٍ صادرة عن الأمم المتحدة كي يعتذر لكل الوفود التي حاولت إقناعه بالمهمة الإماراتية، خاصةً في ظل إدراكه بصعوبة إعادة بعثه سياسيًا على الساحة اليمنية من جديد، باعتبار أن محاولات توريثه السلطة كانت أحد أسباب اندلاع ثورة 11 فبراير.

ولعل ذلك ما يفسر اجتماع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية "السي آي إيه"، "مايكل بومبيو"، بالعاهل السعودي، الملك "سلمان بن عبد العزيز"، في الرياض، الثلاثاء (19 ديسمبر)، حيث بات تعقيد الوضع الميداني دافعًا لـ"بن سلمان" كي يبحث عن دعمٍ استخباراتي أمريكي للخروج من مأزق تحول كامل الأراضي السعودية إلى مرمى للصواريخ الحوثية.

طرفٌ مشترك

لكن طرفًا مشتركًا بين لقاء "سلمان" – "بومبيو" ولقاء "بن سلمان" و"بن زايد" لقيادات حزب الإصلاح اليمني بالرياض، دفع العديد من المراقبين إلى الحديث عن صفقةٍ رباعية (سعودية – إماراتية - أمريكية – إخوانية)، في مفارقةٍ فرضتها ظروف الواقع الميداني التي جعلت من حزب الإصلاح الملاذ الميداني الأخير، وفق آخر المعطيات على الأرض.

هذا الطرف هو مدير الاستخبارات العامة السعودية، "خالد بن علي الحميدان"، الذي تولّى عملية إذابة الجليد في العلاقة بين قيادات الإصلاح والإماراتيين من جانب، ونسّق مع نظيره الأمريكي للقاء مع الملك "سلمان" من أجل بحث التنسيق المشترك بهدف دعم المحاولات الميدانية لمواجهة الحوثيين لاحقًا، والتي سيكون "الإصلاح" عنصر الفاعلية الأول بها على الأرجح.

لكن تطورات التصعيد الحوثي بثاني استهدافٍ صاروخي للرياض أعطت لملف التنسيق الاستخباراتي بُعدًا استراتيجيًا أكبر، إذ أن هذا التنسيق يعدُّ حيويًا لضمان وصول المعلومات الخاصة بتجهيزات إطلاق الصواريخ على كامل الأراضي اليمنية إلى قيادة التحالف العسكري العربي، الذي تقوده السعودية، كي تتمكن طائراتها من قصفها قبل إطلاقها.

هذا يعني أن التنسيق بين "الحميدان" و"بومبيو" انتقل من كونه أحد ملفات دعم الأطراف المناوئة للنفوذ الإيراني بالمنطقة إلى كونه أحد ضرورات "الأمن القومي السعودي" في المرحلة المقبلة، حسبما يرى "بن سلمان" وفريق الحكم الجديد بالمملكة.

وبإضافة أن الصاروخ، الذي تم إطلاقه باتجاه الرياض، استهدف قصر اليمامة رأسًا، وأن قناة المسيرة، المحسوبة على الحوثيين، أعلنت أن القصر كان يشهد حينها اجتماعًا موسعًا لقادة النظام السعودي، إلى كون لقاء "سلمان" – "بومبيو" تم في القصر ذاته، يمكن القول بوجود مصلحةٍ سعوديةٍ – أمريكيةٍ مشتركة لاستخدام ورقة "الإصلاح" ميدانيًا باليمن، ولو مرحليًا. 

ورقة ضغط

وعلى التوازي، لا يبدو أن الإماراتيين نفضوا أيديهم من ملف نجل "صالح" بشكلٍ نهائي، رغم رفضه لعرضهم، إذ تكشف أنباء الساعات الماضية أن أسرة "علي عبد الله صالح" (المكونة من أطفال ونساء) غادرت صنعاء إلى عدن، برفقة مجموعةٍ من الحراس الشخصيين، تمهيدًا للانتقال إلى دولة الإمارات عبر مطار عدن الدولي.

وإزاء ذلك، يرى العديد من المراقبين أن وجود العائلة في أبو ظبي سيمثِّل ورقة ضغطٍ إماراتية ربما تدفع "أحمد صالح" إلى قبول عرض "بن زايد" لاحقًا، ولو بشكلٍ جزئي، عبر تصدر جهود الدعم السياسي لتوحيد صف "المؤتمر الشعبي" مع الفصائل المناوئة للحوثيين، بما فيها "الإصلاح"، على الأقل.

لا مؤشرات على تقديم الولايات المتحدة دعمها الاستخباراتي لـ "الإصلاح" بشكلٍ مباشر، لكن حدوث ذلك عبر الوسيط السعودي أو الإماراتي أمرٌ وارد بطبيعة الحال، والمؤكَّد أن تحالف الخصوم هذا لن يدوم طويلًا، وهو ما تدركه كل أطرافه ومع ذلك لا تجد بُدًا من الانخراط فيه!